وَيُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ: «أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: بَيَّنَ اللَّهُ الخَلْقَ مِنَ الأَمْرِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الإِيمَانَ عَمَلًا.
قَالَ أَبُو ذَرٍّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ» وَقَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
وَقَالَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مُرْنَا بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ، إِنْ عَمِلْنَا بِهَا دَخَلْنَا الجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ وَالشَّهَادَةِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ.
فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَمَلًا.
[ ٤١٩ ]
٧٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الحَيِّ مِنْ جَرْمٍ وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ، فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ، فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ كَأَنَّهُ مِنَ المَوَالِي، فَدَعَاهُ إِلَيْهِ فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ لَا آكُلُهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَلْأُحَدِّثْكَ عَنْ ذَاكَ: إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، قَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ»، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ، فَسَأَلَ عَنَّا، فَقَالَ: «أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ؟»، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، ثُمَّ انْطَلَقْنَا، قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لَا يَحْمِلُنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا؟ ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ: فَقَالَ: «لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَتَحَلَّلْتُهَا» (^١).
(الشَّيخُ): رَاجِعِ الكَلَامَ على القَاسِمِ التَّمِيمِيِّ. العَينِيُّ فيه شَيءٌ؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٣٤)]: «والقَاسِمُ التَّمِيمِيُّ هو ابنُ عَاصِمٍ». [انتهى كلامه].
_________________
(١) ورواه مسلم (١٦٤٩).
[ ٤٢٠ ]
[قال الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ في «عُمدَةِ القَارِي» (٢٥/ ١٩٨)]: «والقَاسِمُ بن عَاصِمٍ التَّمِيمِيُّ، ويُقَالُ: الكَلبِيّ، ويُقَالُ: اللَّيثِيُّ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وهَذَا أَصْلٌ في أنَّ المُؤمِنَ إذا حَلَفَ على شَيءٍ ثم رَأَى ما هو أَصلَحُ منهُ يُكَفِّرُ عن يَمِينِهِ، ولِهذَا في اللَّفظِ الآخَرِ: «إِنِّي واللهِ لَا أَحلِفُ عَلى يَمِينٍ فأَرَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا إلا أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ وكَفَّرتُ عن يَمِيْنِي» (^١)، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ: «إِذَا حَلفْتَ على يَمِينٍ فَرَأَيتَ غَيرَهَا خِيرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عن يَمِينِكَ وأْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ» (^٢).
وفيه: أنَّ أَعمَالَ العِبَادِ مَخلُوقَةٌ للهِ، وأنَّ اللهَ هو الذي حَمَلَهُم، يَسَّرَ أَمرهُم ويَسَّرَ للنَّبيِّ ﷺ هَذَا المَالَ وهو الغَنِيمَةُ فَحمَلَهُم، فَفعلهُ فِعْل الْمَخلُوقِينَ، واللهُ خَالِقُهُم وأَعْمَالَهُم ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]، فَأعمَالُهُم من إِيمَانٍ وكُفرٍ وصَلَاةٍ وصَومٍ وحَملٍ ونُزُولٍ وغَيرِ ذَلكَ هي أَعمَالُهُم، مَخلُوقَةٌ للهِ ﷿، واللهُ الخَلَّاقُ، وله الأَمرُ، فَالقَولُ غَيرُ الفِعلِ، فلهُ الأَمرُ سُبحَانَهُ، وله التَّصَرُّفُ في عِبَادِهِ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢] له الأَمرُ النَّافِذُ، وكَلمَاتُهُ وَصفٌ له سُبحَانَهُ، وهو بِسَائرِ صِفَاتِهِ هو الخَلَّاقُ، والعِبَادُ بِسَائرِ صِفَاتِهِم وأَعمَالِهِم مَخلُوقُونَ.
المُؤَلِّفُ كَرَّرَ هَذِه التَّرَاجِمَ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١)﴾ [البروج: ٢١] لِهذَا الغَرضِ بَيانُ …؟
نعم كُلُّهَا لِأجْلِ فِعلِ الْمَخلُوقِ نعم، والقِرَاءَةُ قِرَاءتهُ، والمَقرُوءُ كَلَامُ اللهِ ﷾.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٧١٨)، ومسلم (١٦٤٩) (٧).
(٢) رواه البخاري (٦٦٢٢)، ومسلم (١٦٥٠) (١١).
