٧٤٣٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، وَهُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَافْعَلُوا» (^١).
وَهذَا منَ الفَضلِ العَظِيمِ، وَفِيهِ البِشَارَةُ لِأهْلِ الإِيمَانِ بِأنَّهُم يَرَونَ رَبَّهُمْ الكَرِيمَ جل وعلا يَومَ القِيامَةِ، رُؤيَةً وَاضِحةً كَمَا تُرَى الشَّمسُ صَحْوًا لَيسَ دُونَها سَحَابٌ، وَكمَا يُرَى القَمرُ لَيلَةَ البَدرِ فِي حَالِ اسْتِكمَالهِ لَيلَةَ البَدرِ-اللَّيلَةَ الرَّابِعةَ عَشْرةَ- حَالَ تَمَامِ نُورِهِ.
وَهذَا أَعْلَى نَعِيمِ أَهْلِ الجنَّةِ، أنَّهُم يَروْنَهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَيَروْنَهُ فِي الجنَّةِ أيْضًا كَمَا يَشَاءُ ﷾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
_________________
(١) ورواه مسلم (٦٣٣).
[ ١٤٤ ]
[يونس: ٢٦] الحُسْنَى: الجَنَّةَ، وَالزِّيادَةَ جَاءَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ صُهَيبٍ ﵁: أَنَّها النَّظرُ إِلَى وَجهِ اللهِ جل وعلا، وَلِهذَا قَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾: منَ النَّضَارةِ ومِنَ الحُسنِ وَالبَهَاءِ وَالجَمَالِ، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَومَ القِيَامةِ لهَا نُورٌ عَظِيمٌ وَبَهاءٌ عَظِيمٌ وَجَمَالٌ عَظِيمٌ، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: تَنْظرُ إِلَى رَبِّها.
تَأوَّلهُ أَهْلُ التَّأوِيلِ بِنفْيِ ثُبُوتِ الرُّؤيَةِ، بِأنَّها تَنظُرُ إِلَى ثَوابِهِ. وهَذَا مِنْ أَبْطلِ البَاطِلِ؛ لِأنَّ المَقْصودَ: إِلَى رَبِّها نَاظِرةٌ إِلَى وَجهِهِ الكَرِيمِ ﷾. كَمَا فَسَّرهُ الآيَاتُ الأُخرَى وَالأَحَادِيثُ الصَّحِيحةُ كَهذَا الحَدِيثِ.
ثُمَّ قَالَ ﵊: «فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ عَلَى أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا». هَذَا فِيهِ: الحثُّ عَلَى العِنَايةِ بِهَاتَينِ الصَّلَاتَينِ أَعْظمَ مِنْ غَيرِهِما -الفَجرِ وَالعَصرِ- وَأنَّ مَنْ يُحافِظُ عَليْهِما سُرَّ بِالنَّظرِ إِلَى وَجهِ اللهِ ﷿، وَأنَّ المُحَافَظةَ عَليْهِما مِنْ أَعْظمِ الأَسْبابِ لِهذِهِ الرُّؤيَةِ العَظِيمَةِ، وَإنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ كُلُّها يَلزَمُ المُحَافَظةُ عَليْهَا، وَيَجبُ أنْ يُحَافِظَ عَليْهَا، وَكلُّهَا عَمُودُ الإِسْلَامِ، وَكُلُّها لَازِمَةٌ، وَلَكِن لِهَذيْنِ الفَرْضَينِ -الصَّلَاةِ أَوَّلِ النَّهَارِ وَفِي آخِرِهِ- لِهَذيْنِ الفَرْضَيْنِ سِرٌّ وَأَثرٌ عَظِيمٌ فِي حُصُولِ النَّظرِ إِلَى وَجهِ اللهِ ﷿.
[ ١٤٥ ]
٧٤٣٥ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ اليَرْبُوعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا» (^١).
يَعنِي: مُعَاينَةً، أيْ: مُشَاهدَةً، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ.
٧٤٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ» (^٢).
مَعنَى «لَا تُضَامُّونَ» أيْ: لَا يَلْحقُكُم ضَيْمٌ، وَكلٌّ مِنْكُم يَرَى رَبَّه مِنْ دُونِ زَحْمةٍ وَلَا مَشقَّةٍ كَمَا تَرَى الشَّمسَ وَالقَمرَ دُونَ زَحْمةٍ وَلَا مَشقَّةٍ، رُؤيَةٌ عَظِيمَةٌ
_________________
(١) ورواه مسلم (٦٣٣).
(٢) ورواه مسلم (٦٣٣).
[ ١٤٦ ]
ظَاهِرةٌ عَيَانًا مُشَاهدًا.
وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «لَا تُضَارُّونَ» (^١)، يَعنِي: لَا تَشكُّونَ فِي رُؤْيتِهِ، بلْ رُؤيَةٌ ظَاهِرةٌ.
وَلِعظَمِ هذِهِ النِّعمَةِ عَلَى المُؤمِنِينَ ذَكرَ اللهُ ضِدَّها فِي حَقِّ الكَافِرينَ، فقَالَ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]. فَالكُفَّارُ مَحْجوبُونَ عَنْها، وَالمُؤْمِنونَ مَأْذونٌ لَهُمْ فِيهَا، وَيُمتَّعُونَ بِهَا، ويُيَسَّرُونَ لهَا، فَضْلًا مِنهُ وَإِحْسَانًا ﷾.
٧٤٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟». قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟». قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا شَافِعُوهَا أَوْ مُنَافِقُوهَا - شَكَّ إِبْرَاهِيمُ - فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ.
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣) (٣٠٢).
[ ١٤٧ ]
فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُهَا، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمِ السَّعْدَانَ؟». قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ (^١) عِظَمِهَا إِلَّا اللهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ المُوبَقُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ - أَوِ المُوثَقُ بِعَمَلِهِ - وَمِنْهُمُ المُخَرْدَلُ، أَوِ المُجَازَى، أَوْ نَحْوُهُ، ثُمَّ يَتَجَلَّى، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ المَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ، مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ بِأَثَرِ السُّجُودِ، تَأْكُلُ النَّارُ ابْنَ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، قَدِ امْتُحِشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ تَحْتَهُ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مِنْهُمْ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، هُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَدْعُو اللهَ مَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَهُ. ثُمَّ يَقُولُ اللهُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ؟
_________________
(١) كذا في الفتح، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «ما قدر عظمها».
[ ١٤٨ ]
فَيَقُولُ: لَا، وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ أَبَدًا؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، وَيَدْعُو اللهَ، حَتَّى يَقُولَ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي مَا شَاءَ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، انْفَهَقَتْ لَهُ الجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الحَبْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللهُ: أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ. فَيُقَالُ: أَيْ رَبِّ، لَا أَكُونُ (^١) أَشْقَى خَلْقِكَ. فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ، قَالَ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللهُ لَهُ: تَمَنَّهْ، فَسَأَلَ رَبَّهُ وَتَمَنَّى، حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ، يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ، قَالَ اللهُ: ذَلِكَ لَكَ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ» (^٢).
وَلِهذَا قَالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا
_________________
(١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «لَا أَكُونَنَّ».
(٢) ورواه مسلم (١٨٢).
[ ١٤٩ ]
يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢]، يَكْشِفُ لَهُمْ عَنْ سَاقِهِ ﷾، وَالسَّاقُ هُنَا وَاليَدُ وَالقَدَمُ وَكلُّ ذلِكَ عَلَى الوَجهِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ ﷾، لَا يُشَابهُهُ خَلقُهُ فِي أيِّ شَيءٍ، فَعِنْدَهَا يَسْجدُونَ لَهُ ﷾، وَيَبقَى المُنَافِقُونَ لَا يَسْتطِيعُونَ ذلِكَ وَلَا يَرَونَهُ ﷾؛ لِأنَّهُم مَحْجوبُونَ عَنهُ لِخُبثِهِم وَضَلالِهِم، فَالمُنَافقُ أَعْظمُ كُفْرًا منَ الكَافِرِ المُعْلِنِ.
يَومَ القِيامَةِ يُنَادَى فِي النَّاسِ: لِتَتَّبعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعبُدُ، فعُبَّادُ الشَّمسِ تُمَثَّلُ لَهمُ الشَّمسُ فَيَتَّبِعونَهَا إِلَى النَّارِ، وعُبَّادُ القَمرِ كَذلِكَ يُمثَّلُ لهُمُ القَمرُ فَيتَّبِعُونهُ إِلَى النَّارِ، وَعُبَّادُ اللَّاتِ وَالعُزَّى وَمَناةَ وَالأَصْنَامِ الأُخْرَى تُمثَّلُ لَهُمْ أَصْنامُهُم فَيتَّبِعُونَها إِلَى النَّارِ، وعُبَّادُ البَدَويِّ أوِ الشَّيخِ عَبدِ القَادِرِ أوِ الحُسَينِ أوْ فُلَانٍ أوْ فُلَانٍ تُمَثَّلُ لهُمْ مَعْبُودَاتُهم حَتَّى يَتَّبِعونَهَا إِلَى النَّارِ.
