٧٥٠٩ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ شُفِّعْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ أَدْخِلِ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ فَيَدْخُلُونَ، ثُمَّ أَقُولُ: أَدْخِلِ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ». فَقَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^١).
لَفظُ أَنسٍ ﵁ هَذَا مُختَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعةِ، يَشفَعُ النَّبيُّ ﷺ عِدَّةَ شَفَاعَاتٍ كما يَأْتِي، أَربعَ شَفَاعَاتٍ، وفي كُلِّ مَرةٍ يَسأَلُ رَبَّه أن يَدخُلَ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتهِ كذا وكذا من أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ دَخَلُوهَا بِمَعَاصِيهِم، يَعْنِي: أن يُخرِجَهَم مِنَ النَّارِ إذا كَانَ في قُلُوبِهِمْ هَذَا المِقدَارُ من الإِيمَانِ مع التَّوحِيدِ، يَسأَلُ رَبَّهُ أن يُخِرِجَهُم مِنْ النَّارِ مِنْ أَجلِ ما مَاتُوا عليه مِنَ التَّوحِيدِ الذي هو ضِدُّ الشِّركِ، ويُخرِجُ مِنْ قُلُوبِهِمْ هَذِه المَثَاقِيلَ.
_________________
(١) ورواه مسلم (١٩٣).
[ ٣٠٢ ]
ما يَكُونُ هَذَا المِقدَارُ هو التَّوحِيدُ والإِيمَانُ؟
مع التَّوحِيدِ، زَائِدٌ على التَّوحِيدِ.
أَشَفَعَ مِنْ بَابِ الدُّعَاءِ؟
نعم يَطلُبُ رَبَّهُ.
٧٥١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ العَنَزِيُّ، قَالَ: اجْتَمَعْنَا نَاسٌ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَذَهَبْنَا مَعَنَا بِثَابِتٍ البُنَانِيِّ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ لَنَا عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَإِذَا هُوَ فِي قَصْرِهِ فَوَافَقْنَاهُ يُصَلِّي الضُّحَى، فَاسْتَأْذَنَّا، فَأَذِنَ لَنَا وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقُلْنَا لِثَابِتٍ: لَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ أَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَؤُلَاءِ إِخْوَانُكَ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ جَاءُوكَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ. فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ (^١)، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ
_________________
(١) كذا في «عمدة القارئ» وغيره، وفي «الفتح»: «مَاجَ النَّاسُ فِي بَعْضٍ».
[ ٣٠٣ ]
بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَأْتُونِي، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي (^١)، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ - أَوْ خَرْدَلَةٍ - مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى (^٢) مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، مِنَ النَّارِ، مِنَ النَّارِ، (^٣) فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ».
فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ أَنَسٍ قُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا: لَوْ مَرَرْنَا بِالحَسَنِ وَهُوَ مُتَوَارٍ فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ فَحَدَّثَنَا بِمَا حَدَّثَنَا أَنَسُ
_________________
(١) كذا في «عمدة القارئ» وغيره، وفي «الفتح»: «يَا رَبِّ، أُمَّتِي».
(٢) كذا في «عمدة القارئ» وغيره، وفي «الفتح»: «فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى».
(٣) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «مِنَ النَّارِ»، بدون تكرار.
[ ٣٠٤ ]
ابْنُ مَالِكٍ، فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَنَا فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا فِي الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: هِيهْ، فَحَدَّثْنَاهُ بِالحَدِيثِ، فَانْتَهَى إِلَى هَذَا المَوْضِعِ، فَقَالَ: هِيهْ، فَقُلْنَا لَمْ يَزِدْ لَنَا عَلَى هَذَا، فَقَالَ: لَقَدْ حَدَّثَنِي وَهُوَ جَمِيعٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَمْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا، قُلْنَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ فَحَدِّثَنَاهُ، فَضَحِكَ، وَقَالَ: خُلِقَ الإِنْسَانُ عَجُولًا، مَا ذَكَرْتُهُ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ (^١)، حَدَّثَنِي كَمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ، قَالَ: «ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^٢).
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ قَالَ في الرِّوَايَةِ: «أَدْنَى» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، و«مِنْ النَّارِ» وَاحِدَةً فَقَطْ؟
ذَكَرَ «مِنْ النَّارِ» بِالنِّسبَةِ إلى حَدَيثِ الشَّفَاعَةِ: «مِنْ النَّارِ، مِنْ النَّارِ، مِنْ النَّارِ»، وهي في الأُولَى والثَّانِيَةِ والثَّالِثَةِ.
_________________
(١) كذا في «عمدة القاري» وغيره، وفي «الفتح»: «إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أُحَدِّثُكُمْ».
(٢) ورواه مسلم (١٩٣).
