قَالَ الأَعْمَشُ، عَنْ تَمِيمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ:
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]
٧٣٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، فَقَالَ: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا»، ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ لِي: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ» أَوْ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكَ» بِهِ (^١).
أَرَادَ المُؤلِّفُ ﵀ بِهذَا [البَابِ] كَمَا تَقدَّمَ إِثْبَاتُ أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفاتِهِ عَلَى الوَجهِ اللَّائقِ بِاللهِ جل وعلا، وَالرَّدِّ عَلَى مُنكِرِي الصِّفاتِ مِنْ المُعتَزِلةِ
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧٠٤).
[ ٥١ ]
وَالخَوارِجِ وَالجَهميَّةِ وغَيرِهِم ممَّنْ دَخلَ فِي هَذَا البَابَ فَأنْكرَ الأَسْماءَ، أوْ أَثْبتهَا وأَنْكرَ الصِّفاتِ وَالمَعانِيَ كَالمُعتزِلةِ.
وَالحقُّ الَّذِي عَليهِ أَهْلُ السُّنةِ وَالجَمَاعَةِ مِنْ أَصْحابِ النَّبيِّ ﷺ ومَن سَلكَ سَبيلَهُم مِنْ أَئمَّةِ الهُدَى: إِثْباتُ أَسْماءِ اللهِ وَصِفاتِه جَمِيعًا عَلَى الوَجهِ اللَّائقِ بِاللهِ ﷾، مِنْ غَيرِ تَحْريفٍ، وَلَا تَعْطيلٍ، وَلَا تَكْييفٍ، وَلَا تَمْثيلٍ، فهُو سَميعٌ وهُوَ بَصيرٌ، بِسَمعٍ يَسمَعُ بِهِ الأَصْواتَ، وبَصرٍ يَرَى بِهِ الأَشْياءَ ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٨، ٢١٩] ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق: ١٤].
فهُوَ سُبْحانَهُ يَسمَعُ أَصْوَاتَ العِبادِ، ودَعَواتِهم وتَكْبيرِهِم، وذِكرِهِم وقِراءَتِهم وَاسْتِغفارِهِم وسَائرِ حَركاتِهِم، فهُوَ يَعلَمُها سَمْعٌ وعِلْمٌ ويَرَاها، يَرى المَرئيَّاتِ، وَيَسمَعُ المَسْمُوعَاتِ بِسمْعٍ يَلِيقُ بِجلَالهِ، فهُوَ سَمِيعٌ بِسمْعٍ، وَعَليمٌ بِعلْمٍ، كَمَا أنَّهُ عَلِيمٌ بِعلْمٍ ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] فهُوَ سَمِيعٌ بِسمْعٍ يَسمَعُ بِهِ الأَصْواتَ لَا يُشابِهُ سَمعَ المَخلُوقِينَ، وبَصيرٌ بِبصَرٍ يَرَى بِهِ الأَشْياءَ، وهَكَذا رَحِيمٌ بِرحْمةٍ، وغَفورٌ بِمَغفرَةٍ، وجَوادٌ بِجُودٍ، وحَكيمٌ بِحكمَةٍ … إِلَى غَيرِ هَذَا مِنْ الأَسْماءِ والصِّفاتِ.
ولِهذَا ذَكرَ المُؤلِّفُ عَنْ عَائشَةَ ﵂ هَذَا الأَثرَ المُعلَّقَ (^١): «سُبْحَانَ مَنْ وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ» (^٢)؛ لإِثْباتِ السَّمعِ، فإِنَّ الفَائدَةَ مِنْ الأَسْمَاءِ إِثْباتُ مَعَانِيهَا، فَالقَولُ بِأنَّها جَامِدةٌ لَا مَعانِيَ لهَا قَولٌ بَاطلٌ، مُخالِفٌ لمَا قُصِدَ مِنْ ذِكرِها، ومُخالِفٌ لمَا دلَّتْ عَليْهِ لُغةُ العَربِ.
فَالمَقصُودُ مِنْ ذِكْرِها: التَّعرُّفُ إِلَى عِبادِهِ بأنَّهُ يَسمَعُ كَلامَهُم حَتَّى
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧٠٤).
(٢) ورواه مسلم (٢٧٠٤).
