وَقَالَ مَعْمَرٌ: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٦]، أَيْ يُلْقَى عَلَيْكَ وَتَلَقَّاهُ أَنْتَ، أَيْ: وَتَأْخُذُهُ عَنْهُمْ، وَمِثْلُهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]
٧٤٨٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ» (^١).
وهَذَا فيه النِّدَاءُ وفيه الْمَحبَّةُ، فيه الكَلَامُ وفيه الْمَحبَّةُ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، و﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾ [آل عمران: ٧٦]، و﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. الآيَاتُ في هَذَا كَثِيرَةٌ، والبَابُ وَاحِدٌ، البَابُ عند أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ وَاحِدٌ، هو إِثبَاتُ جِمِيعِ ما جَاءَ في الكِتَابِ العَزِيزِ والسُّنَّةِ
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٦٣٧).
[ ٢٦٦ ]
الْمُطَهَّرةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ صِفَاتِ اللهِ وأَسمَائِهِ على الوَجهِ اللَّائِقِ بِاللهِ، إِثبَاتًا بِلا تَمثِيلٍ، وتَنزِيهًا بِلَا تَعطِيلٍ، هَذَا قَولُ أَهْلِ الحَقِّ، وأَوَّلُهم الرُّسُلُ عَلَيهِم الصلاة والسلام وأَتبَاعُهُم مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وهَكَذَا أَتبَاعُهُم مِنْ أَئِمَّةِ الإِسلَامِ، يُثبِتُونَ آيَاتِ الصِّفَاتِ وأَحَادِيثَها، ويُمِرُّونَها كمَا جَاءَتْ، ويُؤمِنُونَ بما دَلَّتْ عليه مِنْ الأَسمَاءِ والصِّفَاتِ، وأَنَّهَا حَقٌّ وأَنَّهَا ثَابِتَةٌ للهِ ﷿، وأنَّها تَلِيقُ به سُبحَانَهُ، لا يُشَابِهُ فيها خَلقَهُ جل وعلا، فَيُثبِتُونَ إِثبَاتًا بَرِيئًا مِنَ التَّمثِيلِ، ويُنَزِّهُونَ اللهَ عن مُشَابَهةِ خَلقِهِ تَنزِيهًا بَرِيئًا منَ التَّعطِيلِ.
فليس إِثبَاتُهُم كَإِثبَاتِ الْمُشَبِّهةِ، وليس تَنزِيهُهُم كَتَنزِيهِ الْمُعطِّلَةِ مِنْ الجَهمِيَّةِ والْمُعتَزِلَةِ، لا، بل إِثبَاتٌ معه تَنزِيهٌ، إِثبَاتٌ كَامِلٌ معه تَنزِيهٌ للهِ عن مُشَابَهَةِ خَلقِهِ ﷾.
٧٤٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصْرِ وَصَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (^١).
٧٤٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنِ المَعْرُورِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ
_________________
(١) ورواه مسلم (٦٣٢).
[ ٢٦٧ ]
ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى، قَالَ: وَإِنْ سَرَقَ، وَإِنْ زَنَى» (^١).
وهَذَا كَالأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ -أَحَادِيثِ الرَّجَاءِ وأَحَادِيثِ التَّبشِيرِ بِالجَنَّةِ لِأهلِ التَّوحِيدِ- هَذِه الأَحَادِيثُ تَدلُّ على أن أَصْلَ الدِّينِ وأَصلُ السَّعَادَةِ هو تَوحِيدُ اللهِ والإِخلَاصُ له، وأنَّ مَنْ مَاتَ عَليهِ سَالِمًا منَ الشِّركِ فَإنَّه مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وإن كَانَتْ له ذُنُوبٌ وسَيِّئاتٌ؛ ولِهذَا قَالَ: «وإن زَنَى وإِن سَرَقَ» قَالَ: «وإن زَنَى وإِن سَرَقَ»، وفي اللَّفظِ الآخَرِ: كَرَّرَها ثَلَاثًا ثم قَالَ: «على رَغمِ أَنفِ أَبِي ذَرٍّ».
فهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ على أنَّ الْمُوحِّدِينَ مَصِيرُهُم إلى الجَنَّةِ، وأنَّ ارْتِكَابَ الذُّنُوبِ والْمَعَاصِي التي قد يَمُوتُ عليها بَعضُهُم تَحتَ مَشِيئةِ اللهِ لا تَمنَعُهُم مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ، وإنْ جَرَى عَلَيهِم خُطُوبٌ قَبلَهَا وأُمُورٌ من عَذَابٍ وشِدَّةٍ وغَيرِ ذَلكَ، لكنَّهَا لَا تَمنَعُهُم مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ في المُنتَهَى والمَصِيرِ، فمنهم من يَتُوبُ اللهُ عليه قبلَ المَوتِ فَيَسْلَمُ مِنْ شَرِّهَا، وَمِنهُم من تَكُونُ له أَعمَالٌ صَالِحَةٌ عَظِيمَةٌ تَرجُحُ بِسَيئَاتِهِ، ومِنهم يَشفَعُ فيه الشُّفعَاءُ كَنَبِيِّنا ﷺ وغَيرُهُ كَالمَلَائِكَةِ والمُؤمِنِينَ والأَفْرَاطِ؛ فَيُغفَرُ له، وَمِنهُم من يُعَذَّبُ على قَدرِ مَعَاصِيهِ كمَا تَقَدَّمَ
_________________
(١) ورواه مسلم (٩٤).
[ ٢٦٨ ]
في حَدِيثِ شَفَاعَتِهِ ﷺ في أَهْلِ المَعَاصِي، وَأنَّه يَشفَعُ فِيهِمْ فَيُحَدُّ له حَدٌّ … إلى آخره، عِدةَ مَرَّاتٍ.
