٧٤٩١ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» (^١).
وهَذَا يُفِيدُ تَحرِيمَ سَبَّ الدَّهرِ، وَأنَّه لا يَجُوزُ أن يُسَبَّ الدَّهرُ، الدَّهرُ مَخلُوقٌ مِنَ الْمَخلُوقَاتِ يُصَرِّفُهُ اللهٌ، ولِهذَا قَالَ: «يُؤذِينِي ابنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهرَ، وأنا الدَّهرُ». يَعْنِي: وأنا خَالِقُ الدَّهرِ ومُصَرِّفهُ، ومُقَلِّبُه؛ ولذَلكَ قَالَ في اللَّفظِ الآخَرِ: «أُقَلِّبُ لَيلَهُ ونَهَارَهُ» (^٢)؛ فَسَبُّهُ سَبٌّ لِصَانِعِهِ وخَالِقِه، فَلا يَلِيقُ بِالمُؤمِنِ أن يَقُولَ: لا بَارَكَ اللهُ في هَذِه السَّاعَةِ، أو قَاتَلَ اللهُ هَذِه السَّاعَةَ، أو لَعَنَ اللهُ هَذِه السَّاعَةَ، أو هَذَا اليَومَ أو هَذِه اللَّيلَةَ أو هَذَا المَسَاءَ.
المَقْصُودُ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّمَانِ، وهَكَذَا سَبُّ الأَشيَاءِ كُلِّهَا مَمنُوعٌ إلا مَنْ
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٢٤٦).
(٢) رواه مسلم (٢٢٤٦).
[ ٢٧٧ ]
أَذِنَ اللهُ في سَبَّهِ، فَالمَرءُ لا يَكُونُ سَبَّابًا ولا لَعَّانًا إلا مَنْ شَرعَ اللهُ سَبَّهُ.
بَعضُ النَّاسِ إذا زَارَهُ شَخْصٌ قَالَ: هَذَا يَومٌ مُبَاركٌ؟
إذا قَالَهَا بِمَعنَى أَنَّها زِيَارَةٌ مُبَارَكةٌ، وأنَّ اليَومَ الذي حَصَلَتْ فيهِ [مُبارَكٌ]؛ ما نَعلَمُ فيه شَيْئًا.
٧٤٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ ﷿: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ، وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» (^١).
الشَّاهِدُ في هَذَا كُلِّهِ: أَنَّه يَتَكَلَّمُ إذا شَاءَ ﷾، مَقصُودُ المَؤَلِّفِ بَيَانُ الأَحَادِيثِ التي فيها كَلَامُهُ جل وعلا، وتَكلِيمُ عِبَادِهِ، وإِخبَارهِ عن نَفسِهِ بما هو أَهلُهُ، وإِخبَارُهُ عِبَادَهُ بما يُحِبُّهُ مِنْ أَعمَالِهِم، وهو تَكَلَّمَ ويَتَكلَّمُ إذا شَاءَ جل وعلا رَدًّا على أَهْلِ البِدَعِ الْمُنكِرِينَ لِكَلَامِهِ ﷾، فقد قالَ ويَقُولُ وتَكَلَّمَ ويَتَكَلَّمُ إذا شَاءَ، لا مَانِعَ له مِنْ ذَلكَ ﷾.
وهَذَا مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ. مِنْ نَقصِ الأَصنَامِ والأَحجَارِ والأَشجَارِ أَنَّها لا تَتَكَلَّم كما قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ [طه: ٨٩]، عَابَهَا بِأنها لا تُرجِعُ قَولًا ولا تَتَكَلَّمُ، كَونُهُ يَتَكَلَّم ويَقولُ هَذَا مِنْ
_________________
(١) ورواه مسلم (١١٥١).
[ ٢٧٨ ]
صِفَاتِ الكَمَالِ، ومِن وُجُوهِ استِحقَاقِهِ العِبَادَةَ ﷾، فهو يَتَكَلَّمُ ويَأمُرُ ويَنهَى إذا شَاءَ بما يَشَاءُ؛ ولِهذَا تَكَلَّمَ قَالَ: «يُؤذِينِي ابنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهرَ، وأنا الدَّهرُ» (^١)، «الصَّومُ لي وأنَا أجْزِي بهِ».
٧٤٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «بَيْنَمَا أَيُّوبُ ﵇ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟. قَالَ: بَلَى، يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ».
وهَذَا فيه قَولُهُ: «يا أَيَّوبَ» يُنَادِيهِ: «يَا أَيُّوبَ أَلم أُغنِكَ عن هَذَا»، كَلَامٌ خَاصٌّ مع نَبِيٍّ خَاصٍّ ﵊، فَقَالَ: «بَلَى، ولكن لا غِنًى لي عن بَركَتِكَ». لأنَّ إِنزَالَ هَذَا الخَيرِ مِنَ البَركَةِ، وقد أَنْزَلَ عليه رِجْلًا من جَرَادٍ من ذَهَبٍ، فهَذَا مِنْ بَركَةِ اللهِ ﷾؛ ولِهذَا كَانَ يَحثُو، يَحثُو منه أَيُّوبُ ﵊؛ لِأنَّه مِنحَةٌ منَ اللهِ ونِعمَةٌ مِنَ اللهِ سَاقَهَا إِلَيهِ ومِن بَركَاتِهِ ﷾، «لا غِنًى لي عن بَركَتِكَ». إذا يَسَّرَ اللهُ لِلعَبدِ مِنْ الكَسبِ الحَلَالِ والرِّزقِ الحَلَالِ لا حَرجَ في أَخذِهِ وجَمعِهِ والإِنفَاقِ منه، والإِحسَانِ منه إلى النَّاسِ.
وَفِيهِ: جَوازُ الاغتِسَالِ عُريَانًا؛ فإن أَيُّوبَ ﵇ اغْتَسَلَ عُريَانًا، وهَكَذَا مُوسَى ﵇ اغْتَسَلَ عُريَانًا، وهَكَذَا كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَتَجَرَّدُ ويَغتَسِلُ
_________________
(١) تقدم برقم (٧٤٩١).
[ ٢٧٩ ]
مع أَهلِهِ، فلا بأسَ بذَلكَ في الْمَحِلِّ الْمَستوِر عن أَعْيُنِ النَّاسِ، في حَمَّامِهِ، في مُغتَسَلِهِ، في مَحِلٍّ مَستُورٍ، مَشرُوعٌ له أن يَتَجَرَّدَ مِنْ ثِيَابِهِ حَتَّى يَغتَسِلَ، ولِهذَا تَجَرَّدَ أَيُّوبَ ﵊، وهَكَذَا مُوسَى ﵇ وهَكَذَا نبيُّنا ﵊.
