فَبَيَّنَ اللهُ أَنَّ قِيَامَهُ بِالكِتَابِ هُوَ فِعْلُهُ.
وَقَالَ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
كُلُّ هَذَا مِثلُ ما تَقَدَّمَ فهو يُبَيِّنُ أنَّ العَبدَ له قِرَاءَةٌ وله قِيَامٌ يَقُومُ بِالقُرآنِ هَذَا فِعلُهُ، وأَفعَالُ الخَيرِ كذَلكَ، والقِرَاءَةُ مِنْ فِعلِ الخَيرِ، قِرَاءَةُ القُرآنِ مِنْ فِعلِ الخَيرِ، والصَّلَاةُ مِنْ فِعلِ الخَيرِ كُلُّهَا مَنْسوبَةٌ لِلعَبدِ، والقُرآنُ هو كَلَامُ اللهِ لَيْسَ من فِعلِ العَبدِ، إنما فِعلُهُ القِرَاءَةُ، الصَّوتُ والتَّلَفَظُ، أمَّا المَقرُوءُ والْمَحفُوظُ في الصُّدُورِ والْمَكتُوبُ في الصُّحُفِ هو كَلَامُ اللهِ.
[ ٣٦٤ ]
٧٥٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَحَاسُدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ، فَيَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ» (^١).
٧٥٢٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ».
سَمِعْتُ مِنْ (^٢) سُفْيَانَ مِرَارًا، لَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ الخَبَرَ، وَهُوَ مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِهِ (^٣).
وهَذَا كُلُّهُ وَاضِحٌ في فَضلِ قِرَاءَةِ القُرآنِ وإِنفَاقِ المَالِ، وأنَّ مثلَ هَذَينِ الشَّخصَين يُغبَطَانَ ويُحسَدَانِ حَسدَ الغِبطَةِ، والحَسدُ حَسَدَانِ:
_________________
(١) ورواه مسلم (٨١٥).
(٢) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «سَمِعْتُ سُفْيَانَ مِرَارًا».
(٣) ورواه مسلم (٨١٥).
[ ٣٦٥ ]
١ - حَسَدٌ مَذمُومٌ: وهو تَمَنِّي زَوَالِ النَّعمَةِ عن أَخِيكَ، سَواءٌ صَارَت لك أو لم تَصِرْ لك، تَمَنِّي زَوَالِ النِّعمَةِ عنه هَذَا حَسَدٌ وظُلمٌ ومُنكَرٌ، وإذا فَعلتَ مع ذَلكَ أَسبَابَ الإِزَالةِ بِإِتلَافِ الْمَالِ أو بِفِعلِ ما يُنكِّدُه عليه ويُزِيلُهُ منه كَانَ هَذَا ظُلْمًا مع حِسِدٍ.
٢ - أَمَّا حَسَدُ الغِبطَةِ: فهو تَمَنِّي ومَحبَّةِ أن يَكُونَ لك مِثلُ ما له مِنْ الخَيرِ، مِنْ دُونِ أن تَتَمَنَّى زَوَالَهُ عنه، فأنت تُحِبُّ أن تَكُونَ مِثلَهُ، تَقرَأَ القُرْآنَ تُنفِقُ المَالَ تُحبُّ أنْ تَكُونَ مِثلَهُ، فهَذِه الغِبطَةُ في هَذَا الخَيرِ العَظِيمِ الذي تُحِبُّ أن تَكُونَ كِمِثلِ أَخِيكَ فيه.
فإذا قَرأَ القُرآنَ وتَلَاهُ آنَاءَ اللَّيلِ وآنَاءَ النَّهَارِ تِلَاوَةَ لِفظٍ وعَمَلٍ، يَعمَلُ به ويَقرَؤُهُ، فهو مَحسُودٌ على هَذَا مَغبُوطٌ، فالذي يَقُولُ: لَيتَنِي مِثلُهُ، أو أُحِبُّ أن يَكُونَ مِثلَهُ، أو أَوَدُّ أن أَكُونَ مِثلَهُ ويَغبِطُه بذَلكَ؛ هَذَا هو حَسَدُ الغِبطَةِ.
في اللَّفظِ الآخَرِ: «لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَينِ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ على هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، ورَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكمَةَ -يَعْنِي الفِقهَ في الدِّينِ- فهو يَقضِي بها ويُعَلِّمُهَا» (^١)، وهَذَا كُلُّهُ ممَّا يَنبَغِي فيه الغِبطَةُ، إِنفَاقُ المَالِ في وُجُوهِ الخَيرِ، والتَّفَقُّهُ في الدِّينِ، وتَدَبُّرُ القُرآنِ.
والقُرآنُ رَأسُ الحِكمَةِ، مَنْ تَدَبَّرَهُ وفَهِمَهُ وأَعطَاهُ اللهُ فيه الفِقهَ فهو رَأسُ الحِكمَةِ، فهو يَقضِي به بين النَّاسِ ويُعَلِّمهُ النَّاسَ، ومَعلُومٌ أنَّ السُّنَّةَ تَابِعَةٌ للقُرآنِ، وهي تُفَسِّرُهُ وتَدلُّ عليه لِمَنْ رَزَقَهُ اللهُ فيه الفِقهَ، وهو لا يَتمُّ له ذَلكَ إلا بالسُّنَّةِ.
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣).
[ ٣٦٦ ]
هل التَّغَنِّي بِالقُرآنِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أو خَارِجَهَا؟
القِرَاءَةُ تَكُونُ في الصّلَاةِ وخَارجَ الصَّلَاةِ، فهو مَغبُوطٌ في هَذَا، وهَذَا سَوَاءٌ في الصَّلَاةِ أو في خَارِجِ الصَّلَاةِ، والْمُهِمُّ أن تَكُونَ القِرَاءةُ معها تَصدِيقٌ ومعها عَمَلٌ، أَمَّا قِرَاءةٌ بلا عَملٍ ولا تَصدِيقٍ تَضُرُّهُ، وتَكُونُ حُجَّةً عليه، «والقُرآنُ حُجَّةٌ لك أو عليك» (^١)، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.
* * *
_________________
(١) رواه مسلم (١) (٢٢٣).
[ ٣٦٧ ]