[ ٥٢ ]
يَشكُروهُ، ويُعظِّمُوهُ ويُنادُوهُ، ويُسبِّحوهُ ويَسْتغفِرُوهُ، ويُخبِرُ عِبادَهُ أنَّهُ يَراهُم حَتَّى يَسْتحيُوا مِنْ عَظمَتِهِ، وَحتَّى يَخْشوْهُ، وَحتَّى يُراقِبُوهُ. فمَا الفَائدَةُ مِنْ أَسْماءٍ جَامِدةٍ لَا مَعانِيَ لهَا؟!
ثمَّ ذَكرَ خَبرَ أبِي مُوسَى ﵁ لمَّا كَانُوا يَرْفعُونَ أَصْوَاتَهُم بِالتَّكبِيرِ، كَانُوا إِذَا عَلَوْا فِي المَشْيِ وَالمَحَلِّ المُرتَفعِ كَبَّرُوا ورَفعُوا أَصْوَاتَهم، وإنْ نَزلُوا بُطونَ الأَودِيةِ سبَّحُوا؛ فَقالَ لهُم ﷺ: «أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ». يَعنِي: هوِّنُوا، لَا تَرفَعُوا كَثِيرًا، لَا تَشدِّدُوا فِي الرَّفعِ؛ «فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا، أَقْرَبَ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ». فهُوَ سُبْحانَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ - وَإنْ كَانَ فَوقَ العَرْشِ فَوقَ جَميعِ الخَلقِ - فهُوَ قَرِيبٌ؛ لِأنَّهُ لَا يُشبِهُ العِبَادَ، وَلَا يُشبِهُ المَخْلوقِينَ حَتَّى يُقَاسَ عَليْهِم؛ وَلِهذَا يَقُولُ سُبْحانَهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
فهُوَ معَ عُلوِّهِ وفَوْقيَّتهِ وَارْتِفاعِهِ عَلَى عَرشِهِ، فهُوَ قَرِيبٌ مِنْ عِبادِهِ، يَسمَعُ كَلامَهُم، وَيسمَعُ دُعاءَهُم، ويَرَى مَكانَهُم.
وَهكَذَا قَولُهُ ﵊ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ؛ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» (^١). لِأنَّ السُّجُودَ حَالَةُ خُضُوعٍ وذُلٍّ، ذُلٌّ للهِ ﷾، فَكانَ صَاحِبُ هذِهِ العِبادَةِ أَقْربَ مَا يَكُونُ إِلَى رَحمَةِ ربِّهِ وإِحْسانِهِ إِليْهِ وَسمَاعهِ دُعاءَهُ، كلَّما كَانَ العَبدُ أَذلَّ للهِ، وَأخْشَى للهِ؛ صَارَ أَقْربَ إِلَى رَحْمتهِ وَسَماعِ دَعْوتهِ؛ وَلِهذَا يَقُولُ السَّلفُ: إنَّ أَحسَنَ بَابٍ يُدخَلُ
_________________
(١) رواه مسلم (٤٨٢)، (٢١٥).
[ ٥٣ ]
منْهُ عَلَى اللهِ بَابُ الذُّلِّ وَالانْكِسارِ وَالخُضوعِ للهِ، وَالتَّواضُعِ وَعَدمِ التَّكبُّرِ؛ فَالعَبدُ يَتقرَّبُ إِلَى ربِّهِ بأنَّهُ ذَليلٌ ضَعِيفٌ فَقيرٌ إِلَى ربِّهِ ﷾، وَمُنكسِرٌ إِليْهِ جل وعلا.
وفِي هَذَا شَرعيَّةُ الرِّفقِ فِي الأَصْواتِ فِي الذِّكرِ، وَأنَّ السُّنةَ عَدمُ الرَّفعِ الزَّائدِ الَّذِي قدْ يُشعِرُ بِشيْءٍ مِنْ سُوءِ الأَدبِ؛ وَلِهذَا قَالَ: «أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ». إلَّا مَا شَرعَ اللهُ فِيهِ الرَّفعَ، كَالتَّلبِيةِ وَالأَذانِ وَالإِقَامةِ وَالخُطبِ. هذِهِ أَذكَارٌ مَشْروعٌ رَفعُ الصَّوتِ بِهَا.
وَأمَّا الأَذْكارُ العَاديَّةُ فَينْبغِي فِيهَا الرِّفقُ وَعدمُ الرَّفعِ الكَثِيرِ، كَمَا قَالَ النبي ﷺ لِلصَّحابَةِ ﵃، فَالسُّنةُ الرَّفعُ لِلصَّوتِ عِنْدَ المَحلَّاتِ المُرْتَفِعَةِ، إِذَا عَلَا الرُّكْبَانُ فِي الأَسْفَارِ، أوِ المُشَاةُ إِذَا عَلَوْا المَحلَّاتِ المُرتَفِعةَ كبَّرُوا، هَذَا السُّنَّةُ.