وَيَعُودُ المُؤمِنُ لَا يَدخُلُ فِي ذَلِك، المُؤمِنُ الَّذِي لمْ يَرضَ أنْ يُعبَدَ مِنْ دُونِ اللهِ لَيسَ دَاخِلًا فِي ذلِكَ، وَإنْ مُثِّلتْ لهُمْ صُورَتهُ وَاتَّبعُوهُ إِلَى النَّارِ، لكِنَّهُ لَا يَدخُلُ النَّارَ هُوَ، فَالأَنبِياءُ وَالمُؤمِنُونَ المَعْبُودُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَيسُوا رَاضِيْنَ بِعِبادَتهِم، وَهُمْ يَنْفُونَها وَلَيسُوا مَعَ عَابِدِيهِم، بلْ عَابِدُوهُم فِي النَّارِ، وَهُمْ سَالِمُونَ مِنْ ذَلِك؛ وَلِهذَا قَالَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨]، فَهَؤُلاءِ المَعْبُودُونَ الرَّاضُونَ بِذلِكَ، وهَكَذا الأَصْنَامُ وَأَشْباهُهَا كُلُّهم مَع عَابِدِيهِم إِلَى النَّار، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
وَأمَّا المَعْبودُ الَّذِي لمْ يَرضَ بِذلِكَ كَالأَنْبِياءِ -﵈- وعَليٍّ، وَالحَسنِ، وَالحُسيْنِ، ﵃، وَعَبدِ القَادرِ الجِيلَانيِّ وَأَشْباهِهِم منَ المُؤمِنِينَ هُمْ لَا يَرْضَونَ بِعِبادَةِ مَنْ عَبدَهُم، بلْ أَنْكرُوا ذلِكَ فِي حَيَاتِهِم وَحَذَّرُوا مِنْ ذلِكَ -فهَؤُلاءِ
[ ١٥٠ ]
لَا يَدْخُلونَ معَ عَابِدِيهِم إِلَى النَّارِ، بلْ هُمْ نَاجُونَ وَسَالِمُونَ، وَعَابِدُوهُم منَ الكَافِرينَ هُمْ الَّذينَ يُسَاقُونَ إِلَى النَّارِ، وإِنْ مُثِّلتْ لَهُمْ صُوَرُهُم وَتَابِعُوهُم يَظنُّونَ أنَّهُم هُم، فهُمْ يتَّبِعُونهُم إِلَى النَّارِ، وَالصُّورَةُ هِيَ فِي الحَقِيقَةِ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
هَلِ الكُفَّارُ يَرَونَ ربَّهُم يَومَ القِيَامةِ؟
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥] هُمْ أَكْثرُ النَّاسِ، لَا يَرَوْنهُ.
قَولُهُ: «وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ». يَعنِي: الصِّرَاطَ الَّذِي [يُنصَبُ] عَلَى جَهنَّم كَمَا فِي النُّصُوصِ الأُخرَى. مَاذا قَالَ الشَارِحُ أوِ العَينِيُّ؟
المَقْصُودُ: «وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ» أنَّ الصَّحِيحَ: فِيهِ غَلطٌ مِنْ بَعضِ الرُّوَاةِ، وَالمَقْصُودُ «فِي جَهنَّمَ» يَعنِي: مَنْصوبٌ عَلَى جَهنَّمَ؛ لِأنَّ الصِّرَاطَ مَوْضُوعٌ عَلَى جَهنَّمَ، مَنْ سَقطَ منَ الصِّرَاطِ صَارَ إِلَى النَّارِ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
قَولُهُ: «تَخْطَفُ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُم المُوبَقُ وَمِنْهُمُ المُخَرْدَلُ»: قَولُهُ: «تَخْطَفُ» مِنْ بَابِ فَرِحَ وَمِنْ بَابِ تَعِبَ. وَالمَعْنَى: أنَّ النَّاسَ عَلَى الصِّرَاطِ عَلَى أَقْسَامٍ وعَلَى طَبَقاتٍ، حَتَّى إنَّ مِنهُم مَنْ يُخْدَشُ وَتُصِيبُهُ بَعضُ الأَشْياءِ عَلَى الصِّرَاطِ؛ لِضَعفِ عَملِهِ الصَّالِحِ وَمَا أَصَابَهُ مِنْ أَسْبَابِ النَّقصِ فَينْجُو، وآخَرُ يُخْدشُ فَيَسْقُطُ فِي النَّارِ بِهذِهِ الكَلَالِيبِ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
قَولُهُ: «حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ»: وَهذَا يُبيِّنُ أنَّهُ يَدخُلُ النَّارَ أُنَاسٌ مُصلُّونَ، يَدخُلُ النَّارَ مُوحِّدُونَ وَمُصلُّونَ،
[ ١٥١ ]
لكِنْ دَخَلُوهَا بِأَعْمالٍ أُخْرَى، دَخَلُوهَا بِالزِّنَا بِالرِّبَا بِالعُقُوقِ بِأَشْياءٍ أُخْرَى مِنْ جَرائِمِهِم، فَإِذَا أَذِنَ اللهُ فِي إِخْراجِهِم: أَمرَ المَلَائِكةَ أنْ تُخْرِجَهُم، وَأَمرَ الشُّفَعاءَ أنْ يَشْفعُوا فَيَخرُجُ منَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْركُ بِاللهِ شَيْئًا مِنْ أَهْلِ التَّوحِيدِ وَالإِسْلامِ الَّذينَ أَوْبَقتْهُم الذُّنُوبُ وَأَدْخلَتْهُم الذُّنُوبُ النَّارَ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
ويُعْرَفُونَ بِآثَارِ السُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأنَّ الله حرَّمَ عَلَى النَّار أنْ تَأكُلَ آثَارَ سُجُودِ ابْنِ آدَمَ، هَذَا منَ العَلَامَاتِ الَّتِي تَبْقَى يَعْرِفونَهُم بِهَا، وهَذَا مِنْ حِكْمتِهِ وَعدْلِهِ ﷾ حَتَّى يَمِيزَ هَؤُلاءِ مِنْ هَؤُلاءِ، يَمِيزَ أَهْلَ الخُلُودِ منَ الكَفرَةِ عَنْ مَنْ لمْ يُحْكَم لهُمْ بِالخُلُودِ وَالبَقَاءِ فِي هَذَا حَتَّى يَخرُجَ.
وَهذَا يُفِيدُ الحَذرَ، وَأنَّهُ لَا يَنْبغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَغتَرَّ وَيَقُولَ: إنَّهُ منَ المُصَلِّينَ، أوْ منَ المُزكِّينَ، ثمَّ يُسْرفُ عَلَى نَفْسهِ فِيمَا حرَّمَ اللهُ عَليْهِ، فلَمْ يَدْخُلْها وهُوَ مَعَ المُصلِّينَ، وهُوَ معَ المُوحِّدِينَ، ولكِنَّهُ أَسْرفَ عَلَى نَفسِهِ بِشَيءٍ منَ المَعَاصِي الَّتِي مَاتَ عَليْهَا وَلَمْ يَتُبْ، كَعُقوقِهِ لِوَالِديْهِ، أَكلِهِ لِلرِّبَا، تَعاطِيهِ المُسْكِراتِ، الزِّنَا، اللِّواطِ، ظُلمِ النَّاسِ … إِلَى غَيرِ هَذَا مِنْ أَنْواعِ الجَرَائمِ.
فَلْيحْذرِ العَاقِلُ غَايَةَ الحَذرِ، وَيُحاسِبُ نَفسَهُ، وَلَا يُعجَبُ بِنفْسِهِ وَلَا يُعْجبُ بِعَملِهِ: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩].
قَولُهُ: «فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتُحِشُوا …». امْتُحِشُوا: يَعنِي: احْتَرقُوا، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
وَالمَعْنَى فِي هَذَا: أنَّ اللهَ يُخرِجُهُم قدْ مَاتُوا وَاحْتَرقُوا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: «يُنْبِتُهُمُ اللهُ إِنْبَاتًا» ثمَّ يُصَبُّ عَليِهم مَاءُ الحَياةِ -نَهرٌ مِنَ الجَنَّةِ- فَيَنبُتُونَ كَمَا تَنبُتُ الحِبَّةُ مِنْ حَمِيلِ السَّيلِ، فَإِذَا نَبتُوا أَدْخلَهُم اللهُ الجَنَّةَ،
[ ١٥٢ ]
ويُعْرَفونَ فِيهَا أنَّهُم عُتَقاءُ اللهِ منَ النَّار الَّذينَ أَصَابهُمْ مَا أَصَابَهُم، وَيُطلَقُ عَليِهمُ الجُهنَّمِيُّونَ، ثمَّ يُمْحَى عنْهُم مَا يُشِينُهُم، رَحْمَةً منَ اللهِ ﷿.
