٧٤٠٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ - وَإِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ» (^١).
_________________
(١) ورواه مسلم (١٦٩).
[ ٨٢ ]
وَهذَا مِنْ بَابِ إِثْباتِ الحَقِيقَةِ، فَالنَّبيُّ ﷺ أَشَارَ إِلَى عَينِهِ، لَيسَ قَصدُهُ التَّمْثيلَ كَمَا تَقدَّمَ، وَإنَّمَا قَصدُهُ الإِشَارَةُ إِلَى أنَّهَا حَقِيقةٌ، عَينٌ حَقِيقَةً تَلِيقُ بِاللهِ ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه: ٣٩]. أي تُغذَّى وتُوَجَّهُ وتُربَّى تَحتَ مَرْأًى مِنْ اللهِ ومَسمَعٍ، ذَكَرَ العَينَ هُنَا لِأنَّهُ ﷾ يَراهُمْ، ويَعْلَمُ مَكانَهُم، ويُرشِدُهُم إِلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ مُوسَى ﵊.
وَكذَلِكَ ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]: فِي السَّفينَةِ بِمرْأًى مِنْ اللهِ، لَا بِهَواهَا وَلَا بِهَواهُم، بَلِ اللهُ يُوجِّهُها جل وعلا فِي صَالحِ رُكَّابِها، نُوحٍ ﵇ ومَنْ مَعهُ، كَمَا ذَكرَ وَصْفهُ فِي الآيَةِ الثَّانِيةِ ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]. يَعنِي: تَحتَ رِعَايَتِنا وَإِحْسَانِنا ومَرْأًى مِنَّا.
وَلَيسَ المُرَادُ إِنْكارَ هذِهِ الصِّفَاتِ، بَلِ المُرادُ إِثْباتُها، فَفِيهِ إِثْباتُ العَينِ، وَإِثباتُ البَصرِ، وإِثْباتُ الرِّعَايةِ لِهذِهِ الأَشْياءِ، وأنَّ مُقْتضَى ذلِكَ أنَّهُ يَرْعَى مُوسَى ﵇، ويَرعَى السَّفِينةَ، وَيَرعَى مُحمَّدًا ﵊، بِرِعايَتهِ ﷾، فلَا مُنافَاةَ بَينَ إِثْباتِ العَينِ وَإِثْباتِ الرِّعايَةِ.
وَليسَ هَذَا تَأْويلًا كَمَا يَظنُّ بَعضُ النَّاسِ أنَّ هَذَا مِنْ التَّأوِيلِ، لَيسَ هَذَا مِنَ التَّأوِيلِ، بلْ هَذَا صَرِيحُ الآيَاتِ، وَأنَّ اللهَ سُبْحانَهُ بَيَّنَ هذَا، وَأنَّ اللهَ جل وعلا رَعَى هذِهِ السَّفينَةَ، وَرعَى مُحمَّدًا ﷺ، وَرعَى مُوسَى ﷺ، حَيثُ صُنِعتِ [السَّفِينةُ] عَلَى عَينِهِ، وَجَرتْ عَلَى عَينِهِ، وأَمَرهُم بِالصَّبرِ لِحُكمِ ربِّهِ بِعيْنهِ ﷾.
[ ٨٣ ]
وَهكَذَا فُسِّرَ ذلِكَ فِي حَدِيثِ الدَّجَّالِ وَقَالَ: «إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» (^١). فبيَّنَ أنَّ لَهُ عَينًا حَقِيقةً، الدَّجَّالُ أَعْورُ، وَاللهُ لَيسَ بِأَعورَ، بلْ لَهُ عَيْنانِ سَلِيمَتانِ لَا عَوَرَ فِيهِما وَلَا نَقصَ فِيهِما، بِخِلافِ الدَّجَّالِ فلَهُ عَينٌ عَوْراءُ كَأنَّهَا عِنَبةٌ طَافِيةٌ، وَأَشارَ إِلَى عَينِهِ ﵊، يَعنِي: أنَّهَا عَينٌ حَقِيقةً.