«اللهُ أَكبَرُ» يَعنِي: اللهُ أَكبَرُ مِنْ هذِهِ الأَشْياءِ المُرتَفعَةِ مِنْ جَبلٍ، أوْ دَكدْكٍ، أوْ غَيرِ ذلِكَ مِنْ أَنْواعِ الأَرضِ المُرتَفعَةِ، فإِذَا نَزلُوا الأَودِيةَ وَالمُنْخفَضاتِ سبَّحُوا تَنْزيهًا للهِ عَنِ السُّفُولِ، وَعنْ كلِّ مَا لَا يَليقُ بِهِ ﷾، فهُوَ عَلِيٌّ رَفيعٌ فَوقَ خَلقِهِ؛ وَلِهذَا يُكبَّرُ عِنْدَ صُعُودِ المَحلَّاتِ المُرتَفعَةِ؛ إِشارَةٌ إِلَى أنَّ اللهَ أَكبَرُ مِنْ هذِهِ الأَشْياءِ، وأَعَظمَ مِنْها، ويُسبَّحُ عِنْدَ المُنخَفضَاتِ مِنْ الأَودِيةِ وَنَحوِها؛ إِشارَةٌ إِلَى أنَّ اللهَ فَوقَ الخَلقِ، رَفيعٌ فَوقَ خَلقِهِ، عَالٍ فَوقَ خَلقِهِ ﷾.
وَلمَّا سمِعَ عبدَ اللهِ ﵁ يقُولُ: «لَا حَولَ وَلَا قوَّةَ إلَّا بِاللهِ» - وهُوَ أبُو مُوسَى الأشْعرِيُّ، اسمُهُ عَبدُ اللهِ بنُ قَيسٍ ﵁ - قَالَ: «يَا عَبْدَ اللهِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ».
[ ٥٤ ]
هذِهِ كَلمَةٌ عَظِيمةٌ، يَنبَغِي الإِكْثَارُ مِنْها «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» فهِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنوزِ الجنَّةِ.
وَالمَعنَى - وَاللهُ أَعلَمُ - أنَّها تُفضِي بِصاحِبِها وَيحصُلُ لِصاحِبِها مِنْ الخَيرِ مَا هُوَ كَنْزٌ فِي الجنَّةِ مِنْ النَّعِيمِ وَالثَّوَابِ؛ لِأنَّهَا كَلِمَةٌ فِيهَا التَّجرُّدُ مِنْ الحَوْلِ وَالقُوَّةِ، وأنَّكَ ضَعِيفٌ، وأنَّكَ لَا حَوْلَ لكَ عَلَى شَيءٍ، وَلَا قوَّةَ لكَ عَلَى شَيءٍ إلَّا بِاللهِ ﷾.
«لَا حَولَ» يَعنِي: لَا تَحوُّلَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَلَا مِنْ ضَعْفٍ إِلَى قوَّةٍ، وَلَا مِنْ قوَّةٍ إِلَى ضَعْفٍ، وَلَا مِنْ غِنًى إِلَى فَقرٍ، وَلَا مِنْ فَقْرٍ إِلَى غِنَىً إلَّا بِاللهِ، وَلَا قوَّةَ عَلَى ذلِكَ إلَّا بِاللهِ ﷾. فهِيَ كَلمَةٌ عَظيمَةٌ، فِيهَا غَايةُ التَّجرُّدِ مِنْ حَولِك وَقوَّتِك، وَأنَّك فَقِيرٌ إِلَى ربِّكَ، وَأنَّهُ الغَنيُّ الحَمِيدُ، وَأنَّهُ المُتصَرِّف فِي عِبادِهِ، وأنَّ العِبادَ ضُعَفاءُ إلَّا بِاللهِ ﷾.
