وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦].
٧٤٠٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ، وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ» (^١).
٧٤٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» (^٢).
وَهكَذَا قَالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. هُوَ الَّذِي كَتبَ ولَمْ يَكتُبْهُ أَحدٌ، وكَتبَ عَلَى نَفسِهِ الرَّحمَةَ فضْلًا مِنهُ وَإْحْسَانًا
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧٦٠).
(٢) ورواه مسلم (٢٧٥١).
[ ٧٨ ]
وجُودًا وكَرَمًا، وهَكَذا أَحَقَّ عَلَى نَفسِهِ نَصْرَ عِبادِهِ المُؤمِنِينَ، وَإِدْخَالَ الجنَّةِ لِمنْ لَقِيَهُ بِالتَّوحِيدِ وَالإِيمَانِ، كُلُّ ذلِكَ مِنْ فَضلِهِ وَإِحْسَانِهِ ﷾.
الكِتابَةُ مِنْ الصِّفَاتِ الفِعلِيَّةِ؟
نَعمْ، كَالخَلقِ وَالرَّزقِ، القَاعِدَةُ: كُلُّ مَا يَتعلَّقُ بِالمَشِيئَةِ يُسمَّى صِفَاتِ فِعْلٍ، وَمَا يَتعَلَّقُ بِغَيرِ ذلِكَ يُسمَّى صِفَاتِ الذَّاتِ، كَالسَّمعِ وَالبَصرِ وَالعِلمِ وَنحْوِ ذلِكَ، صِفَاتٌ ذَاتيَّةٌ، وَالخَلْقُ وَالرَّزْقُ وَالتَّدْبِيرُ وَالإِحْياءُ وَالإِمَاتةُ وَإِنْزالُ المَطرِ وَالنُّزُولُ وَالاسْتِواءُ ونَحوُ ذلِكَ -كُلُّها صِفَاتُ فِعلٍ، تَكُونُ بِالمَشيئَةِ وَالاخْتِيارِ.
وَبَعضُ الصِّفاتِ يُطلَقُ عَليْهَا صِفَاتُ ذَاتٍ وَصِفاتُ فِعلٍ؛ لِأنَّهَا مُلازِمَةٌ لِلذَّاتِ؛ وَلِأنَّهَا تَكُونُ بِالمَشِيئةِ وَالاخْتِيارِ: كَالْكَلامِ، فَإنَّهُ لَا يَزَالُ مُتكلِّمًا إِذَا شَاءَ ﷾، هذِهِ يُقَالُ لَهَا: صِفَاتُ ذَاتٍ مِنْ هذِهِ الحَيثِيَّةِ، وصِفَةُ فِعلٍ؛ لِأنَّهُ بِمَشيئَتِهِ، لَا بِالإِجْبَارِ.
٧٤٠٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (^١).
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٦٧٥).
[ ٧٩ ]
وَهذَا كَسَائِرِ الصِّفَاتِ تُمَرُّ عَلَى ظَاهِرِها عَلَى الوَجهِ اللَّائِقِ بِاللهِ، معَ العِلْمِ أنَّها تُفِيدُ أنَّهُ سُبْحانَهُ أَسْرعُ بِالخَيرِ إِلَى عِبادِهِ مِنهُمْ، وأَنَّهُم مَتَى سَارَعُوا إِلَى الخَيرَاتِ وَسابَقُوا إِلَى الطَّاعَاتِ، فَاللهُ بِالخَيرِ أَسبَقُ، وَفَضلُهُ أَكثَرُ وَأعظَمُ.