فهَذَا يُبيِّنُ لنَا أنَّ كلَّ مَا وَرَدَ منَ الأَحادِيثِ فِي فَضْلِ التَّوحِيدِ وَفَضلِ مَنْ مَات عَلَى التَّوحِيدِ وَفَضلِ مَنْ مَاتَ عَلَى الشَّهَادَتيْنِ صَادِقًا، أنَّ كلَّ هَذَا فِيمَنْ حقَّقَ حقَّ الشَّهادَتَينِ، وَأدَّى حَقَّهَا وَاسْتكْمَلَ مَا أَوجبَ اللهُ عَليْهِ، وَترَكَ مَا حَرَّم اللهُ عَليْهِ، فَأمَّا مَنْ فرَّطَ وَأضَاعَ وَلمْ يُؤدِّ حقَّ الشَّهادَتيْنِ فهُوَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ فِيمَا مَاتَ عَليْهِ منَ السِّيِّئاتِ الَّتِي اقْتَرفَهَا وَلمْ يَتُبْ مِنْها، فَلا حَولَ وَلَا قوَّةَ إلَّا بِاللهِ.
الإِمَاتةُ هذِهِ إِمَاتةٌ خَاصَّةٌ عَفَا اللهُ عَنكَ؟
جَاءَ فِي حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ ﵁ الَّذِي رَواهُ مُسلِمٌ (^١) أنَّهَا إِمَاتةٌ خَاصَّةٌ.
مَا يَبقَى مَعَها إِحْساسٌ؟
اللهُ أَعْلمُ. لكِنْ كَونُهُم يَدْخُلونَ النَّار فَيَمُوتُونَ فِيهَا إِماتَةً إِحْساسُهُم بِها لَا بُدَّ مِنهُ … (^٢).
[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَة القَارِي» (٢٥/ ١٢٦)]: «قَوْله: «قَدِ امْتَحَشُوا» بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ بِفَتْح التَّاءِ وَالحَاءِ، هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَات، وَكَذَا نَقَلهُ القَاضِي عَنْ مُتْقِنِي شُيُوخِهِ، قَالَ: وَهُوَ وَجهُ الْكَلَامِ،
_________________
(١) رواه مسلم (٣٠٦) (١٨٥).
(٢) كلمة غير واضحة. لعلها: منه.
[ ١٥٣ ]
وَكَذَا ضَبطَهُ الْخطَّابِيُّ وَالهَروِيُّ وَقَالَا فِي مَعْنَاهُ: احْتَرقُوا، وَرُوِيَ عَلَى صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي «الصِّحَاحِ»: المَحْشُ: إِحْراقُ النَّارِ الْجِلدَ، وَفِيهِ لُغَةٌ: أَمْحَشَتْهُ النَّارُ، وَامْتَحشَ الْجِلدُ: احْتَرَقَ، وَقَالَ الدَّاودِيُّ: امْتَحشُوا: ضَمرُوا ونَقصُوا كَالمُحْترِقِينَ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: امْتَحشُوا يَعنِي: احْتَرقُوا … (^١)
مَا مَعنَى حِبَّة؟
حبَّةُ النَّبَاتِ الصَّغِيرِ، الحبَّةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تَنْبُتُ، البذْرَةُ الَّتِي تَصلُحُ لِلبَذْرِ.
قَولُهُ: «ذَكَاؤُهَا» يَعنِي: شِدَّةَ حرِّهَا، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ، هَذَا يُحمَلُ عَلَى أنَّ وَجْهَهُ إِلَى النَّارِ، أُخرِجَ مِنْها، لكِنْ بَقِيَ وَجهُهُ إِليْهَا، مَا بَعدُ صُرِفَ وَجْهُهُ عَنْها، فَلِهذَا يَطلُبُ مِنْ رَبِّهِ أنْ يَصرِفَ وَجهَهُ عنْهَا.
(الشَّيخُ) رَاجِعْ أَوْجُهَ الكَلامِ فِي «فَيُقالُ»؟ وَجهُ الكَلَامِ: فَيَقُولُ، ضَعْ نُسخَةً: (فَيقُولُ). وَمعْنَى يُقَالُ: أنَّهُ يَقُولُ هُوَ، وهَذَا منَ المَفْهُومِ منَ المَعْلُومِ.
وَهذَا الكَلامُ يَدلُّ عَلَى كَمَالِ حِلمِهِ ﷾ وَرَحْمتِهِ، وَأنَّهُ جل وعلا يَحلُمُ عَلَى عِبادِهِ وَلَا يَرُدُّ سُؤالَهُم إِذَا أَلحُّوا عَليْهِ وَطَلبُوهُ جل وعلا، وهُوَ الجَوَادُ الكَرِيمُ.
وَيُبيِّنُ ضَعْفَ ابْنِ آدَمَ، مَهمَا أَعْطَى مِنَ المَواثِيقِ، وَمَهمَا قَالَ، وَمَهْما فَعلَ فهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَا يَنْبغِي لِلعَبدِ أنْ يَيْأسَ مِنْ ربِّهِ، بلْ يُلحُّ فِي الدُّعَاءِ وَيَطلُبُ
_________________
(١) كلام غير واضح.
[ ١٥٤ ]
فيُلِحُّ -هَذَا الكَرِيمُ الجَوادُ العَظِيمُ- فِي طَلبِ السَّعادَةِ وَالنَّجَاةِ أمْرٌ مَطْلوبٌ، وَلِهذَا هَذَا الخَارِجُ منَ النَّارِ يَمكُثُ مَا شَاءَ اللهُ ثمَّ يُلِحُّ وَيَنتَهِي فِي الدُّعَاءِ حَتَّى نَالَ مَطْلُوبَهُ، حَتَّى دَخلَ الجنَّةَ، وأَنَّ اللهَ سُبْحانَهُ يَعرِفُ حَاجَتهُ وَضَعْفَهُ، وَيَعلَمُ هَذَا مِنهُ، وَلَكنَّهُ سُبْحانَهُ يُظهِرُ فَضْلَهُ وَرَحْمتَهُ وَإِحْسَانَهُ، ويُظهِرُ ضَعفَ ابْنَ آدَمَ وَغَدرَهُ وَعَجزَهُ وَعَدمَ وَفائِهِ، إلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ، وَاللهُ المُسْتعَانُ.
«وَاللهُ جل وعلا يَعْذِرهُ» كَمَا فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى، مَا يَسْتطِيعُ الصَّبرَ وهُوَ يَرَى أَهْلَ الجنَّةَ وَمَا هُمْ فِيهِ منَ النَّعِيمِ يَبْقَى لَا جنَّةً وَلَا نَعِيمًا، مَا يَسْتطِيعُ، وَلِهذَا يُلِحُّ فِي الدُّعَاءِ وَيَسكُتُ مَا شَاءَ، لكِنَّهُ يُلِحُّ حَتَّى حَصَلَ مَطلُوبُهُ.
٧٤٣٨ - قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ اللهَ ﵎ قَالَ: «ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ»، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: «وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ»، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا حَفِظْتُ إِلَّا قَوْلَهُ: «ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ»، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْلَهُ: «ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَذَلِكَ: الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ (^١).
وَآخِرُ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا منَ النَّارِ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَاللهُ المُسْتعَانُ.
_________________
(١) ورواه مسلم (١٨٣).
[ ١٥٥ ]
٧٤٣٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا؟»، قُلْنَا: لَا. قَالَ: «فَإِنَّكُمْ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا». ثُمَّ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ: لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ، وَأَصْحَابُ الأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ، وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ، مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، وَغُبَّرَاتٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ. فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلهِ صَاحِبَةٌ، وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشْرَبُوا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ:
[ ١٥٦ ]
مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ اليَوْمَ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا. قَالَ: فَيَأْتِيهِمُ الجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. فَلَا يُكَلِّمُهُ إِلَّا الأَنْبِيَاءُ، فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: السَّاقُ. فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الجَسْرُ؟ قَالَ: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ، تَكُونُ بِنَجْدٍ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، المُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا، فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً فِي الحَقِّ، قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ المُؤْمِنِ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ، فَإِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِي إِخْوَانِهِمْ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا إِخْوَانُنَا الَّذِينَ، كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا، وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: اذْهَبُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، وَيُحَرِّمُ اللهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ، وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ، فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ، فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا».