وهَكَذَا تَشفَعُ المَلَائِكَةُ، ويَشفَعُ المُؤمِنُونَ، ويَشفَعُ الأَفْرَاطُ، ثم يَقُولُ ﷾: «شَفعَ النَّبِيونَ وشَفعَتِ المَلَائِكَةُ وشَفَعَ المُؤمِنُونَ، ولم يَبقَ إلا رَحمَةُ أَرحَمِ الرَّاحِمِينَ» (^١)؛ فَيُخرِجُ من النَّارِ أَقوَامًا ما فَعَلُوا خَيرًا قَط، إلَّا أنَّهُم يَقُولُونَ: لا إِلهَ إِلَّا اللهُ، إلا أَنَّهُمْ مُوحِّدُونَ قد عُذِّبُوا على مَعَاصِيهِم، ثم صَارَتِ النَّهَايَةُ إِخرَاجَهُم مِنْ النَّارِ بِتَوحِيدِهِم وما مَاتُوا عليه مِنَ الإِسلَامِ.
هَذَا هو قَولُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ قَاطِبَةً، خِلَافًا للمُعتَزِلَةِ وخِلَافًا للخَوَارِجِ وخِلَافًا لِمَنْ تَابَعَهُم مِنْ أَهْلِ البَاطِلِ.
وحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ﵁ هَذَا وما جَاءَ في مَعنَاهُ كُلُّهَا صَريحَةٌ في الرَّدِّ عَلَيهِم؛ لأنَّ الخَوَارِجَ كَفَّرُوا مَنْ سَرقَ ومَن زَنَى قَالُوا: إنه كَافِرٌ مُخَلَّدٌ في النَّارِ، وهَذَا غَلَطٌ مِنْهُم عَظِيمٌ، وزَلَّةٌ كَبِيرةٌ وضَلَالٌ بَعِيدٌ؛ ولِهذَا قَالَ فِيهِمْ ﷺ: «يَمْرُقُونَ مِنْ الإِسْلَامِ كما يَمرُقُ السَّهمُ من الرَّمِيةِ» (^٢)، وقال فيهم: «يَقتُلُونَ أَهْلَ الإِسلَامِ ويَدَعُونَ أَهْلَ الأَوثَانِ» (^٣).
وهَكَذَا قالت الْمُعتَزِلَةُ ومَن تَابَعَهُم أَنَّهُمْ عُصَاةٌ مُخَلّدُون في النَّارِ، ولم يَجرُؤوا أن يَقُولُوا: كُفَّارٌ، بل قالوا: في مَنزِلَةٍ بين الْمَنزِلَتَينِ، وجَعلُوهُم لا مُسلِمِينَ ولا كُفَّارًا، بل بين ذَلكَ في الدُّنيَا، وفي الآخِرَةِ مُخَلَّدُونَ في النَّارِ كمَا
_________________
(١) رواه مسلم (٣٠٢) (١٨٣).
(٢) رواه البخاري (٣٦١١)، ومسلم (١٤٣) (١٠٦٤).
(٣) رواه البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (١٤٣) (١٠٦٤).
[ ٢٦٩ ]
قَالتِ الخَوَارِجُ.
وكُلُّ هَذَا بَاطِلٌ، قَولُ الخَوَارجِ والْمُعتَزلَةِ بَاطِلٌ، بل هم مُسلِمُونَ ما دَامُوا مَاتُوا على التَّوحِيدِ ولم يُشرِكُوا باللهِ شَيْئًا ولم يَأتُوا بنَاقِضٍ مِنْ نَوَاقِضِ الإِسلَامِ، فهم على الإِسلَامِ لكنَّهم خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، فَعَلُوا ما يُوجِبُ النَّارَ مِنَ المَعَاصِي، وفَعَلُوا ما يُوجِبُ الجَنَّةَ مِنْ تَوحِيدِ اللهِ؛ فَصَارُوا بَينَ بَينَ، بَينَ هَؤلَاءِ وبَينَ هَؤلَاءِ، لا معَ الكُفَّارِ ولا معَ المُؤمِنِينَ السَّالِمِينَ، بلْ هُمْ في بَرزَخٍ آخَرَ، وهم الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ سُبحَانَهُ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
ولا يَدُلُّ هَذَا على التَّهَاونِ بِالمَعَاصِي فإنَّ خطَرَهَا عَظِيمٌ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ غَضَبَ اللهِ وتُوجِبُ النَّارَ إلا مَنْ رَحِمَ اللهُ ومَنْ مَنَّ عَليهِ بِالعَفُوِ، فلا يَلِيقُ بِعَاقِلٍ أن يَتَسَاهَلَ بها، وإِنْ كَانَتْ لا تَمنَعُهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ في الْمُستَقبَلِ، وإن كَانَ لا يُخَلَّدُ في النَّارِ. لكن ومَن يَرضَى؟! أَيُّ عَاقِلٍ يرَضَى أن يَدخُلَ النَّارَ ولو لَحَظَةً، سَاعَةً وَاحِدَةً؟! وأَيُّ عَاقِلٍ يَرضَى بِبَقَائِهِ في النَّارِ المُدَّةَ الطَّوِيلَة أو القَصِيرَة؟! كُلُّ هَذَا لا يَرضَاهُ عَاقِلٌ.
فالوَاجِبُ الحَذَرُ مِنهَا، والابْتِعَادُ عنْهَا وعنْ أَسبَابِهَا، وأَنْ يَجتَهِدَ إذا بُليَ بِشَيءٍ منها بِالمبَادَرةِ بِالتَّوبَةِ والإِقلَاعِ والنَّدَمِ قبلَ أن يَنزِلَ به الأَجلُ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.
* * *
[ ٢٧٠ ]