والمَقْصُودُ: النَّبيُّ ﷺ ذَكرَ أَنَّه عُرْيَانٌ وأَقَرَّهُ النَّبيُّ ﷺ؛ فَدَلَّ ذَلكَ على أَنَّه لا بَأْسَ بِالتَّعَرِّي لِلاغْتِسَالِ لِغُسلِ الجَنَابةِ وغُسلِ التَّبَرُّدِ وغُسلِ يَومِ الجُمُعُةِ ونَحوِ ذَلكَ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُهُ: «يُؤذِينِي ابنُ آدَمَ»؟
فيه الدَّلَالَةُ على أنَّ العَبدَ يُؤذِي رَبَّه بِمَعَاصِيهِ وسَيِّئاتِهِ ولا يَضُرُّهُ، يُؤذِيهِ ولا يَضُرُّهُ، والضَّررُ على العَبدِ، لا يَضرُّ اللهَ شَيْئًا: «إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي» (^١)، فاللهُ لا يَضُرُّهُ شَيءٌ فهو الغَنيُّ والكَامِلُ والقَادِرُ على كُلِّ شَيءٍ فلا يَضُرُّهُ الخَلقُ ولكن يُؤذِيهِ العَبدُ بِمَعَاصِيهِ وشِركِهِ، أنْ يَفعَلَ شَيْئًا يَكرَهُه اللهُ ويَبغَضُهُ اللهُ منهُ، ويَكُونُ أَذًى مِنْ العَبدِ لِرَبِّهِ بِتَعَاطِيهِ ما حَرَّمَهُ عليه، والأَذَى غَيرُ الضَّرَرِ.
.؟
﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ﴾ [الأحزاب: ٦٩] هَذَا في كَلَامِهِ.
الاغْتِسَالُ مع الأَهلِ عُرِيَانًا؟
إذا كَانَ ما مَعَهُم أَحَدٌ، ما فيهِ شَيءٌ.
قَولُهُ لِأَيُّوبَ ﵇: «أَلمْ أَكُنْ أَغنَيتُكَ عَنْ هَذَا»، هَذَا إِنكَارٌ عَليهِ في أَخذِهِ؟
_________________
(١) رواه مسلم (٥٥) (٢٥٧٧).
[ ٢٨٠ ]
سَؤَالٌ يَسأَلُهُ، فَقَالَ: بَلَى، ولِهذَا أَجَابَ: «بلَى»؛ لِإظْهَارِ النِّعمَةِ لِإظْهَارِ الفَضلِ والنِّعمَةِ؛ ولِيتَكَلَّم أَيُّوبُ ﵇ بما أَرسَلَهُ اللهُ إليه وأَنزلَ مِنْ البَركَةِ لِيستَفِيدَ النَّاسُ ويَعلَمُوا، فهو سَألَ وهو أَجَابَ لِحكمَةٍ بَالِغَةٍ منها: أن يَستَفِيدَ النَّاسُ.
ولا يُنَافِي أن تَكُونَ هَذِه الرِّجْلُ مِنْ بَركَتِهِ؟ يَعْنِي هَذِه الرِّجلُ مِنَ الذَّهبِ دَاخِلَةٌ في بَركَةِ اللهِ؟
مِنْ بَركَةِ اللهِ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ هل كَلَّمَ اللهُ أَيُّوبَ ﵇ بِوَاسِطَةٍ ﷾؟
يَظهَرُ منَ السِّيَاقِ أَنَّه كَلَّمَهُ سُبحَانَهُ مُشَافَهَةً، ولا مَانِعَ مِنْ ذَلكَ، مِثلمَا كَلَّمَ مُوسَى ﵇ وكَلَّمَ مُحَمَّدًا عَلَيهِم الصلاة والسلام، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]، ومُحَمَّدٌ ﷺ لما عُرِجَ به إلى السَّمَاءِ كَلَّمَهُ اللهُ، وفَرضَ عَلَيهِ الصَّلَوَاتِ الخَمسَ.
٧٤٩٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَتَنَزَّلُ (^١) رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (^٢).
_________________
(١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «يَنْزِلُ».
(٢) ورواه مسلم (٧٥٨).
[ ٢٨١ ]
وهَذَا التَّنزُّلُ ثَابِتٌ مِنْ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، ومُتَوَاتِرٌ عن الرَّسُولِ ﵊.
وفيه الدَّلَالَةُ على عُلُوِّ اللهِ كمَا تَقَدَّمَ مِنَ الآيَاتِ والأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ على النُّزُولِ، فَالتَّنَزّلُ والنُّزُولُ كُلُّهُ دَالٌّ على عُلُوِّ المنزِّلِ، وَأنَّه فَوقَ الجَمِيعِ ﷾، وَأنَّه يَنْزِلُ إلى السَّمَاءِ الدُّنيَا كُلَّ لَيلَةٍ نُزُولًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، لا يَعلَمُ كَيفِيَّتَهُ سِوَاهُ ﷾ مع كَونِه عَالِيًا فَوقَ العَرشِ، وهو فَوقَ الجَمِيعِ ويَتَنَزَّلُ إلى السَّمَاءِ الدُّنيَا كُلَّ لَيلَةٍ نُزُولًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ لا يُعلَمُ كَيفِيَّتَهُ سُبحَانَهُ.
وهو نُزُولٌ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ ولا يَتنَافَى مع اخْتِلَافِ الليَّلِ والنَّهَارِ في سَائِرِ أَرجَاءِ الدُّنيَا، فإنَّ اللَّيلَ والنَّهَارَ في الدُّنيَا مُختَلِفٌ، فَآخِرُ اللَّيلِ عند قَومٍ هو لَيْسَ بِآخِرِ اللَّيلِ عند آخَرِينَ، بل وَسَطُ اللَّيلِ أو أَوَّلُ اللَّيلِ كمَا بينَ المَشرِقِ والمَغرِبِ، فهو نُزُولٌ يَلِيقُ بِاللهِ في كُلِّ بَلَدٍ وفي كُلِّ إِقلِيمٍ، وفي كُلِّ جِهَةٍ بِحَسَبِهَا، لا يَعلَمُ كَيفِيَّةَ ذَلكَ إلا هو ﷾.
وقد كَتَبَ في هَذَا أَبُو العَبَّاسِ -شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ- كِتَابًا جَيِّدًا شَرحَ فيه حَدِيثَ النُّزُولِ، وبَيَّنَ فيه هَذِه المَعَانِي، وأنَّ النُّزُولَ صِفَةٌ خَاصَّةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ ﷿ لا يَلزَمُ منها تَكْييفٌ ولا تَمثِيلٌ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ، فلا يَلزَمُ منها تَعَارضٌ بِسبَبِ اخْتِلَافِ اللَّيلِ والنَّهَارِ في البُلدَانِ، فَالتَّعَارضُ بِالنِّسبَةِ إِلَينَا ولِصِفَاتِنَا، أما بِالنِّسبَةِ إلى اللهِ فلا يَتَعَارضُ؛ لِأنَّه لا يَعلَمُ كَيفِيَّةَ صِفَاتِهِ إلا هو ﷾.
فعلى العَبدِ الإِيمَانُ والتَّسلِيمُ، على الأُمّةِ الإِيمَانُ والتَّصدِيقُ والإِقرَارُ بما
[ ٢٨٢ ]
جَاءَ عنِ الرَّسُولِ ﷺ على الوَجهِ اللَّائِقِ بِاللهِ، وعلى المَعنَى الذي أَرَادَهُ اللهُ ﷾.