[ ١٥٧ ]
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]. «فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالمَلَائِكَةُ وَالمُؤْمِنُونَ، فَيَقُولُ الجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الجَنَّةِ، يُقَالُ لَهُ: مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيْهِ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ، وَإِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ، فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ، وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ، فَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمُ الخَوَاتِيمُ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ أَهْلُ الجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، أَدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ. فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ» (^١).
هُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا منَ النَّارِ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ المُسْتعَانُ.
_________________
(١) ورواه مسلم (١٨٣).
[ ١٥٨ ]
قَولُهُ: «فَيَذهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ، وَأَصْحَابُ الأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ، وَأَصْحَابُ كُلِّ إِلَهِ مَعَ آلِهَتِهِمْ» يَعنِي: إِلَى النَّارِ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ، يُسَاقُونَ إليها، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
الشيخ: نُسْختُكَ (غُبَّرَاتٌ) بِضمِّ الغَينِ. رَاجِعِ الضَّبطَ.
[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَة القَارِي» (٢٥/ ١٢٨)]: «قَوْلهُ: وَغُبَّرَاتٌ، بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحدَةِ أَي: بَقَايَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: جَمعُ غَابِرٍ، وَلَيْسَ كَذَلِك، بْل هُوَ جَمعُ غُبَّرٌ، وَغُبرُ الشَّيْء بَقِيَّتهُ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الغُبَّراتُ جَمعُ غُبَّرٍ، وَالغُبَّرُ جَمعُ غَابِرٍ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: قَولُهُ: «فَيُقالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ» يَعنِي: أَمَامَهُم جَهنَّمُ، كَأنَّهَا سَرَابٌ، كَأنَّهَا مَاءٌ، حَتَّى يُسَاقُونَ إِليْهَا، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
قَولُهُ: «فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ اليَوْمَ» يَعنِي: إِلَى اللهِ.
قَولُهُ: «فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا»، قَالَ: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢]؛ لِنِفاقِهِم وَكُفرِهِم وَضَلالِهِم -نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ- وفِي هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ، أنَّ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢] يَعنِي: عَنْ سَاقِهِ ﷾، وهِيَ عَلَامةٌ بَيْنَهُم وَبَينَهُ.
وقدْ تُطلَقُ السَّاقُ عَلَى الشِّدَّةِ، كَشَفتِ الحَرْبُ عَنْ سَاقٍ، يَعنِي: شِدَّةٍ، لكِنِ
[ ١٥٩ ]
المُرَادُ بِالآيَةِ هُنَا غَيرُ المَعْنَى اللُّغوِيِّ، المُرَادُ هُنَا كَشفُهُ لَهُمْ وَإِظْهارُهُ لَهُمْ مَا هُوَ عَلَامةٌ لهُمْ عَلَى رَبِّهِمْ ﷾؛ وَلِهذَا يَكشِفُ لهُمْ عَنْ سَاقِهِ.
مَا يَدلُّ هَذَا عَلَى الرُّؤيَةِ؟
مَا يَدلُّ هذَا، لِأنَّ الآيَةَ مُحكَمَةٌ، لكِنْ [هَؤُلاءِ] لمَّا رَأَوُا النَّاسَ سَجدُوا أَرَادُوا أنْ يَسجُدُوا فَلمْ يَسْتطِيعُوا.
«فَيَأتِيهِمُ الجَبَّارُ فَيَروْنهُ، فَيَسجُدُ المُؤمِنُونَ وَالمُنافِقُونَ»؟
هَذَا الفُجَّارُ «فُجَّارُها»، المُؤمِنُ الفَاجِرُ، يَعنِي: العَاصِي، وَأمَّا المُنافِقُونَ هُمْ منَ الكَفَرةِ، بلْ أَشدُّ الكَفَرةِ، وَالرُّؤيَةُ نَعِيمٌ، وَلَيسُوا مِنْ أَهْلِ النَّعِيمِ.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥] أَلَا تَكُونُ فِي الجنَّةِ يَا شَيخُ؟
عَامٌّ، فِي المَوقِفِ وفِي الجَنَّةِ جَمِيعًا.
أَحْسنَ اللهُ إِليْكَ، مَا المُرَادُ بِهِم؟
العُصَاةُ الَّذينَ مَاتُوا عَلَى التَّوحِيدِ.
قَولُهُ: «مَدْحضَةٌ مَزِلَّةٌ».
(الشَّيخُ): كَذَا (مَزِلَّة) تَكلَّمَ الشَّارِحُ؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٢٩)]: «وَقَولُهُ: قَالَ: «مَدْحَضةٌ مَزِلَّةٌ» بِفَتحِ المِيمِ وَكَسرِ الزَّايِ، وَيَجُوزُ فَتحُهَا وَتَشْدِيدُ اللَّامِ، قَالَ: أيْ: مَوضِعُ الزَّلَلِ، وَيُقالُ بِالكَسرِ فِي المَكَانِ، وَبِالفَتحِ فِي المَقَالِ، وَوَقعَ فِي رِوَايةِ أبِي ذَرٍّ عَنِ الكُشْمِيهنِيِّ هُنَا: الدَّحْضُ الزَّلِقُ». [انتهى كلامه].
[ ١٦٠ ]
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: المَقْصودُ: أنَّهَا مَوضِعٌ خَطرٌ (مَزَلَّةٌ أوْ مَزِلَّةٌ) مَعْناهَا أنَّهَا خَطَرٌ لَا يَسْلمُ مِنْهَا إِلَّا الأَتْقِياءُ وَالمُؤمِنُونَ، وَمَنْ زَالَ إِيمَانُهُ لَا يَمرُّ عَليْهِ.
(الشَّيخُ): قَولُهُ: (أَشدُّ لِي مُنَاشَدةً) كَذَا عِنْدَكَ (لِي)؟ رَاجِعِ العَينِيَّ تَكلَّم عَليْهَا؟ وَالنُّسخَ الأُخْرَى. أَظنُّ مَا لَهَا مَعنًى، المُنَاشَدةُ مَا هِيَ لَهُ، المُنَاشدَةُ لِلرَّبِّ جل وعلا، يَطْلبُونَ مِنهُ النَّجَاةَ، تَعرَّضَ لهَا الشَّارِحُ؟ فهُوَ قَالَ بَعْدهَا (مُنَاشَدةً لِلجَبَّارِ) لِلرَّبِّ جل وعلا. ضَعْ عَلَيهِ إِشَارَةً.
مَا مَعْنَى المُنَاشدَةِ؟ وَمِمَّنْ؟
المُطَالبَةُ بِإِلْحاحٍ مِنَ المُؤمِنِينَ لِربِّهِم، يَعنِي: المُؤمِنُ يُناشِدُ رَبَّهُ لِيُخلِّصَ الَّذِي يُسْحبُ والَّذِي أَمْسكَتْهُ الكَلَالِيبُ، يَسْألُ رَبَّه أنَّ اللهَ يُخلِّصُهُم وَيُنجِّيهِم وَيُلحُّونَ فِي الدُّعَاءِ وَالطَّلبِ حَتَّى يُخلَّصُوا، إِلَّا مَنْ سَبقَ فِي عِلمِ اللهِ أنَّهُ يَسْقطُ لِشدَّةِ أَعْمالِهِم السَّيِّئةِ وَكَثْرتِهَا، فَيَسقُطُ إِلَى المَدَى الَّذِي أَرَادَ اللهُ، ثمَّ يُخرِجُهُ منَ النَّارِ ﷾.
تَكُونُ مُسْتقِيمَةً «لِي» أَحْسنَ اللهُ إِليْكَ، يَعنِي: الصَّحَابةَ فِي مُنَاشَدتِهِم لِلرَّسُولِ الشَّدِيدَةِ، يَعنِي: كَمُناشَدَةِ الصَّحَابةِ لِلرَّسُولِ ﷺ؟
نَعَمْ، ظَهَرتْ، نَعَم، يَعنِي: المُنَاشَدةَ مِنكُمْ لِي فِي الحَقِّ إنْ تَبيَّنَ، مَا أَنتُمْ بِأشَّدَ مِنَ المُؤمِنِينَ يَومَ القِيَامَةِ لِلجَبَّارِ حِينَ يُناشِدُونهُ فِي طَلبِ نَجَاةِ إِخْوانِهِم، ظَاهِرةٌ يَعنِي.
[ ١٦١ ]
المَقْصُودُ: يُخبِرُ عَنِ المُنَاشَداتِ الَّتِي تَقعُ لَهُ فِي الدُّنْيَا ﵊ مِنْ أَصْحابِهِ أنْ يَشْفعَ لَهُمْ أوْ أَنْ يَفْعلَ كَذَا.
