وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ»
٧٤١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ، عَنْ وَرَّادٍ، كَاتِبِ المُغِيرَةِ عَنِ المُغِيرَةِ، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُبَشِّرِينَ وَالمُنْذِرِينَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ» (^١).
[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمْدةِ القَارِي» (٢٠/ ٢٠٥)]: «قَولُهُ: (غَيْرَ مُصْفَحٍ): بِضمِّ المِيمِ وسُكُونِ الصَّادِ المُهمَلةِ وفَتحِ الفَاءِ وَكَسْرها». [انتهى كلامه].
_________________
(١) ورواه مسلم (١٤٩٩).
[ ١٠٩ ]
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: مُصْفَحٌ وَمُصْفِحٍ، هَذَا أَظهَرُ، يَعنِي: ضَربَهُ بِالحَدِّ.
فِي اللَّفظِ الآخَرِ: «مِنْ أَجْلِ ذلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ» (^١) … (^٢) على نِفسِهِ، فهُوَ سُبْحانَهُ يُحبُّ العُذرَ، وَلِهذَا بَعثَ الرُّسُلَ وَأَنْزلَ الكُتُبَ؛ لِإقَامَةِ الحُجَّةِ وقَطعِ المَعْذرَةِ، وَلَا أَحدَ أَحبُّ إِليْهِ العُذرُ مِنَ اللهِ، وَلِهذَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَشَرعَ لِعِبادِهِ أنْ يَحْمَدُوهُ، وُيُثنُوا عَليْهِ، وَيَشْكرُوهُ؛ لِكَمالِ عَدلِهِ، وَكَمالِ حِكْمتهِ، وَكَمالِ إِحْسانِهِ وَجُودِهِ وَكَرمِهِ، فهُوَ أَهلٌ لِكلِّ ثَنَاءٍ وَكُلِّ حَمْدٍ.
وَلَا أَحدَ أَغْيرُ مِنهُ؛ أنْ تُنْتهكَ مَحَارِمهُ، وَلِذلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ مَا ظَهرَ مِنْها وَمَا بَطنَ، وَأَقامَ الحُدُودَ وَالتَّعْزيرَاتِ لِلرَّدعِ عمَّا حَرَّمَ اللهُ ﷿.
وَمَعنَى «لَا أَحدَ» يَعنِي: مِثلَ مَعنَى «لَا شَخصَ»، يَعنِي: لَا ذَاتَ أَغْيرُ مِنَ اللهِ، ذَاتُهُ سُبْحانَهُ ذَاتٌ قَائِمةٌ بِنفْسِها، وَشَخصِيَّتهُ قَائِمةٌ بِنَفْسِهَا، وَلِهذَا قَالَ فِي الرِّوايَةِ الأُخْرَى: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ». «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ» (^٣)، «مَا أَحَد أَغْيرُ مِنَ اللهِ». فهِيَ ذَاتٌ لَهَا صِفَاتٌ، لَهَا صِفَاتُ الكَمَالِ.
(الشَّيخُ): مَاذا قَالَ الشَّارِحُ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ عَلَى التَّرجَمةِ؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٣٩٩)]: «قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ». كَذَا لَهُم، وَوَقعَ عِنْد ابنِ بَطَّالٍ بِلَفْظِ: «أَحَدَ» بَدَلَ «شَخْصَ»، وَكَأَنَّهُ مِنْ تَغْيِيرِهِ، قَوْلُهُ: عَبْدُ الْمَلكِ هُوَ ابنُ عُمَيرٍ، وَالمُغِيرةُ هُوَ ابْنُ شُعْبَةَ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ الْحُدُودِ وَالْمُحَارِبِينَ؛
_________________
(١) رواه البخاري (٥٢٢٠)، ومسلم (٢٧٦٠).
(٢) كلمة غير واضحة.
(٣) رواه البخاري (٤٦٣٤)، ومسلم (٢٧٦٠) (٣٣).