وَأكثَرُ أَصْحابِ الكَلَامِ وَأَرْبابِ الكَلَامِ ومَن بُلِيَ بِالتَّأْويلِ لَا يَطْمئِنُّونَ إِلَى هذِهِ الأَخْبَارِ، وَإِنَّما يُؤوِّلُونَها عَلَى غَيرِ تَأْوِيلِها، وَيَنْفونَ صِفَاتِ اللهِ ﷿، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
وَهكَذَا يَكُونُونَ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ كُلِّهَا بِالتَّأْويلِ، وهَذَا مِنْ فَسَادِ العُقُولِ، وفَسَادِ التَّصوُّرِ، وضَعْفِ الإِيمَانِ أوْ زَوالِهِ.
وَأيُّ مَحْذورٍ وأيُّ خَطرٍ فِي إِثْباتِها كَمَا أَرَادَ اللهُ عَلَى الوَجهِ اللَّائقِ بِاللهِ، مِنْ غَيرِ تَحْريفٍ، وَلَا تَعْطيلٍ وَلَا تَكْييفٍ وَلَا تَأْويلٍ؟! بِل هَذَا مِنْ كَمالِهِ، فهُوَ إِلهُ يُعبَدُ، لَهُ سَمعٌ وَلهُ بَصرٌ، وَلهُ رَحْمَةٌ، وَلهُ غَضَبٌ وَلهُ رِضًا، كُلُّ هذِهِ مِنْ صِفَاتِ الكَمَالِ الَّتِي يَستَحقُّ بِهَا أنْ يُعبَدَ ويُعظَّمَ.
وأيُّ تَعْظيمٍ وأَيُّ إِجْلالٍ فِي إِثْباتِ ذَاتٍ لَيسَ لَهَا صِفَاتٌ؟! هلْ يَقُولُ هَذَا عَاقِلٌ؟! ذَاتٌ لَيسَ لَهَا صِفَاتٌ لَيسَ لَهَا إلَّا العَدمُ، لَيسَ لَهَا صِفةٌ إلَّا العَدمُ؟!
يُؤخَذُ منَ الحَدِيثِ إِثْباتُ العَيْنينِ، وأنَّ للهِ عَيْنينِ؟
نَعمْ، مِثلُ مَا قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: إنَّ للهِ عَينَيْنِ، كَمَا دلَّ عَليْهِ إِطْلاقُ الآيَاتِ، وَالعَربُ تُطلِقُ الجَمعَ عَلَى المُثنَّى إِذَا أُرِيدَ بِهِ العَظمَةُ، كَمَا قَالَ جل وعلا: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وهُمَا عَائِشةُ وحَفْصَةُ ﵄،
_________________
(١) رواه البخاري (٣٠٥٧)، ومسلم (١٦٩) (٢٧٤).
[ ٨٤ ]
قَلْبَانِ، وأُضِيفَ إِلَى المُثنَّى.
وَ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ النُّونُ لِلعَظمَةِ، وهُما عَيْنانِ، كَمَا قَالَ: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] السَّارِقُ وَالسَّارِقةُ يَدَانِ، فَلمَّا أَضَافَ إِلَى ضَمِيرِ المُثنَّى جَمَعَ، قَالَ: «أَيْدِيَهُمَا». وهمُا يَدانِ: يَدَيْهِما، فَلمَّا جَاءَ التَّفصِيلُ ثَنَّى كَمَا قَالَ: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، فثَنَّاهُما وَأوْضَحَ ﷾.
٧٤٠٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَ قَوْمَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ» (^١) (^٢).
فِتنَةُ الدَّجَّالِ فِتْنتُهُ عَظِيمةٌ، الأَنْبيَاءُ كلُّهُم أَنْذرُوا قَومَهُم معَ أنَّهُ لَا يَخرُجُ إلَّا فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وهَذَا مِنْ أَجْلِ عِظمِ خَطرِهِ، وَعِظمِ فِتْنتِهِ، حَتَّى يَتوَارَثَ النَّاسُ الحَذرَ مِنهُ، حَتَّى نُوحٌ ﵇ أَنْذرَ قَومَهُ، وَنبيُّنَا ﷺ أَبْدَى فِيهِ وأَعَادَ، وأَنذَرَ أَكْثرَ ﵊.
* * *
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٩٣٣).
(٢) وفي الحديث إثبات صفة العين لله تعالى على ما يليق بِهِ سبحانه.
[ ٨٥ ]