والفَائِدَةُ العَظِيمَةُ من هَذَا: حَثُّ العِبَادِ على الدُّعَاءِ في هَذَا الوَقتِ العَظِيمِ: هل مِنْ داَعٍ فَيُستَجَابُ له؟ هل مِنْ تَائِبٍ فَيُتَابُ عليه؟ هل من سَائِلٍ فَيُعطَى سُؤلَهُ؟ هل مِنْ مُستَغفِرٍ فَيُغفَرُ له؟
فَيَنبَغِي للمُؤمِنِ أن يَكُونَ له نَصِيبٌ في هَذَا الوَقتِ مِنْ عِبَادَتِهِ ودُعَائِهِ وضَرَاعَتِهِ إلى رَبِّهِ جل وعلا، ولا يَستَبْطِئَ الإِجَابَةَ ولا يَقُولَ: لم يُجَبْ. يَدعُو والأَمرُ بِيدِ اللهِ ﷾، فقد يُعَجِّلُ الإِجَابَةَ لِحكْمَةٍ، وقد يُؤَجِّلُهَا لِحكْمَةٍ، وقد يمْنَعُهَا لِحكْمَةٍ، فَيصْرِفُ عن العَبدِ شَيْئًا يَضُرُّهُ سِوَاهَا كمَا في الحَدِيثِ الصَّحيحِ: «ما مِنْ عَبدٍ يَدْعُو اللهَ بِدعُوَةٍ لَيْسَ فيها إِثمٌ ولا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إلا أَعطَاهُ اللهُ بها إِحدَى ثَلَاثٍ: إما أنْ تُعَجَّلَ له دَعوَتُهُ في الدُّنيَا، وإمَّا أن تُدَخَرَ له في الآخِرَةِ، وإمَّا أَنْ يُصرَفَ عنه مِنَ الشَّرِّ مِثلُ ذَلكَ»، قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، إذًا نُكثِرُ. قَالَ: «اللهُ أَكثَرُ» (^١).
فأنتَ على خَيرٍ في دُعَائِكَ، اسْألْ رَبَّكَ، وأنت على خَيرٍ، فادْعُ رَبَّكَ بِإخْلَاصٍ وصِدقٍ واسْألْ حَاجَتَكَ، وَرَبُّكَ أَعلَمُ بذَلكَ، إن شَاءَ سُبحَانَهُ عَجَّل هَذَا كما يَقَعُ وَوَقَعَ لِكَثِيرٍ منَ النَّاسِ، عُجِّلَت لهم طَلَبَاتُهُم، وقد تُؤَجَّلُ كمَا وَقَعَ أَيضًا لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أُجِّلَت طَلَبَاتُهُم ولم تَحصُلْ لهم في الدُّنيَا، وقد يُصرَفُ عنه منَ الشَّرِّ ما لا يَدُورُ على بَالِهِ ولم يُذكَرْ في خَيالِهِ؛ فَضلًا مِنْ اللهِ ﷾، وبَدَلًا مِنْ إِجَابتِهِ لهَذِه الدَّعوَةِ أُعطِي ما هو خَيرٌ منها وأَفضَلُ، أو أُجِّلَتْ لَه في الآخِرَةِ لِيكُونَ ذَلكَ أَنفعَ له؛ لأنَّ حِكمَةَ اللهِ اقْتَضَتْ ألَّا تَحصُلَ له في الدُّنيَا،
_________________
(١) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٧١٠).
[ ٢٨٣ ]
إلى غَيرِ ذَلكَ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، نُزُولُ الرَّبِّ مِنْ ثُلُثِ اللَّيلِ الآخِرِ حَتَّى الفَجرِ؟
نعم حَتَّى طُلُوعِ الفَجرِ في كُلِّ بَلَدٍ، نُزُولًا يَلِيقُ به لا يُشبِهُ خَلقَهُ في ذَلكَ، ولا يَعلمُ كَيفِيَّتَه إلا هو ﷾.
٧٤٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^١).
٧٤٩٦ - وَبِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ اللَّهُ: «أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» (^٢).
هَذَا الشَّاهِدُ: «قَالَ اللهُ: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» وهَذَا من فَضلِ اللهِ العَظِيمِ: «يَا بْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ». وهَذَا مِثلُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ [سبأ: ٣٩]، ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٧]. فَالمَشرُوعُ لابنِ آدَمَ أن يُنْفِقَ ويُحسِنَ ولا يَبخَلَ؛ واللهُ يُعَوِّضُهُ خَيرًا عَاجِلًا أو آجِلًا.
والبُخلُ ذَمِيمٌ وقَبِيحٌ، لا يَلِيقُ بِالمُؤمِنِ، بل يَنبَغِي له أن يَكُونَ جَوَادًا كَرِيمًا
_________________
(١) ورواه مسلم (٨٥٥).
(٢) ورواه مسلم (٩٩٣).
[ ٢٨٤ ]
مُنْفِقًا مما يَسَّرَ اللهُ له: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]، «اتَّقُوا النَّارَ ولو بِشِقِّ تَمرَةٍ» (^١)، فلا يَنبَغِي له أن يَحمِلَهُ سُوءُ الظَّنِّ بِاللهِ، أو البُخلُ بِمَا أَعطَاهُ اللهُ، أو مَحبَّةُ المَالِ أو غيرُ هَذَا مِنْ الآفَاتِ التي لا تَنبَغِي، لا يَنبَغِي أن تَحمِلَه تلكَ الآفَاتُ على الإِمسَاكِ عن الإِنفَاقِ في مَحِلِّهِ والجُودِ في محِلِّه، ولو لمْ تَعلَمْ حَالَ المُعْطَى، إذا سَألَ أو ظَنَنتَ أَنَّه مُحتَاجٌ تُعطِه ما تَيسَّرَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ [الذاريات: ١٩]، السَّائِلُ قد يَكُونُ مَعلُومًا وقد يَكُونُ مَجهُولًا، فإذا عَلمَتَ أَنَّه مُحتَاجٌ فهَذَا آكَدُ، وإذا لم تَعلَمْ تُعطِهِ، قد يَكُونُ مُحتَاجًا وأنت لا تَدْرِي، تُعطِهِ ما تَيَسَّرَ.
أما إذا عَلمتَ حَالةً ثَالِثَةً: وهو أَنَّه غَنيٌّ وَأنَّه كَذَّابٌ فهَذَا يُزجَرُ ويُؤَدَّبُ ويُعَلَّمُ ويُوَجَّهُ إلى الخَيرِ؛ حَتَّى يَنتَهِيَ عن جَشَعِهِ وحِرصِهِ على المَالِ، وهو لا يَستَحِقُّ؛ لأنَّ اللهَ قد أَغنَاهُ.
فالسَّائِلُونَ ثَلَاثَةُ أَقسَامٍ: مَجهُولٌ، وفَقِيرٌ مَعلُومٌ، وغَنِيٌّ مَعلُومٌ:
١ - فَالفَقِيرُ المَعلُومُ: لا إشكالَ فيه، يُعطَى.
٢ - والمَجهُولُ: يُعطَى بما يَسَّرَ اللهُ، وليس مِثلَ المَعلُومِ.
٣ - والمَعلُومُ أَنَّه غَنِيٌّ: يُعَلَّمُ ويُوجَّه ويُرشَدُ ويُزجَرُ عن عَمَلهِ السَّيِّئِ.
الذي ظَاهِرُهُ الفَقرُ؟
ما دَامَ ما تَعلمُ حَالَهُ تُعطِيه، إلَّا مِنَ الزَّكَاةِ، إذا كَانَ مَجْهُولًا تَقُولُ له هَذَا زَكَاةٌ حَتَّى يَعلَمَ، أمَّا صَدَقَةُ الْمُتَطَّوعِ ما يَحتَاجُ سُؤَالًا.
_________________
(١) رواه البخاري (١٤١٧)، ومسلم (١٠١٦) (٦٨).