[ ١١٠ ]
فَإِنَّهُ سَاقَ مِنَ الْحَدِيثِ هُنَاكَ بِهَذَا السَّنَدِ إِلَى قَوْلِهِ: «وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي …».
وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ هُنَاكَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى غَيْرَةِ اللهِ فِي شَرحِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَّ الْكَلَامَ عَلَيْهِ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي كِتَابِ الْكُسُوفِ.
قَالَ ابنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْمُنَزِّهُونَ للهِ إِمَّا سَاكِتٌ عَنِ التَّأْوِيلِ، وَإِمَّا مُؤَوِّلٌ، وَالثَّانِي يَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْغَيْرَةِ: الْمَنْعُ مِنَ الشَّيْءِ وَالْحِمَايَةُ، وَهُمَا مِنْ لَوَازِمِ الْغَيْرَةِ، فَأُطْلِقَتْ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، كَالْمُلَازَمَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَوْجُهِ الشَّائِعَةِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ». [انتهى كلامه].
[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَةِ القَارِي» (٢٥/ ١٠٨)]: «… وَابنُ بَطَّالٍ غيَّرَ قَوْلَهُ: «لَا شَخْصَ» بِقَولِهِ: «لَا أَحَدَ»، وَعَلِيهِ شَرَحَ. وَقَالَ: اخْتلَفتْ أَلْفَاظُ هَذَا الحَدِيثِ فَلمْ يخْتَلِفْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودِ أَنَّهُ بِلَفْظِ: «لَا أَحَدَ»؛ فَظَهرَ أَنَّ لفْظَ: «شَخْصَ» جَاءَ فِي مَوضِعٍ: «أَحَدَ»، فَكَانَ مِنْ تَصرُّفِ الرَّاوِي.
قُلتُ: اخْتِلَافُ أَلْفَاظِ الحَدِيثِ هُوَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ»، وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ: «مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ»، وَفِي رِوَايَةِ أَسْمَاءَ: «لَا شَيْءَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ»، وَفِي رِوَايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَغَارُ»، كُلُّ ذَلِك مَضَى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فِي بَابَ الْغَيرَةِ، وَرِوَايَةُ ابْن مَسْعُودٍ مُبيِّنَةٌ أَنَّ لَفظَ: «الشَّخْص»، مَوْضُوعٌ مَوضِعَ: «أَحَدَ».
وَقَالَ الدَّاودِيُّ: فِي قَولِهِ: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ»: لمْ يَأْتِ مُتَّصِلًا وَلمْ تَتلَقَّ الْأمَّةُ مِثلَ هَذِه الْأَحَادِيثِ بِالْقبُولِ، وَهُوَ يُتَوقَّى فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تُلجِئُ الضَّرُورَةُ النَّاسَ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ.
[ ١١١ ]
وَقَالَ الخطَّابِيُّ: إِطْلَاقُ الشَّخصِ فِي صِفَاتِ اللهِ غَيرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ إِنَّمَا يَكُونُ جِسْمًا مُؤلَّفًا، وَخَليقٌ أَنَّ لَا تَكُونَ هَذِه اللَّفْظَةُ صَحِيحَةً، وَأَنْ تَكُونَ تَصْحِيفًا منَ الرَّاوِي، وَكَثِيرٌ منَ الرُّوَاةِ يُحدِّثُ بِالْمَعْنَى، وَلَيْسَ كُلُّهم فُقَهَاءَ، وَفِي كَلَامِ آحَادِ الرُّوَاةِ جَفَاءٌ وتَعجْرُفٌ، وَقَالَ بَعضُ كِبارِ التَّابِعينَ: «نِعمَ الْمَرْءُ رَبُّنَا، لَوْ أَطَعْناهُ مَا عَصَانَا» وَلَفظُ «الْمَرْءِ» إِنَّمَا يُطلَقُ عَلَى الذُّكُورِ منَ الْآدَمِيّينَ، فَأرْسلَ الْكَلَامَ وَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ لَفظُ «الشَّخْصِ» جَرَى عَلَى هَذَا السَّبِيلِ فَاعْتَورَهُ الْفسادُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحدُهَا: أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَثبُتُ إلَّا مِنْ طَرِيقِ السَّمعِ.