وهذِهِ الكَلمَةُ مَشرُوعةٌ عِنْدَ «حيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حيَّ عَلَى الفَلاحِ» وَالحِكمةُ فِي ذلِكَ: أنَّ العَبدَ لَا يَقوَى عَلَى ذَهابِهِ إِلَى الصَّلاةِ وَإِجابَتهِ المُنادِي إلَّا بِاللهِ، إنْ قوَّاهُ اللهُ وَأعَانَهُ، وَإلَّا كَسِلَ وَضَعُفَ، فَناسَبَ عِنْدَ قَولِهِ: حيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حيَّ عَلَى الفَلاحِ - يَعنِي: تَقدَّمُوا، يَعنِي: أَقْبلُوا إِلَى الصَّلاةِ وإِلَى الفَلاحِ - فَناسَبَ عِنْدَ هَذَا أنْ يَقولَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» يَعنِي: لَا حَولَ لِي عَلَى إِجابَةِ هَذَا المُؤذِّنِ، وَلَا قُوَّةَ لِي عَلَى إِجابَتهِ وَالحُضُورِ إِلَى الصَّلاةِ إلَّا بِاللهِ، أيْ: إلَّا بِكَ يَا ربِّ، فأَعِنِّي عَلَى هذِهِ الإِجابَةِ.
وتُقالُ عِنْدَ الأُمورِ المُهمَّةِ، فهِيَ كَلمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الأُمُورِ المُهِمَّةِ الَّتِي يَخْشى
[ ٥٥ ]
العَبدُ أنْ يَعجزُ عنْها وَالحَوَادِث؛ فَيقُولُ: لَا حَولَ وَلَا قوَّةَ إلَّا بِاللهِ. يَعنِي: لَا حَوْلَ عَلَى تَخطِّي هذِهِ العَظَائِمِ، وَلَا حَوْلَ عَلَى تَخطِّي هذِهِ المُشكِلاتِ، أوْ هذِهِ المُعجِزاتِ الَّتِي تُضعِفُ العَبدَ إلَّا بِاللهِ، فهُوَ المُقوِّي عَلَى ذلِكَ ﷾.
٧٣٨٧، ٧٣٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁، قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مِنْ عِنْدِكَ مَغْفِرَةً إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» (^١).
وَهذَا رَواهُ مُسلِمٌ أيْضًا فِي «الصَّحِيحُ» ولهُ فِي رِوايَةٍ: «وَفِي بَيْتِي»، «أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، وَفِي بَيْتِي» (^٢)، قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ».
طَلبَ المَغفِرةَ مِنْ عِنْدِ اللهِ -يَعنِي: عَظِيمةً- وتَوسَّلَ إِليْهِ بِأنَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ، صَاحِبُ المَغفِرةِ، صَاحِبُ الرَّحمةِ، وتَوسَّلَ إِليْهِ بِاعْترافِهِ بِظُلمهِ لِنفْسهِ، وَأنَّهُ ظَلمَها ظُلمًا كَثِيرًا بِالمَعَاصِي وَالتَّقصِيرِ فِي حقِّ اللهِ.
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧٠٥).
(٢) رواه مسلم (٢٧٠٥).
[ ٥٦ ]
فَدُخُولُ العَبدِ عَلَى اللهِ مِنْ طَريقِ الاعْتِرافِ بِتقْصِيرِهِ وظُلمِهِ لِنفْسهِ وعَدمِ قِيامِهِ بِالوَاجِبِ وتَوسُّلهِ إِلَى اللهِ بأنَّهُ الرَّحِيمُ والغَفُورُ والوَاسِعُ المَغفِرةِ وَالجَوادُ الكَرِيمُ، هذَانِ بَابَانِ عَظِيمَانِ مِنْ أَسْبابِ الإِجابَةِ، بَابُ الذُّلِّ وَالانْكِسارِ مِنْ العَبدِ، وبَابُ التَّوسُّلِ بِأسْماءِ اللهِ وصِفاتِهِ وَرحْمتِهِ وَإِحْسانِهِ وَكَرمِهِ، فهَذَا مِنْ أَسْبَابِ الإِجَابَةِ.
ومِثلُ هَذَا قَولُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». لمَّا قَالَتْ عَائِشةُ ﵂: يَا رَسولَ اللهِ، إِذَا وَافقْتُ لَيلَةَ القَدْرِ، مَاذَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (^١).
ففِي ضِمنِ هَذَا الاعْتِرافِ بِأنَّ العَبدَ مَحلُّ تَقْصِيرٍ، وَمحَلُّ مُؤاخَذَةٍ، وأنَّ اللهَ مَحَلُّ العَفوِ، فنَاسَبتْ هذِهِ الوَسيلَةُ فِي طَلبِ العَفوِ.