[ ٢٨٥ ]
… (^١)؟
ما فيه مَانِعٌ، مِثلمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِسَعدٍ ﵁: «إنَّك إن تَذَرْ وَرَثَتكَ أَغنِياءَ خَيرٌ مِنْ أن تَتركَهُم فُقَرَاءَ يَتَكَّفَّفُونَ النَّاسَ» (^٢)، ولا يَمنَعُ مِنَ الصَّدَقَةِ، النَّبيُّ ﷺ كَانَ يَعزِلُ نَفَقَةَ أَهلِهِ سَنَةً ﵊، ثم يُنفِقُهَا، وقد يَمرُّ عليه الأَيّامُ الكَثِيرةُ واللَّيَالِي وليس عنده شَيءٌ، ﵊.
٧٤٩٧ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ فَقَالَ: «هَذِهِ خَدِيجَةُ أَتَتْكَ بِإِنَاءٍ فِيهِ طَعَامٌ - أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ - فَأَقْرِئْهَا مِنْ رَبِّهَا السَّلَامَ، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَا نَصَبَ» (^٣).
هَذَا الشَّاهِدُ قَولُهُ: «أَقْرِئهَا مِنْ رَبِّهَا السلَّامَ» أَنَّه ﷾ يَتَكَلَّمَ وَأنَّه يُسَلِّمُ على مَنْ شَاءَ ﷾؛ ولِهذَا جَاءَ جَبرَائِيلَ ﵇ يَحمِلُ منَ اللهِ السَّلَامَ لِخَدِيجةَ ﵂، هَذَا فَضلٌ كَبِيرٌ لِخَدِيجَةَ ﵂. أنَّ اللهَ أَمرَ جَبرَائِيلَ أن يُبَلِّغَهَا منه السَّلَامَ وأن يُبَشِّرَهَا بِالجَنَّةِ، بِبَيتٍ في الجَنةِ مِنْ قَصَبٍ لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ، قال العُلمَاءُ: القَصَبُ يَعْنِي: مِنْ اللُّؤلُؤِ.
«وليس فيه صَخَبٌ ولا نَصَبٌ» يَعْنِي: لَيْسَ فيه تَعَبٌ ولا صِياحٌ يُؤذِي، فليس فيه صَخَبٌ منَ الكَلَامِ المُؤذِي،
_________________
(١) ولعل السؤال: هل الفقير يتصَدق؟
(٢) رواه البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨) (٥).
(٣) ورواه مسلم (٢٤٣٢).
[ ٢٨٦ ]
ولا نَصَبٌ مما يُتعِبُ، بل هو مِنْ أَنوَاعِ النَّعِيمِ، وفيه ما هو نَعِيمٌ، كُلهُ نَعِيمٌ، فهَذَا يَدُلُّ على فَضلِهَا والشَّهَادةِ لها بِالجَنَّةِ، وأنها مِنَ المَشهُودِ لهم بِالجَنَّةِ ﵂.
وهَذَا مِنْ الوُجُوهِ التي فُضِّلَت بها خَدِيجَةُ ﵂ على عَائِشَةَ ﵂ وعلى بَقِيَّةِ الأَزوَاجِ ﵅ جَمِيعًا.
ما رَفَعَهُ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁ هنا؟
هَذَا مَرفُوعٌ في الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى، ولا يَقُولُهُ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁ من كيسِهِ، (^١) فهُوَ لَه حُكمُ الرَّفعِ.
(الشَّيخُ): ماذا قَالَ الشَّارِحُ؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٦٩)]: «قَولُهُ: عن أَبِي هُرَيرَةَ فَقَالَ: «هَذِه خَدِيجَةُ» كذا أَورَدَه هنا مُختَصَرًا، والقَائلُ جِبرِيلُ كمَا تَقَدَّمَ في بَابِ تَزْوِيجِ خَدِيجَةَ ﵂ في أَوَاخرِ المَنَاقِبِ، عن قُتَيبَةَ بنِ سَعيدٍ، عن مُحمَّدِ بنِ فُضَيلٍ بهَذَا السَّنَدِ عن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أَتَى جِبرِيلُ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، هَذِه خَدِيجَةُ … إلى آخِرهِ. وبهَذَا يَظهَرُ أنَّ جَزمَ الكَرمَانِيُّ بأن هَذَا الحَدِيثَ مَوقُوفٌ غَيرُ مَرفُوعٍ مَردُودٌ». [انتهى كلامه].
(الشَّيخُ): تَكَلَّم على «مِنْ قَصَبٍ»؟ أو العَينِيُّ؟
[قالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ في «عُمدَةِ القَارِي» (٢٥/ ١٦٠)]: «قَولُهُ: «مِنْ قَصَبٍ». قَالَ الْكرْمَانِيُّ: يُرِيد بِهِ قَصَبَ الدُّرِّ المُجَوَّفِ، وَقيلَ: اصْطِلَاحُ الجَوهَريِينَ أَنْ يَقُولُوا: قَصَبٌ من الدُّرٍّ وقَصَبٌ مِنَ الْجَوْهَرِ، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: أَرَادَ بِقصرٍ من زُمُرُّدَةٍ مُجَوَّفةٍ أَوْ من لُؤلُؤَةٍ مُجَوَّفةٍ. قَولُهُ: «لَا صَخَبَ فِيهِ» أَي: لَا صِياحَ وَلَا جَلَبَةَ. قَولُهُ: «وَلَا نَصَبَ» أَي: وَلَا تَعبَ، وَقَالَ الدَّاودِيُّ: يَعْنِي لاعِوجَ». [انتهى كلامه].
_________________
(١) أي من فهمه ورأيه.
[ ٢٨٧ ]
وقال الإِمَامُ القَسْطلَّانيُّ ﵀ (٣/ ٢٧٥): ««مِنْ قَصَبٍ» بِفَتحِ القَافِ وَالصَّادِ المُهْمَلةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَوَقَعَ في حَدِيثٍ عِنْدَ الطَّبَرَانيِّ في «الأَوسَطِ» تَفْسِيرُه مِنْ طَريقِ ابنِ أَبِي أَوْفَى بِلَفظِ: «يَعنِي مِنْ قَصَبِ اللُّؤْلُؤِ». وَعِندَهُ في «الكَبيرِ» مِنْ حَديثِ أَبِي هُرَيرةَ: «بِبَيتٍ مِنْ لُؤْلُؤةٍ مُجَوَّفَةٍ»، وَعِندَه فِي «الأَوسَطِ» في حَدِيثِ فَاطِمةَ قَالَتْ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَينَ أُمِّي خَدِيجَةُ؟ قَالَ: «فِي بَيتٍ مِنْ قَصَبٍ». قُلتُ: أَمِنْ هَذَا القَصَب؟ قَالَ: «لَا، مِنَ القَصَبِ المَنْظُومِ بِالدُّرِّ وَاللُّؤلُؤِ وَاليَاقُوتِ».
فَإِنْ قُلتَ: مَا النُّكْتَةُ في قَولِه: «مِنْ قَصَبٍ» وَلَمْ يَقُلْ مِنْ لُؤلُؤٍ؟
أُجِيبَ: بِأَنَّ في لَفظِ «القَصَبِ» مُنَاسَبةٌ؛ لِكَونِهَا أَحْرَزَتْ قَصَبَ السَّبقِ لِمُبادَرَتِها إلى الإِيْمَانِ دُونَ غَيرِهَا.