وَالثَّانِي: إِجْمَاعُ الْأمَّة عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا مُؤلَّفًا فَلَا يُطلَقُ عَلَى اللهِ، وَقدْ مَنعَتِ الْجَهمِيَّةُ إِطْلَاقَ الشَّخْصِ مَعَ قَوْلِهمْ بِالجِسمِ، فَدلَّ ذَلِك عَلَى مَا قُلْنَاهُ منَ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَنعِهِ فِي صِفتِهِ ﷿». [انتهى كلامه].
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٣٩٩)]: «قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ شَخْصٌ؛ لِأَنَّ التَّوْقِيفَ لَمْ يَرِدْ بِهِ، وَقَدْ مَنَعَتْ مِنْهُ الْمُجَسِّمَةُ مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ.
كَذَا قَالَ، وَالْمَنْقُولُ عَنْهُمْ خِلَافُ مَا قَالَ.
وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ» إِثْبَاتُ أَنَّ اللهَ شَخْصٌ، بَلْ هُوَ كَمَا جَاءَ: مَا خَلَقَ اللهُ أَعْظَمَ مِنْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِثْبَاتٌ أَنَّ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مَخْلُوقَةٌ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهَا أَعْظَمُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَهُوَ كَمَا يَقُولُ مَنْ يَصِفُ امْرَأَةً كَامِلَةَ الْفَضْلِ حَسَنَةَ الْخَلْقِ: مَا فِي النَّاسِ رَجُلٌ يُشْبِهُهَا،
[ ١١٢ ]
يُرِيدُ تَفْضِيلَهَا عَلَى الرِّجَالِ لَا أَنَّهَا رَجُلٌ.
وَقَالَ ابن بَطَّالٍ: اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ بِلَفْظِ: «لَا أَحَدَ»، فَظَهَرَ أَنَّ لَفْظَ «شَخْصَ» جَاءَ مَوْضِعَ «أَحَدَ»، فَكَأَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرَّاوِي …
ثُمَّ قَالَ: … عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَاب الْمُسْتَثْنى مِنْ غَيرِ جِنْسِهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٨] وَلَيْسَ الظَّنُّ مِنْ نَوْعِ الْعِلْمِ.
قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَدْ قَرَّرَهُ ابْنُ فَوْرَكٍ، وَمِنْهُ أَخَذهُ ابْنُ بَطَّالٍ، فَقَالَ بَعدَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّمْثِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: فَالتَّقْدِيرُ أَنَّ الْأَشْخَاصَ الْمَوْصُوفَةَ بِالْغَيْرَةِ لَا تَبْلُغُ غَيْرَتُهَا وَإِنْ تَنَاهَتْ غَيْرَةَ اللهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَخْصًا بِوَجْهٍ.
وَأَمَّا الْخَطَّابِيُّ: فَبَنَى عَلَى أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ هَذَا الْوَصْفِ لِلهِ تَعَالَى؛ فَبَالَغَ فِي الْإِنْكَارِ وَتَخْطِئَةِ الرَّاوِي، فَقَالَ: إِطْلَاقُ الشَّخْصِ فِي صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى غَيرُ جَائِزٍ؛ لِأنَّ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ إِلَّا جِسْمًا مُؤَلَّفًا؛ فَخَلِيقٌ أَنْ لَا تَكُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ صَحِيحَةً، وَأَنْ تَكُونَ تَصْحِيفًا مِنَ الرَّاوِي.