الظَّاهِرُ: أنَّ المُناشَدَةَ المَقصُودُ الَّتِي تَقعُ فِي الدُّنْيَا الَّتِي يَعرِفُونَها فِي الدُّنْيَا.
وقَولُهُ: «فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا» وَالمَعنَى: أنَّ اللهَ جَعلَ لَهُمْ عَلَامَاتٍ عَلَى هذِهِ الأَشْياءِ، عَلَامَاتٍ يَعْرِفُونَها، وَيَعرِفُونَ بِها هذِهِ المَقَادِيرَ الَّتِي قَالَ ﷾.
أَحْسنَ اللهُ إِليْكَ يَا شَيخُ، بَينَ كلِّ إِخْراجٍ وَإِخْراجٍ مَا حُدِّدَ لَهُ زَمنٌ مُعيَّنٌ؟
مَا أَعلَمُ شَيْئًا، أَوْقاتٌ مُتعَدِّدةٌ، اللهُ أَعلَمُ مَا بَينَ كلِّ إِخْراجٍ وَإِخْراجٍ، وَهكَذَا النَّبيُّ ﷺ يُحدُّ لَهُ حَدٌّ كَمَا تَقدَّمَ وَكمَا يَأتِي.
وقَولُهُ: «فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»: وَهذَا لِأهْلِ التَّوحِيدِ، كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى: غَيرَ أنَّهُم مَاتُوا عَلَى التَّوحِيدِ، لكِنْ لمْ تَشْمَلْهُم شَفَاعَةُ الشَّافِعينَ.
فَأمَّا العَلَامَاتُ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُمْ لمْ تَصِلْ إِلَى هَؤُلاءِ لَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ، وَلَا مَع المُؤمِنِينَ، وَلَا مَع المَلَائِكةِ، فَبَقِيَ هَؤُلاءِ فَأَخْرجَهُم اللهُ بِرحْمَتهِ ﷾؛ لِأنَّهُم مَاتُوا عَلَى التَّوحِيدِ وَلمْ تَشمَلْهُم شَفَاعةُ أُولَئِكَ؛ فَضْلًا منَ اللهِ وَإِحْسَانًا ﷾.
[ ١٦٢ ]
نَسْألُ اللهَ النَّجَاةَ. نَسْألُ اللهَ أنْ يَجْعلَنَا وَإِيَّاكُم منَ النَّاجِينَ، يَا لَهُ مِنْ هَولٍ عَظِيمٍ، يَا لَهُ مِنْ هَولٍ عَظِيمٍ. لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ، اللَّهُمَّ سَلِّمْ، سَلِّمْ، اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، لَا حَولَ وَلَا قُوَّة إلَّا بِاللهِ.
بَعضُهُم يَسْتدِلُّونَ بِهذَا الدَّلِيلَ عَلَى التَّهَاوُنِ فِي الصَّلَاةِ؟
يَرضَى أنَّهُ يُعذَّبُ فِي النَّارِ؟! إِذَا أَرَادَ أنْ يُعذَّبَ فِي النَّارِ يَتَهاوَنُ حَتَّى يُعذَّبَ [فِي النَّارِ]!! يَرْضَى أنَّهُ يَدخُلُ النَّارَ وَيَخرُجُ؟! إنْ كَانَ أَرَادَ النَّارَ اسْتِهانَةً بِالنَّارِ لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ.
يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ يَخْرُجُونَ منَ النَّارِ؟
الكُفرُ ضِدُّ الإِيمَانِ، المُرَادُ بِهذَا أَهْلُ التَّوحِيدِ، الكُفَّارُ لَيسُوا مِنْ أَهْلِ التَّوحِيدِ، مَنْ تَركَ الصَّلَاةَ فَليْسَ مِنْ أَهْلِ التَّوحِيدِ، مَنِ اسْتَهزَأَ بِالدِّينِ فَلَيسَ مِنْ أَهْلِ التَّوحِيدِ، مَنْ كذَّبَ النَّبيَّ ﷺ فَلَيسَ مِنْ أَهْلِ التَّوحِيدِ، وَلوْ وَحَّدَ اللهَ يَكفُرُ، يَبطُلُ تَوحِيدُهُ، وَمَنْ أَتَى بِنَاقضٍ مِنْ نَوَاقِضِ الإِسْلامِ [كَفَرَ].
إِذَا كَانَ يُوحِّدُ اللهَ وَيُصلِّي وَيَصُومُ وَلَا يَذبَحُ لِلْأصْنامِ وَقَالَ: إنَّ مُحمَّدًا ﷺ كَذَّابٌ، مَاذَا تَقُولُونَ؟ يَبطُلُ تَوحِيدُهُ أوْ مَعهُ تَوحِيدُهُ؟ مَا قَالَ: مُحمَّدٌ كَذَّابٌ، لكِنْ قَالَ: مَا بلَّغَ الرِّسَالةَ كَمَا يَنْبغِي، تَسَاهَلَ؛ يَكفُرُ أوْ مَا يَكفُرُ؟ بِالإِجْماعِ أوْ بِالخِلَافِ؟ بِإِجْماعِ المُسْلمِينَ يَكفُرُ، أوِ اسْتَهزَأَ بِالنَّبيِّ ﷺ أوْ بِالجَنَّةِ أوْ بِالنَّارِ أوْ بِاللهِ يَكفُرُ أوْ مَا يَكفُرُ؟ يَكفُرُ، وَلوْ أنَّهُ وحَّدَ اللهَ، فهَذَا مِثلُهُ، إِذَا تَركَ الصَّلَاةَ مِثْلهُ. نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
قَاعِدةٌ افْهَمُوهَا: (مَا يَنْفَعُ التَّوحِيدُ إِلَّا لِمَنْ سَلِمَ منَ النَّواقِضِ)، التَّوحِيدُ يَنْفَعُ النَّاسَ إِذَا سَلِمُوا منَ النَّواقِضِ؛ وَإلَّا مَا مَعنَى حُكْمِ المُرتَدِّ فِي هَذَا المَعنَى.
* * *
[ ١٦٣ ]
٧٤٤٠ - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يُحْبَسُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُهِمُّوا بِذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا. قَالَ: فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - قَالَ: وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ: أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا - وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ؛ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ - سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ - وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ. قَالَ: فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ -وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ (^١) كَذَبَهُنَّ- وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى، عَبْدًا آتَاهُ اللهُ التَّوْرَاةَ، وَكَلَّمَهُ، وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا. قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ - قَتْلَهُ النَّفْسَ - وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللهِ وَكَلِمَتَهُ. قَالَ: فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا
_________________
(١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «كَلِمَاتٍ».
[ ١٦٤ ]
ﷺ، عَبْدًا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، فَيَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، (ثُمَّ أَشْفَعُ) (^١) فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ».
قَالَ قَتَادَةُ: وَسَمِعْتُهُ أَيْضًا يَقُولُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ (الثَّانِيَةَ) (^٢) فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَ. قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ».
قَالَ قَتَادَةُ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ».
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من «عمدة القارئ» وغيره، وغير موجودة في «الفتح».
(٢) ما بين القوسين زيادة من «عمدة القارئ» وغيره، وغير موجودة في «الفتح».
[ ١٦٥ ]
قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ». أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ. قَالَ: ثُمَّ تَلَا (هَذِهِ) (^١) الآيَةَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قَالَ: «وَهَذَا المَقَامُ المَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ» (^٢).
وَهذَا [الحَدِيثُ] يَدلُّ عَلَى عَظَمةِ خَشيَةِ الأَنْبِياءِ -﵈- لِربِّهِم، وَتَعظِيمِهم لَهُ وَخَوفِهِم مِنهُ ﷾، وهَكَذا خَوَاصُّ عِبَادهِ الأَخْيارِ، فَآدَمُ لَهُ ذَنبٌ وَاحِدٌ، ذَنبٌ وَاحِدٌ وَمَع ذلِكَ قَدْ تَابَ مِنهُ وَاصْطَفاهُ رَبُّهُ بَعدَهُ، وَمعَ هَذَا يَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُم، وَيَذكُرُ خَطِيئَتَهُ؛ لِشدَّةِ مَا وَقعَ فِي نَفْسهِ مِنْ هذِهِ الخَطِيئَةِ، وَقدْ قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢] وَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].
مَع هذِهِ التَّوبَةِ وَمَع اجْتِباءِ اللهِ لَهُ، وَمَع كَونِ ذلِكَ ذَنبًا وَاحِدًا، يَذكُرُ خَطِيئَتَهُ لمَّا طَلبُوا مِنهُ الشَّفَاعةَ، فَكَيفَ بِحَالِ مَنْ جَمَعَ خَطَايَا كَثِيرةً عَظِيمَةً وَجَرائِمَ وَلمْ يَتُبْ؟! لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ، نَسْألُ اللهَ السَّلَامةَ.