فَإِنْ قُلْتَ: لمَ قَالَ: «بِبَيتٍ» وَلَمْ يَقُلْ: بِقَصرٍ؛ وَالقَصْرُ أَعْلَى وَأَشْرفُ؟
أُجِيبَ: بِأنَّهَا لمَّا كَانتْ ربَّة بَيتٍ قَبلَ المَبعَثِ، ثُمَّ صَارَتْ رَبَّة بَيتٍ في الإِسْلَامِ مُنْفَردةً بِه، فَلَم يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فِي أَوَّلِ يَومٍ بُعِثَ النَّبيُّ ﷺ بيتُ إِسْلامٍ إِلَّا بَيتُهَا، وَهِي فَضِيلةٌ مَا شَارَكَهَا فِيهَا غَيرُهَا، وَجَزاءُ الفِعلِ يُذْكَرُ غَالبًا بِلَفظِه وَإِنْ كَانَ أَشْرفَ منه قَصْدًا لِلمُشَاكَلةِ وَمُقَابلةِ اللَّفظِ بِاللَّفظِ، فَلِهذَا جَاءَ الحَدِيثُ بِلَفظِ «البَيتِ» دُونَ ذِكرِ القَصرِ». [انتهى كلامه].
٧٤٩٨ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (^١).
يَعْنِي في الجَنَّةِ كما في الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى، وهَذَا مِنْ كَلَامِهِ: «أَعدَدتُ»، هَذَا الشَّاهِدُ: «يَقُولُ اللهُ: أَعدَدتُ …». اللهُ يَجعَلُنَا وإِيَّاكُم منهم، اللهُ المُستَعَانُ، اللهُ المُستَعَانُ.
٧٤٩٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ، أَنَّ طَاوُسًا، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ،
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٨٢٤).
[ ٢٨٨ ]
وَلِقَاؤُكَ الحَقُّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^١).
٧٥٠٠ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا، وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَلَكِن وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ بَرَاءَتِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ العَشْرَ الآيَاتِ (^٢).
الشَّاهِدُ قَولُهَا: «أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ»، وقَولُهُ في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ المُتَقَدِّمِ: «وقَولُكَ الحَقُّ».
_________________
(١) ورواه مسلم (٧٦٩).
(٢) ورواه مسلم (٢٧٧).
[ ٢٨٩ ]
٧٥٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ» (^١).
وهَذَا فَضْلُهُ وجُودُهُ، وحَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ العَظِيمُ هَذَا وما جَاءَ في مَعنَاهُ كُلُّهُ يَدُلُّ على فَضلِ اللهِ العَظِيمِ ﷾، فَالعَبدُ إذا هَمَّ بِالحَسنَةِ فلم يَعمَلْهَا كُتِبَتْ له حَسنَةٌ بهَذَا الهَمِّ وهَذَا القَصدِ، كأن يَهِمَّ أن يَعُودَ مَرِيضًا، أو يَهِمَّ أن يَتَصَدَّقَ، أو ما أَشبَهَ ذَلكَ من أَعمَالِ الخَيرِ تُكتَبُ له حَسنَةٌ، فإنْ فَعَلَهَا كُتِبَتْ له عَشرُ حَسنَاتٍ إلى سَبعِمَائةِ ضِعفٍ، إلى أَضعَافٍ كَثِيرَةٍ.
أمَّا إنْ همَّ بِالسِّيئَةِ فإنها [لا] تُكتَبُ عليه حَتَّى يَعمَلَهَا، فإن عَمِلَها كُتِبَت سَيئَّةً وَاحِدةً فَقَطْ بِمثلِهَا، كما قَالَ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. فإن ترَكهَا مِنْ أَجلِ اللهِ كُتَبتْ له حَسنَةً، وهَذَا فَضلُهُ ﷾ كأن يَهِمَّ بأن يَسرِقَ أو يَسُبَّ فُلَانًا ثم لا يَفعَلُ لم تُكتَبْ عليه، فإن تَركَهَا مِنْ أَجلِ اللهِ، خَافَ اللهُ، تَركَ مِنْ أَجلِ خَوفِ اللهِ كُتِبَت له حَسنَةً؛ لأنَّه تَركَهَا مِنْ أَجلِ اللهِ
_________________
(١) ورواه مسلم (١٢٨).
[ ٢٩٠ ]
كما قَالَ: «مِنْ جَرَّائِي».
وهناك حَالٌ ثَالثَةٌ: وهي أن يَعمَلَ ويَجتَهِدَ لِفِعلِهَا ولكِنْ يَعجَزُ؛ فهَذَا تُكتَبُ عليه. فَتَركُ السَّيَّئةِ له أَحوَالٌ ثَلَاثٌ:
أَحَدهُا: أن يَترُكَهَا مِنْ غَيرِ قَصدِ اللهِ، هَكَذَا تَسَاهُلًا فلا تُكتَبُ عَليه.
الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أن يَترُكَهَا خَوفًا منَ اللهِ؛ فَتُكتَبُ له حَسنَةً.
الحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أن يَعمَلَ ويَجتَهِدَ في فِعلِهَا، ولكن يُغلَبُ ويَعجَزُ فَتُكتَبُ عليه السَّيئَةُ، كمَا في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إذا الْتَقَى المُسلِمَانِ بِسَيفَيهِمَا فَالقَاتِلُ والمَقتُولُ في النَّارِ». قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، هَذَا القَاتِلُ فما شَأنُ القَتِيلِ؟! قَالَ: «إنه كَانَ حَرِيصًا على قَتلِ صَاحِبِهِ» (^١). يَعْنِي: قدْ فَعَلَ وَلكِنَّهُ غُلِبَ، وهَكَذَا مَنْ هتَكَ السِّترَ وهَتَكَ الحِرزَ واجْتَهدَ في أَخذِ السَّرِقةَ ولكن حِيلَ بينه وبين ذَلكَ يَأثَمُ وتُكتَبُ عليه؛ لِأنَّه فَعَلَ ما اسْتَطَاعَهُ، وهَكَذَا مَنْ فَعلَ جُهدَهُ لِفِعلِ السَّيئَةِ ولكن حِيلَ بينه وبين ذَلكَ تُكتَبُ عَليهِ تلكَ السَّيئَةُ؛ لِأنَّه بَذلَ في هَذَا عَمَلًا مُنكَرًا.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، تُكتَبُ عليه السّرقَةُ كَامِلَةً أو ما بَاشَرَ مِنْ أَسْبَابِهَا؟
اللهُ أَعلَمُ، المَقْصُودُ: أَنَّه آثِمٌ، أمَّا السَّيئَةُ ما أَعلَمُ عِظَمَهَا وكَيفِيِّتَها اللهُ أَعلَمُ، في الحَدِيثِ: «القَاتِلُ والمَقتُولُ في النَّارِ» عمَّهُ الوَعِيدُ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.
.؟
نعم مِثلُهُ، دَاخِلٌ في هَذَا، رَجُلٌ كَانَ له عِلمٌ ومَالٌ وكان يَعمَلُ بِمَالِهِ فيما شَرعَ اللهُ فهو في خَيرِ المَنَازِلِ، والثَّانِي: له عِلمٌ وليس له مَالٌ فهو يَقُولُ: لو أنَّ لي مَالَ فُلَانٍ لَعمِلتُ مِثلَ عَمَلِهِ فَله مِثلُ أَجرِهِ بِنيَّتِهِ الصَّالِحَةِ إلخ.
_________________
(١) رواه البخاري (٣١).
[ ٢٩١ ]
٧٥٠٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَ: مَهْ. قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، فَقَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ. قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَذَلِكِ لَكِ».
ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] (^١).
