وَقَالَ مُجَاهِدٌ: القُسْطَاسُ: العَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ. وَيُقَالُ: القِسْطُ: مَصْدَرُ المُقْسِطِ وَهُوَ العَادِلُ، وَأَمَّا القَاسِطُ فَهُوَ الجَائِرُ.
وهَذَا وَاضِحٌ، يُقَالُ: مُقسِطُونَ يَعْنِي عَادِلُونَ مُستَقِيمُونَ، ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩] أَقسَطَ يَعْنِي: عَدَلَ واستَقَامَ.
وأمَّا «القَاسِطُ» الثُلَاثيُّ من قَسَطَ: هو الجَائِرُ الظَّالِمُ ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥] والرُّبَاعِيُّ ضِدُّ الثُّلَاثِيِّ، الرُّبَاعِيُّ أَقسَطَ مِنَ العَدلِ هو ضِدُّ الجَورِ، والثُّلَاثِيُّ قَسَطَ «قَ سَ طَ»، هَذَا ضِدُّ العَدلِ وهو الجَورُ.
ومَصدَرُ الثُّلَاثِيِّ؟
قِسْطًا، وأمَّا الْمُقسِطُ إِقسَاطًا. رُبَاعِيٌّ.
هنا يُقَالُ والقِسْطُ مَصدَرُ المُقسِطِ؟
هَذَا ضِدُّ القِسْطِ قد يَكُونُ مَصدَرًا صِنَاعِيًّا. المَصدَرُ القِيَاسِيُّ «إِفْعَالٌ» أَقسَطَ إِقسَاطًا، مِثلُ أَكرَمَ إِكرَامًا وأَعلَمَ إِعلَامًا، وأَفضَلَ إِفضَالًا. فَالقِسطُ قِسمُ
[ ٤٣٧ ]
مِنْ العَدلِ، واللهُ هو القِسطُ أي: هو العَدلُ.
يَكُونُ اسْمُ المَصدَرِ بِالنِّسبَةِ إلى المُقسِطِ؟
ويُسَمَّى اسمَ مَصدَرٍ ويُسمَى اسمًا للعَدلِ، مِنْ أَسمَاءِ الَعدلِ: القِسطُ. وأمَّا مَصدَرُ قَسَطَ «قَسْطٌ» بِفتحِ القَافِ.
فيه تَوَافُقُ في المَصدَرِ يَعْنِي؟
تَوَافُقٌ في الاشْتِقَاقِ العَامِّ، وهناك زَادَ عليه الهَمزَةَ، كرُم صَارَ كَرِيمًا، وأَكرَمَ: أَكرَمَ غَيرَهُ، قَسطَ صَارَ جائرًا.
لكن «ويُقَالُ القِسطُ مَصدَرُ المُقسِطِ» كَأنَّ هَذَا سَمَاعِيٌّ وَافَقَ مَصدَرَ «قَسَطَ».
قَولُهُ: مَصدَرٌ تَسَامُحٌ، تَسمُّحٌ منه في الكَلَامِ، وإنما هو اسمُ مَصدَرٍ.
٧٥٦٣ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ» (^١).
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٦٩٤).
[ ٤٣٨ ]
قد أَحسَنَ المُؤَلِّفُ ﵀ في خَتمِ كِتَابِهِ بهَذَا الحَدِيثِ الجَلِيلِ ﵀ وأَكرَمَ مَثوَاهُ وجَزَاهُ عن المُسْلِمِينَ خَيرًا.
هَذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ في المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ».
كلَمِتَاَنِ عَظِيمَتَانِ يَنبَغِي الإِكثَارُ منهمَا والحِرصُ عَلَيهِما دَائِمًا؛ لِمَا فِيهما منَ الخَيرِ العَظِيمِ مع السّهُولَةِ. ﵀ وأَكرَمَ مَثوَاهُ، والحَمدُ للهِ.
تَأَمَّلُوا تُريدُونَهُ مِنْ أَوَّلِهِ أو؟ أَرَى أنَّ إِعَادَتَهُ أَحسَنُ؛ لِأنَّه كُلَّهُ خَيرٌ، ولا يُشبَعُ منه (^١).
أثَابَ اللهُ الجَمِيعَ وعَلَّمنَا وإِيَّاكُم ما يَنْفَعُنَا، ورَزَقَنَا وإِيَّاكُمُ الفِقهَ في الدِّينِ والثَّبَاتَ عليه والعَملَ به.
غير واضح؟ (^٢)
هو أَحَدُ الشُّرَّاحِ قد يُصِيبُ وقد يُخطِئُ، مِثلُ غَيرِهِ، الكَرمَانِيُّ وابنُ بَطَّالٍ وغَيرُهُم، الشُّرَّاحُ كَثِيرُونَ.
* * *
_________________
(١) يقصد الشيخ ﵀ قراءة «صحيح البخاري» مرة أخرى حيث يشاور فيها طلبته.
(٢) أظن السؤال عن شرح العيني للبخاري.
[ ٤٣٩ ]