٧٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، وَأَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ» (^١).
٧٣٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ، تَدْعُوهُ إِلَى ابْنِهَا فِي المَوْتِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْجِعْ فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ»، فَأَعَادَتِ الرَّسُولَ أَنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَيْهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنٍّ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ قَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٣١٩).
[ ٣٢ ]
قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (^١).
وَأَرادَ ﵀ بِهذَا [البَابِ] أنَّ اللهَ سُبحانَهُ هُوَ الرَّحمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي يَرحَمُ عِبادَهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرةِ، كَمَا أنَّ اللهَ المُستحِقُّ لِلعِبادةِ، هُوَ الرَّحمَنُ أيْضًا الَّذِي يَرحَمُ العِبادَ، لَا مُنافَاةَ بَينَ كَونِهِ الإِلَهَ وبَينَ كَونِهِ الرَّحمَنَ، فَالدَّعوةُ إِلَى تَوحِيدهِ وَأنَّهُ الإِلهُ الحقُّ لَا تُنافِي الدَّعوةَ إِلَى سُؤالِهِ ورَجائِهِ وطَلبِ الرَّحمةِ منهُ ﷾، هُوَ الرَّحمَنُ وهُوَ الإلهُ الحقُّ، هُوَ الرَّحِيمُ وهُوَ الجَوادُ وهُوَ الكَرِيمُ، وهُوَ السَّمِيعُ، وَأنَّهُ لَا تَنافِيَ بَينَ أَسْمَائهِ وصِفَاتهِ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]. كِلاهُمَا أَسمَاءٌ للهِ ﷾، وكِلاهُمَا حقٌّ.
وَهكَذَا بَقيَّةُ الأَسمَاءِ وبَقيَّةُ الصِّفاتِ لَا تَنافِيَ بَينَها، فهُو اللهُ المُستحِقُّ لِلعِبادةِ، وهُوَ الرَّحمنُ الَّذِي يَرحمُ عِبادَهُ، وهُوَ الَّذِي وَسِعتْ رَحمتُهُ كُلُّ شَيءٍ ﷾؛ ولِهذَا قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» اللهُ يَرحمُ مِنْ عِبادِهِ الرُّحمَاءَ، فمَن تَكبَّرَ عَلَى النَّاسِ وظَلمَهم وتَعدَّى عَليهِم ولمْ يَرحمْهُم فهُو جَديرٌ بِأنْ لَا يُرحَمَ مِنْ اللهِ، بلْ يُعذَّبُ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ يَومَ القِيَامَةِ» (^٢)، وأمَّا الَّذينَ يُعذِّبونَ النَّاسَ وَلَا يَرحَمُونَهم يَستَحقُّونَ أنَّهُ لَا يَرحَمُهم؛ وَلِهذَا قَالَ:
_________________
(١) ورواه مسلم (٩٢٣).
(٢) رواه أحمد في «المسند» (٦٤٩٤)، وأبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤). وقال: هذا حسن صحيح.
[ ٣٣ ]
«مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ».
وجَاءَ فِي بَعضِ رِوايَاتِ الحَدِيثِ فِي «الصَّحيحِ»: أنَّ أَسْبَابَ ذلِكَ أنَّ بَعضَ الأَعرابِ قَالَ: أَتُقبِّلونَ صِبْيانَكم؟ فقَالَ النَّبيُّ ﷺ: «نَعَمْ»؛ فَقالَ الأَقْرعُ: عِنْدِي كذَا وكَذَا مِنْ الوَلدِ فَلمْ أُقبِّلْ أَحدًا مِنْهم، فَقالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ».
وَهكَذَا قِصَّةُ المَرأَةِ - قِصةُ ابْنتِهِ - لمَّا دَعتْ أبَاهَا إِلَى الحُضورِ عِندَها بِسبَبِ احْتِضَارِ صَبِيِّها، وَمَا حَصَلَ عَليهِ مِنْ شدَّةِ المَرَضِ وأمَارَاتِ المَوتِ؛ دَعتْ أبَاهَا أنْ يَحضُرَ ﵊، وكَانَ ليِّنًا رَقِيقًا رَفيقًا ﵊ رَحيمًا، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: «ارْجِعْ إِلَيْهَا وَقُلْ لَهَا: فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَلِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى».
فَردَّتْ عَليهِ تَطلُبُ منهُ أنْ يَحضُرَ، أَقْسَمَتْ عَليهِ أَنْ يَحضُرَ ﵊، فَأجابَ دَعْوتَها وقَامَ لِحُسنِ خُلُقهِ ﷺ ورَحمتِهِ ورَأفتِهِ بِأهلِ بَيتِهِ وبِالمُسْلِمينَ ﵊ كَمَا قَالَ ﷿ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
فَقامَ إِليْها جَبْرًا لهَا ومعَهُ سَعْدُ بنُ عُبادةَ ومُعاذٌ وجَماعةٌ ﵃ كَمَا فِي الرِّوايَاتِ الأُخرَى، فلمَّا وَصلَ إِلَى البَيتِ قُدِّم إِليهِ الصَّبيُّ وهُوَ فِي المَوتِ يَتقعْقَعُ؛ ففَاضَتْ عَيناهُ ﵊ بَكَى وقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذَا؟! قَالَ: «إِنَّهَا رَحْمَةٌ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ».
[ ٣٤ ]
فكَونُ الإِنْسانِ يَبكِي عِنْدَ المُصِيبةِ وتَدمَعُ عَينُهُ رَحمةً لَا بَأسَ بِذلِكَ، إنَّمَا المُنكَرُ الصِّياحُ والنِّياحُ، ولطمُ الخُدودِ وشقُّ الثِّيابِ وأَشباهُ ذلِك، أمَّا كونُهُ تَفِيضُ عَينَاهُ، يَبكِي، يَدمَعُ، هذِهِ رَحمةٌ، واللهُ يَرحَمُ عِبادَهُ بِهَذِهِ الرَّحمةِ.
* * *
[ ٣٥ ]