وَدَلِيلُ ذَلِكَ: أَنَّ أَبَا عَوَانَةَ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ بِلَفْظِ «شَيْءَ»، وَالشَّيْءُ وَالشَّخْصُ فِي الْوَزْنِ سَوَاءٌ، فَمَنْ لَمْ يُمْعِنْ فِي الِاسْتِمَاعِ لَمْ يَأْمَنِ الْوَهْمَ، وَلَيْسَ كُلٌّ مِنَ الرُّوَاةِ يُرَاعِي لَفْظَ الْحَدِيثِ حَتَّى لَا يَتَعَدَّاهُ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يُحَدِّثُ بِالْمَعْنَى، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ فَهِمًا، بَلْ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ جَفَاءٌ وَتَعَجْرُفٌ، فَلَعَلَّ لَفْظَ: «شَخْص» جَرَى عَلَى هَذَا السَّبِيلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ غَلَطًا مِنْ قَبِيلِ التَّصْحِيفِ - يَعْنِي السَّمْعِيَّ.
[ ١١٣ ]
قَالَ: ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو انْفَرَدَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، وَاعْتَوَرَهُ الْفَسَادُ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ.
وَقَدْ تَلَقَّى هَذَا عَنِ الْخَطَّابِيِّ أَبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرَكٍ فَقَالَ: لَفْظُ «الشَّخْصِ» غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْ طَرِيقِ السَّنَدِ، فَإِنْ صَحَّ فَبَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُهُ: «لَا أَحَدَ» فَاسْتَعْمَلَ الرَّاوِي لَفْظَ «شَخْصَ» مَوْضِعَ «أَحَدَ» … ثمَّ ذكر نَحْو مَا تَقدَّمَ عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ، وَمِنْهُ أَخذَ ابنُ بَطَّالٍ.
ثمَّ قَالَ ابن فَوْرَكٍ: وَإِنَّمَا مَنَعَنَا مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الشَّخْصِ أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ طَرِيقِ السَّمْعِ.
وَالثَّانِي: الْإِجْمَاعُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَاهُ الْجِسْمُ الْمُؤَلَّفُ الْمُرَكَّبُ.
ثُمَّ قَالَ: وَمَعْنَى الْغَيْرَةِ: الزَّجْرُ وَالتَّحْرِيمُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ سَعْدًا الزَّجُورُ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَأَنَا أَشَدُّ زَجْرًا مِنْهُ، وَاللهُ أَزْجَرُ مِنَ الْجَمِيعِ. انْتَهَى.
وَطَعْنُ الْخَطَّابِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي السَّنَدِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفَرُّدِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يُرَاجِعْ «صَحِيحَ مُسْلِمٍ» وَلَا غَيْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا هَذَا اللَّفْظُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو.
وَرَدُّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ وَالطَّعْنُ فِي أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الضَّابِطِينَ مَعَ إِمْكَانِ تَوْجِيهِ مَا رَوَوْا مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي أَقْدَمَ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الحَدِيثِ، وَهو يقْتضي قُصُورَ فَهْمِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَا حَاجَةَ لِتَخْطِئَةِ الرُّوَاةِ الثِّقَات، بَلْ حُكْمُ هَذَا حُكْمُ سَائِرِ الْمُتَشَابِهَاتِ إِمَّا التَّفْوِيضُ،
[ ١١٤ ]
وَإِمَّا التَّأْوِيلُ.
وَقَالَ عِيَاضٌ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ» أَنَّهُ قَدَّمَ الْإِعْذَارَ وَالْإِنْذَارَ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ فِي ذِكْرِ الشَّخْصِ مَا يُشْكِلُ.
كَذَا قَالَ، وَلَمْ يَتَّجِهْ أَخْذُ نَفْيِ الْإِشْكَالِ مِمَّا ذُكِرَ.
ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ «الشَّخْصِ» وَقَعَ تَجَوُّزًا مِنْ «شَيْءَ» أَوْ «أَحَدَ»، كَمَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الشَّخْصِ عَلَى غَيْرِ اللهِ تَعَالَى، وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالشَّخْصِ الْمُرْتَفِعُ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ هُوَ مَا ظَهَرَ وَشَخَصَ وَارْتَفَعَ؛ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: لَا مُرْتَفِعَ أَرْفَعُ مِنَ اللهِ كَقَوْلِهِ: لَا مُتَعَالِي أَعْلَى مِنَ اللهِ … قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: لَا يَنْبَغِي لِشَخْصٍ أَنْ يَكُونَ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُعَجِّلْ وَلَا بَادَرَ بِعُقُوبَةِ عَبْدِهِ لِارْتِكَابِهِ مَا نَهَاهُ عَنْهُ، بَلْ حَذَّرَهُ وَأَنْذَرَهُ، وَأَعْذَرَ إِلَيْهِ وَأَمْهَلَهُ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَأَدَّبَ بِأَدَبِهِ وَيَقِفَ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: «وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ».
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَصْلُ وَضْعِ الشَّخْصِ -يَعْنِي فِي اللُّغَةِ- لِجِرْمِ الْإِنْسَانِ وَجِسْمِهِ، يُقَالُ: شَخْصُ فُلَانٍ وَجُثْمَانُهُ، وَاسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ ظَاهِرٍ يُقَالُ: شَخَصَ الشَّيْءُ إِذَا ظَهَرَ.
وَهَذَا الْمَعْنَى مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ: لَا مُرْتَفِعَ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ وَهُوَ أَشْبَهُ مِنَ الْأَوَّلِ، وَأَوْضَحُ مِنْهُ: لَا مَوْجُودَ أَوْ لَا أَحَدَ، وَهُوَ أَحْسَنُهَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَكَأَنَّ لَفْظَ «الشَّخْصِ» أُطْلِقَ مُبَالَغَةً فِي إِثْبَاتِ إِيمَانِ مَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَى فَهْمِهِ مَوْجُودٌ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمَوْجُودَاتِ؛ لِئَلَّا
[ ١١٥ ]
يُفْضِيَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى النَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ لِلْجَارِيَةِ: «أَيْنَ اللهُ؟». قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. فَحَكَمَ بِإِيمَانِهَا مَخَافَةَ أَنْ تَقَعَ فِي التَّعْطِيلِ لِقُصُورِ فَهْمِهَا عَمَّا يَنْبَغِي لَهُ مِنْ تَنْزِيهِهِ مِمَّا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
• تَنْبِيهٌ: لَمْ يُفْصِحِ الْمُصَنِّفُ بِإطلَاق «الشَّخْصِ» عَلَى اللهِ، بَلْ أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ، وَقَدْ جَزَمَ فِي الَّذِي بَعْدَهُ، فَتَسْمِيَتُهُ شَيْئًا لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْآيَتَيْنِ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: الحَقِيقةُ أنَّ كَثِيرًا منَ النَّاسِ يَعتَمِدُ فَهمَهُ وَرَأيَهُ وَمَا وقع فِي نَفْسهِ منَ التَّشْبيهِ؛ فَلِهذَا يُقدِمُ عَلَى إِنْكارِ الرِّوَايَاتِ عَلَى غَيرِ بَصِيرَةٍ، فَالعُمدَةُ فِي هَذَا الرِّوايَةُ، مَتَى ثَبَتتْ لمْ يَجُزْ تَغْليطُ الرُّوَاةِ بِمُجرَّدِ الرَّأيِ وَالظَّنِّ وَالحَدَسِ، فَإِذَا ثَبتَتْ رِوَايةُ «لَا شَخْصَ» فَلَيسَ فِيهَا مَحْذُورٌ، وَالمُرَادُ: لَا ذَاتَ وَلَا شَيءَ وَلَا أَحدَ؛ لِأنَّهُ شَخْصٌ قَائِمٌ بِنَفسِهِ، ذَاتٌ قَائِمةٌ بِنَفْسهَا، كُلُّ شَيءٍ قَائِمٌ بِنفْسِهِ، مَا فِي مَانِعٌ مِنْ أنْ يُطلَقَ عَليْهِ شَخصٌ لِوُجُودِ قِيامِهِ بِنَفْسهِ وَاْستِقلَالِهِ بِنَفسِهِ.