(الشَّيخُ): في نُسخَتكَ «مُزَرِّدٍ» بِالكَسْرِ؟
[قال الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ في «عُمدَةِ القَارِي» (١٧٢/ ١٩)]: «مُزَرِّدٍ» بِضَمِّ المَيمِ وفَتحِ الزَّاي وكَسرِ الرَّاءِ المشَدَّدةِ وبِالدَّالِ المُهمَلَةِ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا هو المَعرُوفُ «مُزَرِّد» كَسرُ الرَّاءِ مع التَّشدِيدِ.
(الشَّيخُ) رَاجِعِ «التَّقرِيبَ»: مُعَاوِيةُ بنُ أَبِي مُزَرِّدٍ؟
[قال الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ في «تقْرِيبِ التَّهذيبِ» (٦٧٧٠)]: «مُعَاوِيةُ بنُ أَبِي مُزَرِّدٍ» بِضَمِّ المِيمِ وفَتحِ الزَّاي وتَثقِيلِ الرَّاءِ المَكسُورَةِ، عَبدُ الرَّحمَنَ بنُ يَسَارٍ مَولَى بَنِي هَاشَمٍ المَدَنِيُّ، لَيْسَ به بَأسٌ، مِنْ السَّادِسَةِ، خ م س».
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٥٥٤).
[ ٢٩٢ ]
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا يَدُلُّ على أن الشَّكلَ هنا لَيْسَ عليه اعْتِمَادٌ (^١)، وأنَّ الذي يَتَحَرَّى الشَّكَلَ لَيْسَ عنده ضَبطٌ كما يَنبَغِي؛ فبَعضُ النُّسخِ «مزرَّد» بِالفَتحِ، غَلطٌ في الشَّكلِ.
٧٥٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: مُطِرَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «قَالَ اللَّهُ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِي» (^٢).
الحدِيثُ تَمَامُهُ: «فَأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرنَا بِفضْلِ اللهِ وَرحْمَتِهِ فذَلِكَ مُؤمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوكَبِ، وأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرنَا بِنَوءِ كَذَا وكَذَا فَهُوَ كَافِرٌ بِي مُؤمِنٌ بِالكَوكَبِ».
واحْتَجَّ به العُلمَاءُ على أَنَّه لا يَجُوزُ أن يُقَالَ: مُطِرنَا بِنَوءِ كَذَا، أو بِنَجمِ كَذَا، ولكِنْ يَقُولُ: مُطِرنَا بِفَضلِ اللهِ ورَحمَتِهِ؛ لِأنَّه مِنْ جُودِهِ وكَرَمهِ ﷾. وأنَّ نِسبَةَ المَطرِ إلى الكَواكَبِ كُفرٌ.
ثم فيه التَّفصِيلُ: هل كُفرٌ أَكبَرُ أو كُفرٌ أَصغَرُ؟ على حَسبِ حَالِ مَنْ قَالَ ذَلكَ، مَنْ اعتَقَدَ أَنَّها مُؤثِّرَةٌ وأنَّهَا هي التي تُمطِرُ كَانَ كُفرًا أَكبَرَ؛ شِركٌ في الرُّبُوبِيَّةِ، وإن كَانَ ظَنَّ أَنَّها سَبَبٌ وقال هَذَا لأنَّهُ يَعتَقِدُ أَنَّها سَبَبٌ صَارَ هَذَا كُفرًا أَصغَرَ، فلا
_________________
(١) أي الضبط بالشكل.
(٢) ورواه مسلم (٧١).
[ ٢٩٣ ]
يَقُولُ هَذَا مُطلَقًا، فهو كُفرٌ مُطلَقًا، لكن فيه التَّفصِيلُ مِنْ جِهَةِ كَونِهِ أَكبَرَ أو أَصغَرَ على حَسَبِ القَوَاعِدِ الشَّرعِيَّةِ.
٧٥٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ: إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ».
اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، وهَذَا في اللَّفظِ الآخَرِ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ». قَالتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللهِ، هو المَوتُ فَكُلُّنَا نَكرَهُ المَوتَ. قَالَ: «لا، ولكِنَّ المُؤمِنَ إذا حَضَرَهُ أَجلُهُ بُشِّرَ بِرَحمَةِ اللهِ وفَضلِهِ -أو قَالَ-: ورِضْوَانِهِ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، والكَافِرُ إذا حَضَرهُ أَجَلُهُ بُشِّرَ بِغَضبِ اللهِ وعَذَابِهِ؛ فَكرِهَ لِقَاءَ اللهِ فَكرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ» (^١). نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.
٧٥٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٤) (١٥).
(٢) ورواه مسلم (٢٦٧٥).
[ ٢٩٤ ]
(الشَّيخُ): تَكَلَّمَ عليه الحَافِظُ أو العَينِيُّ؟ أو تَقَدَّمَ في كذا؟ وفي بَعضِهَا: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي وأنا مَعَه إذا دَعَانِي» (^١).
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٠)]: «قَولُهُ: قَالَ اللهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي. تَقَدَّمَ في أَوَائلِ التَّوحِيدِ في بَابَ ﴿ويُحُذِّركُمُ اللهُ نَفسَهُ﴾ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالحٍ عن أَبِي هُرَيرَةَ، وَأَوَّلُهُ يَقولُ اللهُ، وزَادَ: «وأنا مَعهُ إذا ذَكَرنِي …» الحدِيثَ. وتَقَدَّمَ شَرحُهُ هنَاك مُستَوفًى». [انتهى كلامه].
٧٥٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ: إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ وَاذْرُوا نِصْفَهُ فِي البَرِّ، وَنِصْفَهُ فِي البَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ، فَأَمَرَ اللَّهُ البَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ البَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ؟. قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ لَهُ» (^٢).
اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، ذَكَرَ أَبُو العَبَّاسِ ابنُ تَيمِيَّةَ وغَيرُهُ أَيْضًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذَا كَانَ أَسَاءَ الظَّنَّ بِنَفسِهِ، وَأنَّه فَعلَ ما لا يُغفَرُ واشْتَدَّ عليه خَوفُ اللهِ وخَشيَتُهُ
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٦٧٥)، ولفظة: «إذا دعاني» ليست عند البخاري ومسلم.
(٢) ورواه مسلم (٢٧٥٦).
[ ٢٩٥ ]
﷾؛ فَفَعَلَ ما فَعلَ جهلًا منه بِكمَالِ القُدرَةِ؛ فَعفَا اللهُ عنه لِأنَّه جَهِلَ هَذَا الشَّيءَ، هَذَا المِقدَارَ منِ القُدرَةِ هَذَا المِقدَارَ العَظِيمَ، وهَذَا مما قد يَجهَلُهُ بَعضُ النَّاسِ.
واحتُجَّ به على أنَّ الإِنسَانَ قد يَجهَلُ بَعضَ الأَشيَاءِ التي قد يُجهَلُ مِثلُهَا فَيُعفَى عنه لِجَهلِهِ، بِخِلَافِ الأُمُورِ الوَاضِحَةِ فإنَّه لا يُعذَرُ بِجَهلِهَا، بل لا بُدَّ مِنْ فِعلِهَا إن كَانَتْ وَاجِبَةً، أو ترَكِهَا إن كَانَتْ مُحرَّمَةً.
٧٥٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا -وَرُبَّمَا قَالَ: أَذْنَبَ ذَنْبًا- فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا -وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ- فَاغْفِرْ لِي. فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ- أَوْ أَصَبْتُ -آخَرَ، فَاغْفِرْهُ؟ فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَابَ ذَنْبًا، فَقَالَ (^١): رَبِّ أَصَبْتُ -أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ- آخَرَ، فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلَاثًا، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» (^٢).