[ ٤٢١ ]
(الشَّيخُ): رَاجِعِ الكَلَامَ على «جَرمٍ»، الذي أَعرِفُهُ بِفَتحِ الجِيمِ قَبِيلهُ عَبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ الجَرمِيِّ، أَبُو قلَابَةَ. «القَّامُوس» و«التَّقرِيب»: عَبد اللهِ بن زَيدٍ، أَبُو قلَابَةَ؟
[قالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ في «تَقرِيبِ التَّهذيبِ» (٣٣٣٣)]: «عَبدُ اللهِ بنُ زَيدِ بنِ عَمرٍو أو عَامِرٍ الجَرْمِيُّ، أَبُو قلَابَةَ البَصْرِيُّ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ، كَثِيرُ الإِرسَالِ، قَالَ العَجلِيُّ: فيه نَصبٌ يَسِيرٌ، مِنَ الثَّالِثَةِ، مَاتَ بِالشَّامِ هَارِبًا مِنَ القَضَاءِ سَنَةَ أَربَعِ مائَةٍ، وقِيلَ بَعدَها، ع».
قال في «القَامُوسِ» (^١): «والجَرْمُ: الحَارُّ، مُعَرَّبٌ، والأرضُ الشَّديدَةُ الحَرِّ، وزَوْرَقٌ يَمَنِيّ، ج: جُرُومٌ، وبَطْنٌ في طَيِّئٍ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا هو، جَرمٌ، هَذِه فَائِدَةٌ ثَانِيةٌ، أَنَّه بَطنٌ مِنْ طَيِّئٍ.
٧٥٥٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ ابْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ؛ فَقَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ المُشْرِكِينَ مِنْ مُضَرَ، وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي أَشْهُرٍ حُرُمٍ، فَمُرْنَا بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهِ دَخَلْنَا الجَنَّةَ، وَنَدْعُو إِلَيْهَا مَنْ وَرَاءَنَا، قَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: آمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَتُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: لَا تَشْرَبُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالظُّرُوفِ المُزَفَّتَةِ، وَالحَنْتَمَةِ» (^٢).
_________________
(١) «القاموس المحيط» (١٠٨٧).
(٢) ورواه مسلم (١٧).
[ ٤٢٢ ]
وهَذِه كُلُّهَا مِنْ أَعمَالِهِم لِمَا تَقَدَّمَ، كُلُّهَا جَعَلَهَا عَمَلًا؛ فَأقوَالُهُم وأَعمَالُهُم مَخلُوقَةٌ.
وفيه: أنَّ العَملَ منَ الإِيمَانِ، والرَّدُّ على المُرجِئَةِ، فَالأَعمَالُ كُلُّهَا مِنَ الإِيمَانِ، ولِهذَا قَالَ ﵊: «الإِيمَانُ بِضعٌ وسِتُّوَن شُعبَةً -أو قال- بِضعٌ وسَبعُونَ شُعبَةً، فَأفضَلُهَا قَولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عنِ الطَّرِيقِ، والحِيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» (^١)، فَجَعَلَ إِمَاطَةَ الأَذَى مِنَ الطَّرِيقِ، وجَعلَ الحَيَاءَ وكَلمَةَ لا إِلهَ إلَّا اللهُ وبَقِيَّةَ أُمُورِ الدِّينِ كُلِّهَا مِنْ الإِيمَانِ.
وأمَّا النَّهيُ عنِ الشُّربِ في الدُّبَّاءِ والحَنتَمِ والنَّقِيرِ والْمُزَفَّتِ فهَذَا كَانَ في أَوَّلِ الإِسلَامِ ثم نُسِخَ، كَانَ الرَّسُولُ ﷺ نَهَاهُم عن الدَّبَّاءِ: وهو القَرعُ، والحَنتَمِ: وهي الجَرَّةُ تُعمَلُ منَ الطِّينِ، والنَّقِيرُ: يُنقَرُ مِنَ الجُذُوعِ، والمُزَفَّتُ: الْمُقَيَّرُ، كَانُوا يَنبِذُونَ فيْهَا الرُّطَبَ والتَّمرَ والزَّبِيبَ حَتَّى يَتَخَمَّرَ ثم يَشرَبُونَها، فَنُهُوا عن ذَلكَ.
فلمَّا حُرِّمَتِ الخَمرُ صَارَ الْمُسلِمُ قد يَشرَبُها، ما يَعلَمُونَ أَنَّها تَخَمَّرَت؛ لِأَنَّهَا قَوِيةٌ لا يَبِينُ فيها الشِّدَّةُ؛ فَنُهُوا عن النَّبذِ فيها لِئَلَّا يَقَعُوا في شُربِ الخَمرِ، وأُمِرُوا بِالشُّربِ في الأَوعِيَةِ التي يُلَاثُ على أَفْوَاهِهَا مِنَ الجُلُودِ؛ لِأنَّه إذا اشتَدَّ بها الخَمرُ انْشَقَّتْ وانْصَدَعَتْ.