وَهذَا دُعاءٌ عَظِيمٌ يُعلَّمُ الصِّدِّيقُ ﵁ - الصِّدِّيقُ الَّذِي هُوَ أَفْضلُ الأُمَّةِ وَخيرُ الأمَّةِ بَعدَ نَبيِّها وبَعدَ الأَنْبياءِ - يُقالُ لهُ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا …». يُقالُ لِلصِّدِّيقِ ﵁، يُعلَّمُ هَذَا الكَلامَ، فكَيفَ بِغيْرِ الصِّدِّيقِ؟!
إذَا كَانَ الصِّدِّيقُ ﵁ المشْهُودُ لَهُ بِالجنَّةِ، وهُوَ أَفْضَلُ الأُمَّةِ، ولوْ وُزِنتْ حَسنَاتُه بِالأمَّةِ لَرَجحَتْها بَعدَ نَبيِّها ﷺ، فكَيفَ بِحَالِ غَيرِهِ، عُمرُ وَعُثمانُ وعَليٌّ وَالصَّحابَةُ ﵃، ثمَّ التَّابِعُونَ ثمَّ مَنْ بَعدَهم إِلَى عَصرِنَا هذَا؟! يَعنِي: مَنْ هُوَ دُونَ الصِّدِّيقِ أَوْلى وَأوْلَى بِأنْ يَعتَرِفَ بِهذَا، وَأوْلَى وَأوْلَى بِأنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا».
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٢٥٣٨٤)، والترمذي (٣٥١٣)، وابن ماجه (٣٨٥٠).
[ ٥٧ ]
إِذَا كَانَ نَبيُّ الأُمَّةِ يُعلِّمُ الصِّديقَ هَذَا الدُّعاءَ الَّذِي فِيهِ الاعْتِرافُ بِأنَّهُ ظَلَمَ نَفسَهُ ظُلمًا كَثِيرًا، وَأنَّهُ فِي حَاجَةٍ إِلَى المَغفِرةِ، فَغيرُ الصِّدِّيقِ مِنْ بَابِ أَوْلى بِدرَجاتٍ كَثِيرةٍ.
«اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا» فَالظُّلمُ يَتنَوَّعُ: بِالغِيبَةِ، بِالنَّمِيمةِ، بِتقْصِيرهِ فِي حقِّ أَهلِهِ، بِتقْصِيرهِ فِي وَلدِهِ، بِتَقْصيرِهِ فِي جَارِهِ، مَنْ يَعدُّ أَنْوَاعَ الظُّلمِ وَأنْواعَ التَّقصِيرِ؟! والعَبدُ قدْ يَغفُلُ عَنْها وَلَا يَدرِي عنْها، يَحسَبُ أنَّهُ سَلِيمٌ، لكِن إِذَا تَأمَّلَ ونَظرَ عَرفَ مَا عِندَهُ مِنْ الظُّلمِ.
والظُّلمُ يُطلَقُ عَلَى المَعاصِي، سَواءٌ كَانتْ فِي حقِّ اللهِ أوْ فِي حقِّ العِبَادِ، كَمَا يُطلَقُ عَلَى الشِّركِ، وهُوَ أَعظَمُ الظُّلمِ.
«اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا». وفِي رِوايَةٍ: «كَبِيرًا» (^١). وَالمَشْهُورُ فِي الرِّوايَةِ: «كَثِيرًا».
«وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» عدَّةُ وَسائِلَ:
١ - اعْتِرافُهُ بأنَّهُ ظَالِمٌ لِنفْسِهِ.
٢ - الثَّانِي: أنَّهُ ظُلمٌ كَثِيرٌ.
٣ - الثَّالثُ: أنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يَغفِرُ الذُّنُوبَ، مَا فِي أَحَدٌ يَغفِرُ الذُّنُوبَ سِوَاهُ.
٤ - وَالرَّابعُ: الدُّعَاءُ: «فَاغِفْرِ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ»، طَلَبُ المَغفِرَةِ، قَولُهُ: «مِنْ عِنْدِكَ» مَا هِيَ مِنْ عِنْدِ النَّاسِ، مِنْ عِنْدِكَ أَنْتَ تَأمُرُ بِها، وَأنتَ تَتَفضَّلُ بِها عَليَّ فَضْلًا مِنْكَ وَإحْسَانًا.
٥ - ثمَّ خَامِسًا: «إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ».
٦ - سَادِسًا: «الرَّحِيْمُ». عدَّةُ وَسائِلَ، اللهُ أَكْبَرُ.