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من «عمدة القارئ» وغيره، وغير موجودة في «الفتح».
(٢) ورواه مسلم (١٩٣).
[ ١٦٦ ]
قَولُهُ: «وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا … وَيَذكُرُ خَطِيئتَهُ الَّتِي أَصَابَ: سُؤَالهُ رَبّهُ»: وَهكَذَا يُقَالُ فِي نُوحٍ مِثلُ مَا قِيلَ فِي آدَمَ -﵉-، خَطِيئَةٌ وَاحِدةٌ تَابَ مِنْها لمَّا قَالَ: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٧] سُؤَالٌ، ظنَّ أنَّهُ صَالِحٌ وَأنَّهُ جَائِزٌ، اللهُ المُسْتعَانُ، اللهُ أَكْبَرُ.
قَولُهُ: «قَالَ: فَيَأتُونَ إِبْراهِيمَ … وَيَذكُرُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ كَذَبهُنَّ»: كَذلِكَ إِبْراهِيمُ ﵇ ثَلَاثُ كَذَباتٌ كُلُّها فِي ذَاتِ اللهِ، وَمَع هَذَا يَسْتَحْيِي أنْ يَتَقدَّمَ لِربِّهِ لِلشَّفَاعَةِ مِنْ أَجْلِها، فَيَذكُرُها وَيُعظِّمُها مَع أنَّهَا فِي ذَاتِ اللهِ، قَصدَ بِهَا وَجهَ اللهِ، وَهِي مَعْروفَةٌ:
١ - قَولُهُ فِي قِصَّةِ كَسرِهِ الأَصْنامَ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]؛ لِيَنتَبِهُوا وَلِيعْرِفُوا أنَّهُم غَالِطُونَ وَخَاطِئونَ فِي عِبادَتِهِم الأَصْنامَ.
٢ - وَقوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصافات: ٨٩] لمَّا ذَهبُوا إِلَى عِيدِهِم لِيَرجِعَ إِلَى أَصْنَامِهِم.
٣ - وَقَولِهِ فِي قصَّةِ سَارةَ: «إِنَّها أُخْتِي». يَعنِي: فِي ذَاتِ اللهِ، لِئلَّا يَتَعدَّى عَليْهَا الظَّالِمُ.
وَالمَقْصودُ: أنَّها كَذَبَاتٌ فِي ذَاتِ اللهِ وَلَيسَتْ جَرَائِمَ، وَلكنَّهُ كَذَبَها فِي ذَاتِ اللهِ، وَلكنَّهُ اسْتَعظَمَها وَاسْتَحيَا مِنْ ربِّهِ أنْ يَتقَدَّمَ وأنْ يَشفَعَ وقَالَ: لَستُ هُنَاكُم.
قَولُهُ: «وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى … قَتْلَهُ النَّفسَ»: كَذلِكَ قَتْلُ النَّفسِ فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇ قَبلَ أنْ يُوحَى إِليْهِ، قَبلَ أنْ تَأتِيَهُ النُّبوَّةُ،
[ ١٦٧ ]
فَيَجتَهِدُ فِي ذلِكَ اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ المُسْتعَانُ.
وَهذِهِ الأُمُورُ أَلْهمَهُم اللهُ إِيَّاهَا أنْ يَقُولُوهَا وَيَعْتذِرُوا؛ لِمَا ادَّخَرَ اللهُ سُبْحانَهُ مِنْ خَيرِ ذلِكَ لمُحمَّدٍ ﵊، شَيءٌ أَلْهَمهُمُ اللهُ إِيَّاهُ وَشَرحَ صُدُورَهُم أنْ يَقُولُوهُ؛ حَتَّى تَنتَهِيَ هذِهِ الشَّفَاعَةُ إِلَى خَيرِ البَشرِ وَأَفضَلِهِم، نَبيِّنَا مُحمَّدٍ ﵊.
قَولُهُ: «وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى … لَستُ هُنَاكُمْ»: عِيسَى ﵇ مَا ذَكَرَ شَيْئًا، مَا ذَكرَ ذَنبًا وَلَا شَيْئًا، إنَّمَا شَيءٌ أَلْهمَهُ اللهُ إِيَّاهُ، قَالَ: ائْتُوا مُحمَّدًا ﵊.
قَولُهُ: «فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ» يَعنِي: مِنْ عِنْدِ رَبِّي، منَ المَكَانِ الَّذِي شَفعَ فِيهِ إِلَى ربِّهِ إِلَى جِهةِ النَّارِ حَتَّى يُخْرجَهُم، وَقدْ جَعلَ اللهُ لَهُ عَلَامَاتٍ يُخْرجُهُم بِها ﷾ فِي الحدِّ الَّذِي حَدَّه لَهُ.
قَولُهُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ»: هَذهِ أَربَعُ شَفَاعَاتٍ. اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ المُسْتعَانُ، اللَّهُمَّ سلِّمْ سلِّمْ.
قَولُهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]: وَهذَا هُوَ المَعْروفُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ، المَقَامُ المَحْمودُ هُوَ مَقَامُ الشَّفَاعةِ الَّتِي أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهَا فِي أَهْلِ المَوْقفِ، وفِي إِخْرَاجِ العُصَاةِ.
هُنَا ذَكرَ أنَّهُ «ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ» آخِرُ شَيءٍ؟
الأَخِيرَةُ هِيَ الرَّابِعةُ الَّتِي بَعدَ الثَّالِثةِ. وفِي هَذَا دَلَالةٌ عَلَى أنَّهُ ﷺ انْتَهتْ شَفَاعتُهُ، عَلَى أنَّهُ لمْ يَبقَ فِيهِمْ
[ ١٦٨ ]
مَنْ يَصلُحُ لِلشَّفَاعةِ، وهُوَ مَنْ حَبَسهُ القُرْآنُ لِكُفرِهِ، وهَذَا حَسبَ عِلْمهِ ﵊، حَسبَ مَا عِندَهُ منَ العِلمِ.
وَسَبقَ وَيَأتِي أنَّهُ جل وعلا يُخرَجُ منَ النَّار قَومٌ بِغَيرِ شَفاعَةٍ لمْ يَعمَلُوا خَيْرًا قَطُّ إلَّا أنَّهُم يَقُولُونَ: لَا إِلهَ إلَّا اللهُ. فهَذَا يَدلُّ عَلَى أنَّهُم خَفوا عَلَى النَّبيِّ ﷺ وَعَلِمَهُمُ اللهُ، فَأخْرَجهُم بِفَضلِهِ وَرَحمتِهِ ﷾ مِنْ غَيرِ شَفاعَةِ أَحدٍ، بلْ هُوَ الَّذِي أَخْرجَهُم ﷾ لِعِلمِهِ بِأنَّهُم مُوحِّدُونَ مُسلِمُونَ دَخلُوا النَّارَ بِذُنوبِهِم، فَلمَّا قَضَوْا المُدَّةَ الَّتِي كَتَبَها اللهُ عَليْهِم أَخْرجَهُم مِنْها ﷾، وَبَعدَ هَذَا لَا يَبْقَى إلَّا الكَفرَةُ الَّذينَ لَا حِيلَةَ فِي إِخْراجِهِم؛ لِعَدمِ إِيمَانِهِم.
أَحْسنَ اللهُ إِليْكَ «داره» نِسبَتهُ [إِلَى اللهِ]؟
المَكَانُ الَّذِي هُوَ فِيهِ ﷾، الَّذِي فِيهِ العَرشُ وَالقَضَاءُ بَينَ العِبَادِ.
أَحْسنَ اللهُ إِليْكَ، مَا يَشفَعُ ثَلَاثَ مرَّاتٍ «ثُمَّ أَشْفَعُ الثَّالِثَةَ»؟
مِنْ بِعدِ الثَّالِثةِ. ثمَّ يَشفَعُ الثَّالِثةَ، «… ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ: فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ
[ ١٦٩ ]
يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ - هذِهِ الرَّابِعةُ - ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا».
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: ثمَّ أَشْفعُ هذِهِ المرَّةُ الرَّابِعةُ.
«قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ». أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ، قَالَ: ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩] قَالَ: «وَهَذَا المَقَامُ المَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ».
هذِهِ الرَّابِعةُ؟
مَا سَمِعتُهُ قَرأَهَا!