فلَا يَلْزمُ مِنْ تَسْميَتهِ بِهذَا الاسْمِ أنْ يَكُونَ مُشَابِهًا لِلْمَخلُوقَاتِ، كَمَا لَا يَلْزمُ مِنْ تَسْمِيتِهِ وَاحِدًا وَلَا أَحدًا أنْ يَكُونَ مُشَابهًا لِلْمخْلُوقَاتِ، وَلَا يَلْزمُ مِنْ تَسْميتِهِ سَمِيعًا وَبَصِيرًا وَعَالِمًا وَقَدِيرًا مُشَابَهتُهُ لِلْقادِرِينَ وَالسَّامِعينَ وَالمُبْصِرِينَ، كُلُّ هَذَا بَابُهُ وَاحدٌ.
فَالعُمْدةُ الرِّوَايةُ، مَتَى ثَبَتتِ الرِّوَايةُ فَالمُرَادُ عَلَى وَجهٍ لَا يُشَابهُ فِيهِ المَخْلُوقِينَ، فهُوَ أَحدٌ لَا يُشَابهُ المَخْلوقِينَ، شَخصٌ لَا يُشَابِهُ المَخْلوقِينَ إِلَى غَيرِ ذَلِك، البَابُ وَاحِدٌ، فَالعُمدَةُ الرِّوَايةُ.
[ ١١٦ ]
عَفَا اللهُ عَنْكَ: إِطْلاقُ الشَّخصِ أوِ الشَّيءِ عَلَى اللهِ مِنْ بَابِ الخَبرِ أوْ مِنْ بَابِ الوَصْفِ؟
مِنْ بَابِ الخَبرِ وَالوَصْفِ جَمِيعًا، شَخْصٌ لَا يُشبِهُ الأَشْخَاصَ، سَمِيعٌ لَا يُشبِهُ السَّامِعِينَ، عَلِيمٌ لَا يُشْبهُ العُلَمَاءَ، وَقَدِيرٌ لَا يُشْبهُ القَادِرِينَ، وَمَا أَشْبهَ ذَلِك.
وَالشَّارحُ أَشَارَ إِلَى أنَّهَا رَواهَا مُسْلمٌ، وَلِهذَا قَالَ: مَا تَأمَّلَ «صَحِيحَ مُسْلمٍ» وَالمُؤلِّفُ مَا سَاقَهَا بِالسَّندِ هُنا، سَاقَهَا مُعلِّقًا، فَيَحْتاجُ إِلَى تَتبُّعِ الرِّوَايَاتِ فِي مُسلِمٍ وَغَيرِ مُسلِمٍ؛ فَإِذَا ثَبتَتْ بِهذَا اللَّفظِ فَلَا وَجهَ لِلْإنْكارِ، دَعْوَى الإِجْماعِ لَا وَجهَ لهَا، لَعلَّهَا سَمَاحًا.
المَقْصودِ: أنَّ البَابَ وَاحِدٌ وهُوَ بَابُ التَّنْزيهِ، بَابُ الإِثْبَاتِ وَبَابُ التَّنْزِيهِ دُونَ التَّأْوِيلِ، وَالمُنزِّهُونَ مِثلُ مَا قَالَ ابنُ دَقِيقٍ ﵀: قِسْمانِ:
١ - قِسمٌ: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيرِ تَأْويلٍ.
٢ - وَقِسمٌ: أَوَّلُوا لِلتَّنْزيهِ وَغَلِطُوا.