ثم قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُنْتُ نَهيتُكُمْ عَنِ الانْتِبَاذِ فِي الأَوعِيَةِ، فَانَتَبِذُوا في كُلِّ وِعَاءٍ، ولا تَشرَبُوا مُسْكِرًا» (^٢). فَرَخَّصَ لهم بعد ذَلكَ في الانْتِبَاذِ في هَذِه الأَوعِيَةِ، لكن مع الحَذَرِ مِنْ شُربِ الْمُسْكِرِ، يَعْنِي: يَعتَنُوا بها، فإذا ظَهَرَ فيها الشِّدَّةُ وبَانَ فيها التَّخمُّرُ أُرِيقَتْ.
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥) (٥٧).
(٢) رواه مسلم (٩٧٧) (١٠٦).
[ ٤٢٣ ]
٧٥٥٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُقَال لهُم أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (^١).
٧٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُقَال لهُم أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (^٢).
يَعْنِي ما صَوَّرتم وأَوجَدتُم، فَجَعَلَه عَمَلًا لهم وهو تَصوِيرُهَا على النَّحوِ الذي أَرَادُوا.
و«الخَلَّاقُ»: هو اللهُ الذي أَوجَدَهَا، واللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ فَسَمَّى تَصوِيرَهُم خَلقًا؛ لِأنَّه يَتَضَمَّنُ تَقدِيرًا وتَحدِيدًا، وهَذَا يُسَمَّى خَلْقًا كما قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤]. أَي: الْمُقَدِّرِينَ، وإِلَّا فَالخَلَّاقُ هو اللهُ وَحدَهُ سُبحَانَهُ، هو الْمُوجِدُ والْمُنشِئُ والْمُحدِثُ هو اللهُ وَحدَهُ، لَيْسَ هُنَاكَ خَالِقٌ آخَرُ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]. لكن
_________________
(١) ورواه مسلم (٢١٠٧).
(٢) ورواه مسلم (٢١٠٨).
[ ٤٢٤ ]
تَصوِيرُ الأَشيَاءِ وتَقدِيرُهَا وتَنظِيمُهَا يَقعُ مِنْ الْمَخلُوقِ، مِنْ أَعمَالِ المَخلُوقِ، ومِن هَذَا قَولُ الشَّاعِرِ:
ولأنت تَفرِي ما خَلقْتَ
وبَعْضُ القَومِ يَخلُقُ ثم لا يَفْرِي
يَعْنِي يُقَدِّرُ ثم لا يُنْشِئُ ولا يُوجِدُ مِنَ العَمَلِ.
المَقصُودُ أنَّ هُنَا خَلْقَهُم يَعْنِي: تَصويرَهُم إِيَّاهَا على الشَّكلِ الَّذِي يُرِيدُونَ، أَمَّا المَادَّةُ والعَمَلُ فهو خَلقُ اللهِ ﷾ هو الذي خَلَقَهُم وخَلقَ أَعمَالَهُم والمَادَّةَ التي صَوَّرُوهَا.
٧٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً» (^١).
(الشَّيخُ): تَكَلَّمَ الشَّارِحُ على كَلِمَةِ «خَلَقتُمْ» العَينِيُّ أو الشَّارِحُ؟.
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٣٤)]: «وَقَوْلُهُ: «يَخْلُقُ كَخَلْقِي» نَسَبَ الْخَلْقَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ أَوِ التَّشْبِيهِ فِي الصُّورَةِ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ: «فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ شَعِيرَةً» أَمْرٌ
_________________
(١) ورواه مسلم (٢١١١).
[ ٤٢٥ ]
بِمَعْنَى التَّعْجِيزِ، وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّرَقِّي فِي الْحَقَارَةِ أَوِ التَّنَزُّلِ فِي الْإِلْزَامِ، وَالْمُرَادُ بِالذَّرَّةِ إِنْ كَانَ النَّمْلَةُ فَهُوَ مِنْ تَعْذِيبِهِمْ وَتَعْجِيزِهِمْ بِخَلْقِ الْحَيَوَانِ تَارَةً، وَبِخَلْقِ الْجَمَادِ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْهَبَاءِ فَهُوَ بِخَلْقِ مَا لَيْسَ لَهُ جِرْمٌ مَحْسُوسٌ تَارَةً، وبِمَا لهُ جِرْمٌ أُخْرَى، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ «أَوْ» شَكًّا من الرَّاوِي.