لِأنَّهُ ذَكرَ الثَّالِثةَ وَلمْ يَذكُرِ الرَّابِعةَ؟
ثمَّ أَشفَعُ، مَا قَالَ: الرَّابِعةَ، قَالَ: «ثمَّ أَشْفَعُ»، هذِهِ الرَّابِعةُ، وَقدْ جَاءَ مُصرَّحًا بِهَا فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، أَرْبعُ شَفَاعَاتٍ ﵊، وَتِلْك (^١) الشَّفَاعةُ الرَّابِعةُ بَعدَ قَولِهِ: الثَّالِثةُ، بَعدَ مَا خَرجَ مِنَ الشَّفَاعةِ قَالَ: «ثُمَّ أَشْفَعُ» يَعنِي: الرَّابِعةَ.
وَفِيهَا قَولٌ آخَرُ: أنَّ المَقَامَ المَحْمُودَ، أنَّهُ سُبْحانَهُ يُقْعِدهُ مَعهُ عَلَى العَرشِ -يَعنِي: مُحمَّدًا ﵊- وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ خَاصٍّ، لكِنْ فِي سَندِهِ بَعضُ النَّظرِ، وَالمَشْهورُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ وَجُمْهُورِهِم أنَّ المَقَامَ المَحْمودَ هُوَ مَقَامُ الشَّفاعَةِ.
_________________
(١) في الأصل: وهذيك الشفاعة الرابعة.
[ ١٧٠ ]
هلْ وَردَ عَددٌ مُعيَّنٌ فِي حَمَلةِ العَرشِ؟
فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة: ١٧]، أمَّا فِي الدُّنْيا هُمْ أَرْبعَةٌ، كَمَا فِي شِعرِ أُميَّةَ بنِ الصَّلتِ ﵁:
رَجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ
وَالنَّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ
وأقرَّ النَّبيُّ بِشِعْرِه (^١). اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيهِ وَسَلِّمْ.
٧٤٤١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي عَمِّي، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ وَقَالَ لَهُمْ: «اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنِّي عَلَى الحَوْضِ» (^٢).
وَالشَّاهِدُ مِنهُ: «حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ» وَأنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لِقَاءِ اللهِ ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠].
وَالمُرَادُ بِهِ: البَعْثُ وَالنُّشُورُ وَجَمْعُ النَّاسِ يَومَ القِيَامةِ، مِنهُمْ مَنْ يَرَاهُ وَيَلقَاهُ لِقَاءً كَامِلًا -وهُمُ المُؤمِنُونَ- وَمِنهُمْ مَنْ يَلْقاهُ، وَلكِنْ لَا يَرَاهُ -وهُمْ بَقيَّةُ النَّاسِ
_________________
(١) رواه أحمد في «المسند» (٢٣١٤).
(٢) ورواه مسلم (١٠٥٩).
[ ١٧١ ]
- يَلْقَونَ اللهَ فِي البَعثِ وَالنُّشُورِ، وَيُجازِيهِم بِأَعْمَالِهِم؛ لكِنْ لَا يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥].
فَاللِّقَاءُ عَامٌّ، وَلكِنَّهُ لِقَاءَانِ: لِقاءٌ مَعهُ رُؤيَةٌ، وهَذَا لِلمُؤمِنِينَ، وَلِقاءٌ لَيسَ مَعهُ رُؤيَةٌ، وهَذَا لِلْكافِرِينَ، نَسْألُ اللهَ السَّلَامةَ.
وكُلُّهُم مُلَاقٍ ربَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق: ٦]، قَالَ جَماعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسيرِ: «مُلَاقِيهِ» يَعنِي: مُلَاقٍ كَدْحَكَ. وَقالَ آخَرُونَ: مُلَاقٍ ربَّكَ. وكِلَاهُمَا حقٌّ، كُلُّ إِنْسَانٍ مُلَاقٍ كَدْحهُ وَمُلاقٍ ربَّهُ، لكِنِ المُؤمِنُ يُلَاقِي عَملَهُ وَيُلاقِي ربَّهُ رُؤيَةً، وهَذَا اللِّقَاءُ الكَامِلُ.
وَالكَافِرُ يُلاقِي كَدحَهُ وَيُلاقِي ربَّهُ لَا رُؤيَةً، ولكِنْ كَلَامًا وَتَوْبِيخًا وَعَذابًا، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ، «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ لَيْسَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ» (^١). نَسْألُ اللهَ السَّلَامةَ.
٧٤٤٢ - حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ الحَقُّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ
_________________
(١) رواه البخاري (٧٥١٢)، ومسلم (٦٧) (١٠١٦).
[ ١٧٢ ]
أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ خَاصَمْتُ، وَبِكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ: «قَيَّامُ». وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «القَيُّومُ القَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ». وَقَرَأَ عُمَرُ، القَيَّامُ، «وَكِلَاهُمَا مَدْحٌ» (^١).
(الشَّيخُ) رَاجِعْ ثَابِتَ بنَ مُحمَّدٍ؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «تقْريبِ التَّهذيبِ» (٨٢٩)]: «ثَابِتُ بنُ مُحمَّدٍ العَابِدُ)، أَبُو مُحمَّدٍ ويُقَالُ: أبُو إِسْمَاعِيلَ، صَدُوقٌ زَاهِدٌ يُخطِئُ فِي أَحادِيثِهِ، منَ التَّاسِعةِ، مَات سَنةَ خَمسَ عَشرَةَ، خ ت».
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: هَذَا مِنْ كِبَارِ شُيُوخِهِ ﵀، كَانَ مُقِلًّا.
(الشَّيخُ) مَا قَالَ: بَصرِيٌّ أوْ حِمْصِيٌّ أوْ شَامِيٌّ؟
(قَارِئُ التَّقرِيبِ): لَا يَا شَيخُ.
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «تقْريبِ التَّهذيبِ» (٨٣٠)]: «ثَابِتُ بنُ مُحمَّدٍ العَبدِيُّ منَ الرَّابِعةِ، وَقِيلَ: صَوابُهُ مُحمَّدُ بنُ ثَابِتٍ، وَسَيأتِي، ق».
[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَةِ القَارِي» (٢٥/ ١٣٣)]: «قَوْلُه: وَثَابتٌ
_________________
(١) ورواه مسلم (٧٦٩).
[ ١٧٣ ]
- بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة فِي أَوَّلهِ - ابْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو إِسْمَاعِيلَ، العَابِدُ الشَّيْبَانِيُّ الْكُوفِيُّ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: ذَكرَ بَلدَهُ وَنَسبَهُ.
يَا شَيخُ، صَدُوقٌ؟
صَدُوقٌ، يُخطِئُ فِي أَحَادِيثَ لَكنَّهُ صَدُوقٌ فِي الجُملَةِ، لكِنْ وَقعَتْ لَهُ أَخْطَاءٌ فِي أَحَادِيثَ، وهَذَا لَيسَ مِنْ أَخْطائِهِ، هذَا لَهُ شَواهِدُ كَثِيرةٌ؛ وَلِهذَا سَاقَهُ المُؤلِّفُ، وهَذَا لِأنَّ حَدِيثَهُ هُنَا لَيسَ مِمَّا فِيهِ أَخْطاءٌ، مِمَّا لَهُ شَوَاهِدُ.
وفِي رِوَايةٍ: «وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ» (^١)، الشَّاهِدُ قَولُهُ: «… وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ»، تَقدَّمَ هَذَا الحَدِيثُ فِي التَّهجُّدِ لِلمُؤلِّفِ ﵀، وَقدْ رَوَاهُ مُسلِمٌ أيْضًا مِنْ طُرقٍ أُخْرَى، وَلِهذَا سَاقَهُ المُؤلِّفُ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ هُنَا.
قَولُهُ: «قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ: «قَيَّامُ». وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «القَيُّومُ القَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ». وَقَرَأَ عُمَرُ: القَيَّامُ، «وَكِلَاهُمَا مَدْحٌ».
وهذِهِ اللَّفظَةُ جَاءَتْ بِعدَّةِ رِوَايَاتٍ: «قيِّمٌ وَقيَّامٌ وَقيُّومٌ» كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فهُوَ قيِّمُ السَّمَواتِ، وَقيَّامُ السَّمَواتِ، وقَيُّومُ السَّمَواتِ، كُلُّها صِيغَةُ مُبالَغَةٍ «قيِّمٌ وقيَّامٌ وقيُّومٌ» كلُّهَا صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، وهُوَ القَائِمُ بِأحْوَالِ عِبَادهِ جل وعلا.
مَا جَاءَتْ بِلفْظِ القَائِمِ؟
مَا أَذْكرُ شَيْئًا.
_________________
(١) رواه البخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٦٩) (١٩٩).
[ ١٧٤ ]
كَأنَّ النَّووِيَّ أَشَارَ إِليْهَا فِي مُسلِمٍ (^١)؟
يُمكِنُ، مَا أَتذَكَّرُ شَيْئًا، الَّذِي أَحْفظُ ثَلَاثةً: «قيِّمٌ وَقيَّامٌ وَقيُّومٌ»، إِذَا قَالَ يُمكِنُ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحفَظْ.