هنا «أَعَلِمَ»، وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «عَلمَ» بِدُونِ هَمزَةٍ يَعْنِي: ما دَامَ العَبدُ هَكَذَا
_________________
(١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «قال: قال رَبِّ أَصَبْتُ».
(٢) ورواه مسلم (٢٧٥٨).
[ ٢٩٦ ]
متى وَقَعَ منه الذَّنبُ بَادَرَ بِالتَّوبةِ والإِقلَاعِ والنَّدمِ؛ فإن اللهَ يَغفِرُ له ﷾، ولو سَبَقَتْ لَهُ ذُنُوبٌ، كُلُّ ذَنبٍ يُؤخَذُ به عَلَى حِدَةٍ، فإذَا تَابَ مِنهُ وأَنَابَ إلى اللهِ غَفرَ اللهُ لَه، وإذا وَقَعَ بعد ذَلكَ في الذَّنبِ بعد تَوبَةٍ صَادِقَةٍ أُخِذَ بِالذَّنبِ الأَخِيرِ إلَّا أنْ يَتُوبَ، فإن تَابَ غَفرَ اللهُ له، وهَكَذَا إلى المَوتِ.
فاَلذُّنُوبُ تَتَنوَّعُ والتَّوبَةُ تَتَبعَّضُ، فإذا تَابَ مِنْ الذَّنبِ تَوبَةً صَادِقَةً ثم بُليَ به مَرَّةً أُخرَى أُخِذَ بِالأَخِيرِ، والأَوَّلُ مَضَى بِتَوبَتِه، وهَكَذَا إذا كَانَ له ذُنُوبٌ فَتَابَ من هَذَا دُونَ هَذَا، أُخذَ بِالذَّنبِ الذي لم يَتُبْ منه، وغُفِرَ له ما تَابَ منه تَوبَةً صَادِقةً، وإنما يَكُونُ مُصِرًّا إذا لم يَتُبْ، هَذَا هو المُصرُّ الذي أَتَى بِالذَّنبِ ثم الذَّنبِ ثم الذَّنبِ ولم يَتُبْ، هَذَا هو المُصِرُّ ولا يُغفَرُ للمُصِرِّ؛ لأنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران: ١٣٥].
فَأمَّا مَنْ تَابَ ونَدِمَ وأَقلَعَ، ثم وَقَعَ فيه مَرَّةً أُخْرَى ولم يُصرَّ عليه سَابقًا، وإنما وَقَعَ له ذَنبٌ مِثلُ ذَلكَ أو غَيره؛ فهَذَا يُؤخَذُ بِالأَخِيرِ إلا أن يَتُوبَ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ: قَولُهُ: «فَليعمَلْ ما شَاءَ»؟
الظَّاهِرُ: أن المُرادَ بهَذَا لَيْسَ الإِذْنَ له، وإنَّما ما دَامَ بهَذِه الحَالَةِ فإنَّه لا يَضُرُّهُ، ما دَامَ بهَذِه الحَالَةِ كُلَّمَا أَذنَبَ تَابَ ولم يُصرَّ على الذَّنبِ؛ فإنَّ حُكمَ اللهِ في ذَلكَ أَنَّه يُتَابُ عليه في ذَلكَ، وليس المُرَادُ به أَنَّه مَأذُونٌ لَهُ أَنْ يَفعَلَ أو يَعصِيَهُ، ما دَامَ فَليعمَلْ ما شَاءَ.
قد يُقَالُ: المُرَادُ بهَذَا التَّهدِيدُ، لكنَّ المَقَامَ ما هو مَقَامُ تَهدِيدٍ، المَقَامُ مَقَامُ الفَضْلِ، فالمَعْنَى ما دَامَ بهَذِه الحَالَةِ فإنه يُغفَرُ له، ما دَامَ كُلَّمَا أذنَبَ تَابَ وأَقلَعَ فعليه أن يَتَوقَّى الذُّنُوبَ وعليه أن يَحذَرَهَا، ولكِنْ ما دَامَ متى فَعَلَ تَابَ فَإنَّهُ لا
[ ٢٩٧ ]
يَضُرُّه ذَلكَ الذَّنبُ الذي يَسَّرَ اللهُ له التَّوبَةَ منه، لكنَّ العَبدَ على خَطرٍ، قد يُبتَلَى بِالذَّنبِ ثم لا يُوفَّقُ للتَّوبةِ، فَالحَزمَ كُلَّ الحَزمِ أن يَحذَرَ ولا يَتَّكلَ على أَنَّه سَيتُوبُ؛ لأن هَذَا قد يُستَدرَجُ ويُصَابُ ولا يُمَكَّنُ مِنْ التَّوبَةِ؛ عُقُوبَةً له بِتَسَاهُلِهِ.
٧٥٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الغَافِرِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ سَلَفَ -أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالَ: كَلِمَةً: يَعْنِي- أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا، فَلَمَّا حَضَرَتِ الوَفَاةُ، قَالَ لِبَنِيهِ: أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟. قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ -أَوْ لَمْ يَبْتَئِزْ- عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا، وَإِنْ يَقْدِرِ اللَّهُ عَلَيْهِ يُعَذِّبْهُ، فَانْظُرُوا إِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونِي -أَوْ قَالَ: فَاسْحَكُونِي- فَإِذَا كَانَ يَوْمُ رِيحٍ عَاصِفٍ فَأَذْرُونِي فِيهَا». فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي، فَفَعَلُوا، ثُمَّ أَذْرَوْهُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ، فَقَالَ اللَّهُ ﷿: كُنْ، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ قَائِمٌ، قَالَ اللَّهُ: أَيْ عَبْدِي مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ، - أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ - قَالَ: فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ عِنْدَهَا» وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: «فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا». فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبَا عُثْمَانَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ هَذَا مِنْ سَلْمَانَ غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ: «أَذْرُونِي فِي البَحْرِ». أَوْ كَمَا حَدَّثَ (^١).
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧٥٧).
[ ٢٩٨ ]
حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، وَقَالَ: «لَمْ يَبْتَئِرْ» وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، وَقَالَ: «لَمْ يَبْتَئِزْ» فَسَّرَهُ قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ.
(الشَّيخُ): الأَوَّلُ عن أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؟ السَّابِق؟
(القَارِئُ): إي نعم.
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: عن أَبِي هُرَيرَةَ وعن أَبِي سَعِيدٍ ﵄، وهَذَا الثَّالِثُ عن سَلمَانَ ﵁. اللهُ أَكبَرُ.
(الشَّيخُ): رَاجِعْ كَلَامَهُ على هَذَا؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٣)]: «قَوْلُهُ: «عَنْ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ، فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الرِّقَاقِ مَعَ سَائِرِ شَرْحِهِ.
وَقَوْلُهُ: أَنَّهُ «ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ سَلَفَ أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَوَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ «قَبْلَهُمْ» وقَدْ مَضَى فِي الرِّقَاقِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُعْتَمِرٍ بِلَفْظِ: «ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ قَبْلَكُمْ» وَلَمْ يَشُكَّ.