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهِ: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» إِنَّمَا نَسَبَ خَلْقَهَا إِلَيْهِمْ تَقْرِيعًا لَهُمْ بِمُضَاهَاتِهِمُ اللَّهَ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ؛ فَبَكَّتَهُمْ بِأَنْ قَالَ: إِذَا شَابَهْتُمْ بِمَا صَوَّرْتُمْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَحْيُوهَا كَمَا أَحْيَا هُوَ مَنْ خَلَقَ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَسْنَدَ الْخَلْقَ إِلَيْهِمْ صَرِيحًا وَهُوَ خِلَافُ التَّرْجَمَةِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ كَسْبُهُمْ؛ فَأَطْلَقَ لَفْظَ «الْخَلْقِ» عَلَيْهِمُ اسْتِهْزَاءً، أَوْ ضَمَّنَ «خَلَقْتُمْ» مَعْنَى صَوَّرْتُمْ تَشْبِيهًا بِالْخَلْقِ، أَوْ أَطْلَقَ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِمْ فِيهِ.
قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُنَاسَبَةَ ذِكْرِ حَدِيثِ الْمُصَوِّرِينَ لِتَرْجَمَةِ هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ لَوْ صَحَّتْ دَعْوَاهُ لَمَا وَقَعَ الْإِنْكَارُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُصَوِّرِينَ، فَلَمَّا كَانَ أَمْرُهُمْ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيمَا صَوَّرُوهُ أَمْرَ تَعْجِيزٍ وَنِسْبَةُ الْخَلْقِ إِلَيْهِمْ إِنَّمَا هِيَ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ؛ دَلَّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ نَسَبَ خَلْقَ فِعْلِهِ إِلَيْهِ اسْتِقْلَالًا. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
ثُمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَسْبِ اعْتِبَارُ الْجِهَتَيْنِ؛ فَيُسْتَفَادُ الْمَطْلُوبُ مِنْهَا وَلَعَلَّ غَرَضَ الْبُخَارِيِّ فِي تَكْثِيرِ هَذَا النَّوْعِ فِي الْبَابِ وَغَيْرِهِ بَيَانُ جَوَازِ مَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ» إِنْ صَحَّ عَنْهُ.
[ ٤٢٦ ]
قُلْتُ: قَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ؛ فَقَالَ: كُلُّ مَنْ نَقَلَ عَنِّي أَنِّي قُلْتُ: «لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ» فَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ، وَإِنَّمَا قُلْتُ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ. أَخْرَجَ ذَلِكَ غُنْجَارٌ فِي تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ من «تَارِيخ بُخَارَى» بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ سَمِعَ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ ذَلِكَ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُمَرَ وَأَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ الْخَفَّافِ أَنَّهُ سَمِعَ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ ذَلِكَ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وما ذَلكَ إلا لأنَّ «لَفظِي بِالقُرآنِ» مُحتَمِلَةٌ، فلِهذَا تَبَرَّأَ منها، لِأنَّه يَحتَمِلُ «لَفظِي» الصَّوتَ، ويَحتمِلُ المَلفُوظَ؛ فلِهذَا تَبَرَّأَ من ذَلكَ كما أَنْكَرَ ذَلكَ جَمعٌ مِنَ السَّلَفِ، لِئَلَّا يُتَوَصَّلَ بذَلكَ إلى قَولِ الجَهمِيَّةِ.
فَرقٌ بين اللَّفظِ والصَّوتِ، الصَّوتُ لا يَشتَبِهُ، واللَّفظُ قد يُؤَوَّلُ على المَلفُوظِ كَالخَلقِ بِمَعنَى المَخلُوقِ؛ فَلِهذَا تَبَرَّأَ من ذَلكَ، وَأنَّه يُبَينُ أن أَفعَالَهُم مَخلُوقَةٌ ومن ذَلكَ أَصوَاتُهُم كما تَقَدَّمَ.
الصَّوتُ ما فيه اشْتِباهٌ عَفَا اللهُ عنكَ؟
الصَّوتُ لا، صُوتُهُ هو، ما يَسمَعُ النَّاسَ إلا صَوتَهُ هو، ما هو صَوتُ اللهِ.
اللَّفظُ؟
يَحتَمِلُ أَوضَح مِنْ «لَفظِي» «تَلَفُّظِي» ما يَحتَمِلُ مَعنَى المَفعُولِ، ولكن أَحسَنُ منه «صَوتِي»، وإذا أَرَادَ اللَّفظَ بِمَعنَى الصَّوتِ ما فيه مَحذُورٌ، الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ.
[ ٤٢٧ ]