٧٤٤٣ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجَمَانٌ، وَلَا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ» (^٢).
هذِهِ الكَلِمةُ فِيهَا لُغَاتٌ عِدَّةٌ، ثَلَاثٌ: «تَرْجَمَانٌ» بِفَتحَتينِ، و«تَرْجُمَانٌ» بِفَتحٍ ثمَّ ضَمٍّ، و«تُرْجُمَانٌ» بِضمَّتينِ. وقَالَ بَعضُهُم رَابِعةً وهي «تُرْجَمَانٌ» بِضَمِّ التَّاء فِي الأُولَى وفَتحِ الجِيمِ فِي الأَربَعةِ.
والتُّرْجُمانُ: الوَاسِطةُ الَّذِي يُعبِّرُ عَنِ الآخَرِ.
وَالمَعنَى: أنَّ اللهَ يُكلِّمُهُم كِفَاحًا، مَا يَحتَاجُ تُرْجُمانًا، يَكلِّمُهُم سُبْحانَهُ مِنْ دُونِ وَاسِطَةٍ «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ». وهَذَا أَمرٌ عَظِيمٌ وَخَطِيرٌ عَلَى أَعْداءِ اللهِ، وَمَنِ اجْتَرأَ عَلَى مَحَارِمِ اللهِ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
وَالكَلَامُ أَوْسعُ مِنَ الرُّؤيَةِ، الرُّؤيَةُ إنَّمَا تَقعُ لِخَواصِّ عِبَادِهِ، وَأمَّا الكَلَامُ فهُوَ عَامٌّ، الكَلَامُ وَالتَّوبِيخُ وَالعَذَابُ هَذَا لِمنْ عَصَى وَكفَرَ، اللهُ أَكْبَرُ.
_________________
(١) ورواه مسلم (١٠١٦).
(٢) قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٦/ ٥٤): «قَوْلُهُ ﷺ: «أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: «قَيِّمُ» قَالَ الْعُلَمَاءُ: مِنْ صِفَاتِهِ الْقَيَّامُ وَالْقَيِّمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هَذَا الْحَدِيثُ، وَالْقَيُّومُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَقَائِمٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كل نفس﴾. قَالَ الهَرَويُّ: وَيُقالُ: قَوَّامٌ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: القَيُّومُ: الَّذِي لا يَزولُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَمَعْنَاهُ: مُدَبِّرُ أَمْرِ خَلْقِهِ». [انتهى كلامه].
[ ١٧٥ ]
٧٤٤٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِيَاءِ (^١) عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ» (^٢).
٧٤٤٥ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ ابْنُ أَعْيَنَ، وَجَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ».
قَالَ عَبْدُ اللهِ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآيَةَ (^٣).
٧٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ
_________________
(١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «الكِبْرِ».
(٢) ورواه مسلم (١٨٠).
(٣) ورواه مسلم (١٣٨).
[ ١٧٦ ]
عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ» (^١).
قَولُهُ: «لَقَدْ أَعْطَى بِهَا» ضُبِطَ بِهذَا وهَذَا، «لَقَدْ أَعْطَى» يَعنِي: اشْتَراهَا بِأَكثَرَ مِمَّا اشْتَراهَا بِهِ، وضُبِطَ «لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا» يَعنِي: سِيمَتْ مِنهُ بِأكْثرَ ممَّا أُعْطِيَ، أيْ: بِأكْثرَ ممَّا أُعْطِي سِيمَتْ مِنهُ. وكِلَاهُما حقٌّ، وَكِلاهُمَا ظَالِمٌ، سَوَاءٌ، قَالَ: إنَّهُ اشْتَراهَا بِكذَا وهُوَ يَكذِبُ، أوْ قَالَ: سِيمَتْ بِكذَا، وَكِلاهُمَا تَدْلِيسٌ وغِشٌّ، ودَاخِلٌ فِي الوَعِيدِ.
أَكثَرُ ممَّا أَعطَى؟
اشْتَراهَا بِكذَا، أَكثَرَ ممَّا اشْتَراهَا، يَقُولُ: اشْتَريْتُ بِألْفِ رِيَالٍ -وهُوَ بِثَمانٍ أوْ سَبعٍ- حَتَّى يُقرِّبَ لِلمُشْترِي أنَّهُ يَسُومُ بِهذَا المَعنَى.
يَعنِي: وَجْهينِ عَلَى حدٍّ سَواءٍ بِالوَجْهَينِ؟
إمَّا بِضمِّهِمَا أوْ فَتْحِهِما (لَقَدْ أُعْطِيَ بِأَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ) هَذَا إِذَا سِيمَتْ مِنهُ (وَلَقَدْ أَعْطَى أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى) يَعنِي: اشْتَراهَا، يَعنِي: بَذَلَ.
وَالمُخَالفَةُ بَينَهُما؟
مَا هُوَ ظَاهِرٌ، لَقدْ أَعَطَى ممَّا أُعْطِيَ، مَا يَصلُحُ، إمَّا أَعْطَى وأَعَطْى أوْ
_________________
(١) ورواه مسلم (١٠٨).
[ ١٧٧ ]
أُعْطِيَ وأُعْطِيَ.
يَا شَيخُ، تَخْصِيصُ بَعدَ العَصرِ؟
لِأنَّهُ آخِرُ النَّهَارِ، خَاتِمةُ النَّهَارِ، منْ خَتَمَ نَهارَهُ بهِ، آخِرُ النَّهَارِ لَهُ شَأنٌ عَظِيمٌ يَنْبغِي أنْ يَختِمَهُ بِخَيرٍ، وهُوَ خَتَمهُ بِالكَذِبِ وَالزُّورِ.
٧٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا: مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ، ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ ذَا الحَجَّةِ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ البَلْدَةَ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ» قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: «وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبْلِغِ
[ ١٧٨ ]
الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ» فَكَانَ مُحَمَّدٌ إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ: صَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» (^١).
هَذَا الشَّاهِدُ، قَولُهُ: «سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ» الشَّاهِدُ مِنْ ذِكْرِها: «وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ».
وَهذَا مِنهُ ﵊ تَنْبِيهٌ لَهُمْ أنْ يَتَيقَّنُوا هَذَا الأَمرَ وَيَعقِلُوهُ، وَلِهذَا كَرَّرهُ عَليْهِم «أَيُّ شَهْرِ هَذَا؟ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»؛ لِيَنتَبِهُوا لِهذَا الأَمرِ العَظِيمِ وَيَعْقلُوهُ وَيَنقِلُوهُ عَنهُ وَيُبلِّغُوهُ عَنهُ ﵊.
وَأنَّ دِمَاءَ النَّاسِ دِمَاءَ المُسْلمِينَ وَأَمْوالَهُم -يَعنِي: وَالمَعْصومِينَ- وَأَعْراضَهُم عَلَيهِم حَرَامٌ كَحُرمَةِ مَكَّةَ الحَرمِ، وَكَحُرمَةِ ذِي الحجَّةِ الشَّهرِ الحَرَامِ، وَكحُرْمةِ يَومِ النَّحرِ فِي شَهرِ ذِي الحِجَّةِ، وهُوَ يَومُ الحَجِّ الأَكْبرِ؛ لِيعْرِفَ المُسلِمُونَ عَظمَةَ هذِهِ الأَشْياءِ، فَيتَّقُوهَا وَيَحذَرُوهَا؛ فَلَا يَظْلمُوا النَّاسَ فِي دِمائِهِم، وَلَا فِي أَمْوالِهِم، وَلَا فِي أَعْراضِهِم.
وقَالَ: «وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضِكُمْ» هَكَذا جَاءَ فِي الرِّوَايةِ، وَجَاءَ فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى بِالجَزمِ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ» (^٢)، فِي «الصَّحِيحَينِ» بِالجَزمِ فِي الثَّلَاثِ: الدِّمَاءِ وَالأَمْوالِ وَالأَعْراضِ، فَالوَاجِبُ الحَذرُ منَ التَّعدِّي عَلَى هذِهِ الثَّلَاثِ، أَعْظمُهَا الدَّمُ، ثمَّ المَالُ، ثمَّ العِرضُ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
_________________
(١) ورواه مسلم (١٦٧٩).
(٢) رواه البخاري (٦٧)، ومسلم (١٦٧٩).
[ ١٧٩ ]
رِوَايةُ «وَأَبْشَارَكُمْ»؟
جَاءَتْ رِوَايَةُ «وَأَبْشَارَكُمْ» صَحِيحةٌ، وَالأَبْشارُ يَعنِي: الجِلد.
* * *
[ ١٨٠ ]