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧٠٥).
[ ٥٨ ]
وَهذَا الدُّعاءُ يُدعَى بِهِ فِي السُّجودِ، ويُدْعَى بِهِ بَينَ السَّجْدتَينِ، ويُدعَى بِهِ فِي آخِرِ الصَّلاةِ، فِي مَواضِعِ الدُّعَاءِ، ويُدعَى بِهِ فِي كلِّ وَقتٍ، وفِي البَيتِ وفِي الطَّريقِ؛ لِأنَّهُ دُعاءٌ عَظِيمٌ.
٧٣٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂، حَدَّثَتْهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ نَادَانِي قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ» (^١).
هَذَا لِقَولِهِ: «سَمِعَ» يَسْمَعُ أَقْوَالَ النَّاسِ، وأنَّ لَهُ سَمْعًا يَسمَعُ بِهِ أَقْوَالَ النَّاسِ.
وتَمَامُ هَذَا الحَدِيثِ: «إِنَّ اللهَ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَإِنَّ اللهَ أَرْسَلَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ يُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ أَنْ يُهْلِكَهُمْ». فَنادَاهُ مَلَكُ الجِبالِ وسَلَّمَ عَليْهِ وقَالَ: «إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَمْتَثِلَ أَمْرَكَ فِي هَؤُلَاءِ -أَهْلِ مَكَّةَ- إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ -يَعنِي: الجَبلَينِ» قَالَ: «لَا، بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ؛ لَعَلَّ اللهَ يُخْرِجُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ» (^٢). فخَرجَ مِنْ أَصْلابِهم [مَنْ يَعبُد اللهَ]، وهَداهُمُ اللهُ وَأسْلَموا عَامَ الفَتحِ،
_________________
(١) ورواه مسلم (١٧٩٥).
(٢) رواه البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥) (١١١).
[ ٥٩ ]
ودَخلُوا فِي دِينِ اللهِ أَفْواجًا.
قَولُهُ: «أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ»؟
يَعنِي: ارْفُقُوا، الرِّفقُ، لَا تُشَدِّدُوا فِي الرَّفعِ؛ لأنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلَا غَائبًا، بلْ يَسمَعُ. الأَصمُّ ضدُّ السَّمِيعِ، والغَائبُ: البَعِيدُ الَّذِي مَا يَسمَعُ، واللهُ جل وعلا يَسمَعُ مِنْ عِبادِهِ - وَإنْ بَعُدوا وَإنْ كَانُوا فِي أَسفَلِ الأَرضِ- فهُوَ يَسْمَعُ كَلامَهُم وهُوَ فَوقَ العَرشِ جل وعلا؛ لِأنَّهُ قَرِيبٌ.
هلْ يُشرَعُ لِلمُسلِمِ أنْ يُكبِّرَ إِذَا عَلَا مَكانًا مُرْتفِعًا؟
يُشرَعُ لَهُ كلَّمَا ارْتَفعَ مَكانًا، إِذَا عَلَا المُرتَفعُ يُكبِّرُ، وإِذَا نَزلَ يُسبِّحُ، هَكَذا كَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ والنَّبيُّ ﷺ فِي الأَسْفارِ، مَا سَمِعنَاهَا إلَّا فِي الأَسْفارِ.
هلْ جَاءَ فِي تَفْسيرِ بَعضِ الرِّوايَاتِ أنَّ هَذَا الدُّعاءَ بَعدَ التَّشهُّدِ؟
لَا، لَا، أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، عَامٌّ، قَالَ الصِّدِّيقُ ﵁: علِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي - عَامٌّ - فَأقرَّهُ النَّبيُّ ﷺ وَقالَ لَهُ: «قُلْ …».
وَهذَا يَعمُّ آخِرَ الصَّلاةِ بَعدَ التَّشهُّدِ، ويَعمُّ بَينَ السَّجدَتيْنِ، ويَعمُّ السُّجُودَ، كُلُّها مَواضِعُ لِلدُّعاءِ، ويَعمُّ الدُّعَاءَ فِي الطَّرِيقِ، وفِي البَيتِ، وهُوَ جَالِسٌ، وهُوَ قَائِمٌ؛ لِأنَّ فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى عِنْدَ مُسْلِمٍ: «وَفِي بَيْتِي» يَعنِي: أَدعُو بِهِ فِي صَلَاتِي وفِي بَيتِي.
* * *
[ ٦٠ ]