وَقَوْلُهُ: «قَالَ كَلِمَةً» يَعْنِي أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا، فِي رِوَايَةِ مُوسَى «آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا». وَقَوْلُهُ: «أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ» قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: هُوَ بِنَصْبِ أَيٍّ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ «كُنْتُ»، وَجَازَ تَقْدِيمُهُ لِكَوْنِهِ اسْتِفْهَامًا، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، وَجَوَابُهُمْ بِقَوْلِهِمْ: «خَيْرَ أَبٍ»، الْأَجْوَدُ النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ: كُنْتَ خَيْرَ أَبٍ؛ فَيُوَافِقُ مَا هُوَ جَوَابٌ عَنْهُ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ أَنْتَ خَيْرُ أَبٍ.
[ ٢٩٩ ]
وَقَوْلُهُ: «فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ» أَوْ «لَمْ يَبْتَئِزْ» تَقَدَّمَ عَزْوُ هَذَا الشَّكِّ أَنَّهَا بِالرَّاءِ أَوْ بِالزَّايِ، لِرِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ تَبَعًا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ، وَقَدْ وَجَدْتُهَا هُنَا فِيمَا عِنْدَنَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ. وَقَوْلُهُ: «فَاسْحَقُونِي»، أَوْ قَالَ «فَاسْحَكُونِي» فِي رِوَايَةِ مُوسَى مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ أَوْ قَالَ: «فَاسْهَكُونِي». [انتهى كلامه].
(الشَّيخُ): تَكَلَّمَ على الحُكمِ أو ما تَكَلَّمَ؟ والعَينِيُّ تَكَلَّمَ على الحُكمِ؟ مَاذَا قَالَ؟
[قال الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ في «عُمدَةِ القَارِي» (٢٥/ ١٦٣)]: «قَولُهُ: فَغَفَرَ لَهُ. قِيلَ: إِنْ كَانَ مُؤمِنًا فَلمَ شَكَّ فِي قُدرَةِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَكيف غُفِرَ لَهُ؟
وَأجِيبَ: بِأَنَّهُ كَانَ مُؤمنا بِدَلِيل الخَشيَةِ، وَمعنى: «قَدرَ»، مُخفَّفًا ومُشَدَّدًا: حَكَمَ وَقضَى أَوْ ضَيَّقَ. كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾ [البلد: ٥]، وَقيل أَيْضًا: على ظَاهِرِهِ، وَلكِنَّه قَالَه وَهُوَ غَيرُ ضَابِطٍ لنَفسِهِ، بل قَالَه فِي حَالِ دُخُولِ الدَّهشِ وَالْخَوْفِ عَلَيْهِ؛ فَصَارَ كَالغَافِلِ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ، أَوْ أَنَّه جَهِلِ صِفَةً مِنْ صِفَاتَ اللهِ، وجَاهِلُ الصَّفةِ كُفرُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، أَوْ أَنَّه كَانَ فِي زمَانٍ يَنْفَعهُ مُجَرَّدُ التَّوْحِيدِ، أَوْ كَانَ فِي شَرعِهِم جَوَازُ الْعَفوِ عَنْ الْكَافِر، أَوْ مَعنَاهُ: لَئِنْ قَدرَ اللهُ عَليَّ مُجْتَمِعًا صَحِيحَ الْأَعْضَاءِ لَيُعَذبنِي، وَحسِبَ أَنه إِذا قَدرَ عَلَيْهِ مُحتَرِقًا مُفْتَرِقًا لَا يُعَذِّبهُ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: الأَفضَلُ مِثلمَا قَالَ أَبُو العَبَّاسِ ابنُ تَيمِيَّةَ وغَيرُهُ أَنَّه جَهِلَ كَمَالَ هَذِه الصِّفَةِ، كَمَالَ القُدرَةِ، ومِثلُ هَذَا قد يَجهَلُهُ الإِنسَانُ، الجَهْلُ بِالصِّفَةِ لَما كَانَ شَيْئًا دَقِيقًا في أَمرِ الصِّفَاتِ غُفرَ له؛ لأن مِثلهُ قد يَجهَلُ ذَلكَ، وهَذَا يَدُلُّ على أنَّ دَقَائِقَ الأُمُورِ التي قد تَخفَى على العَامِّيِّ ولا يَضبِطُهَا ولا تَكُونُ في حِسَابِهِ يُعفَى عنه؛ لأنهُ جَهِلَ، بِخِلَافِ الأُمُورِ الظَّاهِرَةِ التي يَعلَمُهَا
[ ٣٠٠ ]
النَّاسُ ولا تَخفَى؛ هَذَا لا يُعفَى عنه للتَّسَاهُلِ فيها، أو جَهِلَهَا لِإِعرَاضِهِ وغَفلَتِهِ.
قَولُهُ: في الحَدِيثِ الأَولِ: «لم يَعمَلْ خَيرًا قَطُّ»؟
يَحْتَمِلُ -واللهُ أَعلَمُ- يَعْنِي الخَيرَ الذي لَيْسَ بِفَرضٍ مِنْ التَّقَرُّبَاتِ والمُسَابَقةِ إلى الخَيرَاتِ، لَيْسَ المُرادُ تَركَ الوَاجِبَاتِ أو فِعلَ الْمُحَرَّماتِ، مُحتَمِلَةٌ، العِبَارَةُ هَذِه مُحتَمِلَةٌ، فإنَّ ظَاهِرهَا أَنَّه ما عنده شَيءٌ بِالكُلِّيةِ وليس هو المُرادُ، بل عندَه مِنْ الإِيمَانِ والتَّوحِيدِ الوَاجِبِ ما يكون سَببًا لِنَجَاتِهِ، لكِنْ جَهِلَ شَيْئًا مِنَ القُدرَةِ. وعلى كُلِّ حَالٍ هو شَيءٌ مما مَضَى، والإِشكَالُ في كَونِ الرَّسُولِ ﷺ ذَكَرَهُ وسَكَتَ وأَقَرَّ، هَذَا هو مَحَلُّ الإِشكَالِ.
والجَوَابُ: أنَّ مَنْ عَلِمَ الشَّرائِعَ وعَرفَ الأَحكَامَ لَيْسَ كَمَنْ جِهِلهَا؛ فَعليهِ أن يُؤدِّيَ ما عَرفَ وتَركُ ما حُرِّمَ، وإذا جَهِلَ شَيْئًا مما قد يَجهَلُهُ العَامِيُّ الذي لَيْسَ عنده مَعلُومَاتٌ وليس منَ الأُمُورِ الظَّاهِرةِ التي مِثل الصَّلَاةِ مِثل الزَّكَاةِ، الشَّيءَ الوَاضِحَ؛ فإنَّه قد يُعفَى عنه لِجَهلِهِ بذَلكَ الشَّيءِ، مِثلُ أَصحَابِ الفَترَاتِ ومَن أَدرَكَهُ الإِسلَامُ وهو أَصَمُّ أَبكَم لا يَفهَمُ، أو مُخَرِّفٌ؛ لأنَّ هَؤلَاءِ مَعذُوُروُنَ، فهَذَا كذَلكَ في هَذِه الأَشيَاءِ الدَّقِيقَةِ، فهَؤلَاءِ كالَّذِينَ لم يُدرِكُوا الشَّرِيعَةَ ولم تَبلُغْهُم الرِّسَالَةُ، فهو لَفظٌ مُجمَلٌ لا بُدَّ أن يُفسِّرَه بما جَاءَتِ به الشَّريعَةُ الإِسلَامِيَّةُ.
كَلِمَةُ: «خَيرًا»، نَكِرةٌ في سِيَاقِ النَّفيِ ما تَعمُّ؟
مُحتَمِلَةٌ، مُحتَمِلَةٌ، اللهُ أَعلَمُ.
* * *
[ ٣٠١ ]