وَأَهلُ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ يُمِرُّونَها كَمَا جَاءَتْ، مِنْ غَيرِ تَأْويلٍ وَلَا تَحْريفٍ وَلَا تَعْطيلٍ وَلَا تَشْبيهٍ، هَذَا عَملُ الصَّحابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، إِمْرارُهَا كَمَا جَاءَتْ، مَع إِثْباتِ أَلْفاظِهَا وَاعْتِقادِ أنَّهَا حَقٌّ، وَأنَّهَا ثَابِتةٌ، وَأنَّهَا لَائِقةٌ بِاللهِ مِنْ غَيرِ أنْ يُشابِهَ خَلْقَهُ فِي شَيءٍ مِنْ صِفاتِهِ جل وعلا.
وَكَانَ الوَاجِبُ عَلَى الشَّارِحِ أنْ يَعْتنِيَ بِالرِّوَايةِ، وَيذْكُرَ من خَرَّجَها وَتَطْبيقَهَا، وَيَذكُرَ رِوايَةَ مُسْلمٍ وَيَعْتنِيَ هُوَ وَالعَينِيُّ وَلكِنْ أَعْرضُوا عَنْها.
[ ١١٧ ]
أَحَدُ الطَّلبَةِ: ذَكرَ يَا شَيخُ، مَا قَرأَهَا؟
(الشَّيخُ): مَا قَرَأتَ شَيْئًا.
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٠٠): «قَولُهُ: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ» يَعْنِي: أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا فَقَالَ: «لَا شَخْصَ» بَدَلَ قَوْلِهِ: «لَا أَحَدَ»، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغيرَةِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: «بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ يَقُولُ …» فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ.
وَسَاقَهُ أَبُو عوَانَةَ يَعْقُوبُ الإِسْفرايِينِيُّ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْعَطَّارِ، عَنْ زَكَرِيَّا بِتَمَامِهِ وَقَالَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ: «لَا شَخْصَ».
قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ -بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيِّ، وَأَبِي كَامِلٍ فُضَيْلِ بْنِ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ الْوَضَّاحِ الْبَصْرِيِّ بِالسَّنَدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، لَكِنْ قَالَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ: «لَا شَخْصَ»، بَدَلَ «لَا أَحَدَ» ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ كَذَلِكَ: فَكَأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ؛ فَلِذَلِكَ عَلَّقَهَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو.
قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْقَوَارِيرِيِّ، وَأَبِي كَامِلٍ كَذَلِكَ، وَمِنْ طَرِيقِ زَائِدَة أَيْضًا». [انتهى كلامه].
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: تَركْتَ هَذَا، وهَذَا مُهِمٌّ. إِذَا ثَبتَتِ الرِّوايَةُ فَلَا
[ ١١٨ ]
كَلامَ لِأحَدٍ.
يَا شَيخُ، حَفِظكَ اللهُ، لَكِن تَوجِيهُ «لَا شَخْصَ» عَلَى المَفْهومِ، يَعنِي: هُوَ مَا قَالَ: إنَّ اللهَ شَخصٌ، وَإنَّمَا قَالَ: «لَا شَخْصَ» إنَّمَا نَفَى هَذَا عَلَى الاسْتِثنَاءِ؟
مَفْهومُهُ أنَّهُ يُوصَفُ بِأنَّهُ شَخْصٌ، لَيسَ كَالأَشْخاصِ.
أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، التَّأْويلُ مِنْ بَابِ التَّكلُّفِ؟
نَعمْ، مِنْ بَابِ التَّكلُّفِ، وَكَلامُ الخَطَّابيُّ رَدِيءٌ، كَلامُ الخَطَّابِيُّ فِي هَذَا رَدِيءٌ لَيسَ بِجيِّدٍ، عَفَا اللهُ عَنَّا وَعنْهُ، تُهمَتهُ لِلرُّواةِ وَالكَلامُ بِالعَجْرفَةِ سُوءُ أَدبٍ.
* * *
[ ١١٩ ]