وَأمَّا تَفْسِيرُ هذِهِ الصِّفَاتِ فَلَا يَعلَمُ كَيفِيَّةَ ذلِكَ إلَّا هُو، صِفَاتُ حقٍّ (تَقرُّبُهُ مِنْ عِبَادِهِ ذِرَاعًا، وبَاعًا، وَمَشيُهُ إِليْهِ هَرْوَلةً) كُلُّ هذِهِ مِنْ الصِّفَاتِ الفِعلِيَّةِ الَّتِي تُمَرُّ عَلَى ظَاهِرِها مِنْ غَيرِ تَحرِيفٍ، وَلَا تَكْييفٍ، وَلَا تَمْثِيلٍ، بلْ عَلَى حَدِّ قَولِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
لَكنَّهُ يُستَفادُ مِنْها، مِنْ مَضْمونِهَا ومِن ثَمَراتِها ومِن مُقْتضَاهَا: أنَّهُ سُبْحانَهُ أَسْرعُ بِالخَيرِ إِلَى عِبادِهِ مِنهُم، وَأنَّهُ أَجْوَدُ وَأكْرَمُ، مِنْ سَابَقَ إِلَى الخَيْراتِ وسَارَعَ إِلَى الطَّاعَاتِ؛ فَاللهُ إِليْهِ أَسرَعُ بِالخَيرَاتِ وَالثَّوابِ.
وَقوْلُهُ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، و﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ [المائدة: ١١٦]: تُمرُّ كَمَا جَاءَتْ مِثلُ سَائرِ الصِّفاتِ، لَهُ نَفسٌ لَا يَعلَمُ كَيفِيَّتهَا إلَّا هُوَ ﷾، لَهُ نَفْسٌ كَمَا أنَّ لَهُ يدًا وقَدَمًا ورَحْمَةً وغَضَبًا ورِضًا ونَحوَهَا، وكلُّهَا تَلِيقُ بِاللهِ لَا يُشابِهُهُ فِيها خَلقُهُ.
أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، لو وُعِظَ بِمثْلِ هَذَا الحَدِيثِ: «مَنْ تَقرَّبَ إِليَّ شِبْرًا» أَشَارَ شِبرًا، «مَنْ تَقرَّبَ إِليَّ ذِرَاعًا» أَشارَ ذِراعًا، «مَنْ تَقرَّبَ إِليَّ بَاعًا» أَشَارَ بَاعًا؟
إِذَا أَرَادَ بِهِ الحَقيقَةِ ونَفْيَ التَّشْبيهِ لَا بَأسَ، إِذَا أَرادَ أنَّهُ شِبرٌ عَلَى الحَقِيقَةِ، وبَاعٌ عَلَى الحَقِيقةِ عَلَى الوَجهِ اللَّائقِ بِاللهِ فلَا بَأسَ، مِنْ بَابِ بَيَانِ الحَقيقَةِ، لَا
[ ٨٠ ]
مِنْ بَابِ التَّكْييفِ وَالتَّمْثيلِ، مِثلُ مَا أَشَارَ النَّبيُّ ﷺ لمَّا ذُكِرَ السَّمْعُ وَالبَصرُ، قَالَ: «هَكَذَا» وَأشَارَ إِلَى الأُذنِ وَالعَينِ، لَيسَ قَصْدُهُ التَّمثِيلَ، وإنَّمَا قَصدُهُ أنَّهَا عَينٌ حَقِيقَةً، وسَمعٌ حَقِيقةً، وبَصرٌ حَقِيقةً.
«مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ» «وَمَا أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللهِ»؟
صِفَةُ الغَيرَةِ، فهُوَ يَغَارُ إِذَا انُتْهِكتْ مَحارِمُهُ، وَأنَّهُ يُحبُّ أنْ يُمدَحَ ويُثنَى عَليْهِ، مِنْ صِفاتِهِ أنَّهُ يُحِبُّ أنْ يُمدَحَ ويُثْنى عَليْهِ بِصِفاتِهِ العَظِيمةِ، فهُوَ العَزِيزُ وَالحَكِيمُ وَالرَّؤُوفُ وَالقَدِيرُ، هُوَ الجَوادُ وهُوَ الكَرِيمُ، تَمدَحهُ بِصِفاتِهِ ﷾؛ لِأنَّ البَابَ بَابُ ذِكرِ الأَسْماءِ وَالنُّعُوتِ.
* * *
[ ٨١ ]