[ ٣٠٥ ]
(الشَّيخُ): ماذا قَالَ الشَّارِحُ على الرِّوَايَةِ: «أَدْنَى أَدْنَى»؟ لَعَلَّهَا رِوَايَتَانِ، رِوَايَةٌ فيها: «أَدْنَى أَدْنَى»، وفي رِوَايةٍ: «أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى». نبَّه عليه الشَّارِحُ أو ما نبَّهَ عليه؟ نَتَأمَّلُهَا بَعدِين.
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٥)]: «قَوْلُهُ: «ثُمَّ أَقُولُ» ذَكرَ ابنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ بِلَفْظِ «ثُمَّ نَقُولُ» بِالنُّونِ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ بِالْيَاءِ، فَإِنْ كَانَ رُوِيَ بِالْيَاءِ طَابَقَ التَّبْوِيبَ أَيْ: «ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ» وَيَكُونُ جَوَابًا عَنِ اعْتِرَاضِ الدَّاوُدِيِّ حَيْثُ قَالَ قَوْلهُ: «ثُمَّ أَقُولُ» خِلَافٌ لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ؛ فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يُخْرِجَ.
قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمَوْجُودُ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ: «ثُمَّ أَقُولُ» بِالْهَمْزَةِ كَمَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالَّذِي أَظُنُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَعَادَتِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْمُسْتَخْرَجِ» مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ أَحْمَدَ بْنِ جَوَّاسٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالتَّشْدِيد، عَنْ أبي بكر عَنْ عَيَّاشٍ، وَلَفْظُهُ: «أَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لِي: لَكَ مَنْ فِي قَلْبِهِ شَعِيرَةٌ، وَلَكَ مَنْ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ، وَلَكَ مَنْ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ». فَهَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ ﷺ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ أَوَّلًا؛ فَيُجَابُ إِلَى ذَلِكَ ثَانِيًا؛ فَوَقَعَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ذِكْرُ السُّؤَالِ وَفِي الْبَقِيَّةِ ذِكْرُ الْإِجَابَةِ.
وَقَوْلُهُ فِي الْأُولَى: «مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ»، قَالَ الدَّاوُدِيُّ هَذَا زَائِدٌ عَلَى سَائِرِ الرِّوَايَاتِ.
وتُعقِّبَ: بِأَنَّهُ مُفَسَّرٌ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا: «أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ
[ ٣٠٦ ]
حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ». قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَوْلُهُ: «أَدْنَى أَدْنَى»، التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ التَّوْزِيعُ عَلَى الْحَبَّةِ وَالْخَرْدَلِ، أَيْ أَقَلُّ حَبَّةٍ مِنْ أَقَلِّ خَرْدَلَةٍ مِنَ الْإِيمَانٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ صِحَة القَوْل بِتَجزِيءِ الْإِيمَانِ وَزِيَادَتِهِ وَنُقْصَانِهِ.
وقَولُهُ: «قَالَ أَنسٌ: كَأَنِّي أَنظُرُ إلى أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ» يَعْنِي: قَولُهُ: «أَدنَى شَيءٍ»، وكَأَنَّه يَضُمُّ أَصَابِعَهُ ويُشِيرُ بها.
وقَولُهُ: «فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، مِنَ النَّارِ، مِنَ النَّارِ»، التَّكرِيرُ للتَّأكِيدِ أَيضًا لِلمُبَالَغَةِ، أو للنَّظرِ إلى الأُمُورِ الثَّلَاثَةِ من الحَبَّةِ والخَردَلةِ والإِيمَانِ، أو جَعلَ أَيضًا للنَّارِ مَرَاتِبَ.
قُلتُ: سَقَطَ تَكْرِيرُ قَولِهِ: «مِنْ النَّارِ» عند مُسلِمٍ ومَن ذَكَرتُ معه في رِوَايَةِ حَمَّادِ بن زَيدٍ هَذِه، واللهُ تَعَالَى أَعلمُ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: ويَحتَمِلُ «مِنْ النَّارِ» أَنَّه كَرَّرَهَا لِأجلِ تَكرَارِ الشَّفَاعَةِ في الحَالَاتِ، في كُلِّ مَرَّةٍ مُقَابِلُهَا مِنْ النَّارِ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، تَسلَسُلُ الأَنبِياءِ ما يَدُلُّ على تَسَلسُلِ [الفَضلِ] (^١)؟
بينهم مَسَافَاتٌ، لكن يَدُلُّ على الشَّرفِ الخَاصِّ.
وهَذَا الحَدِيثُ العَظِيمُ هو المَشهُورُ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، والشَّفَاعَةُ جَاءَتْ فيها أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مُتَنَوِّعةٌ فيها زِيَادَةٌ ونَقصٌ فيمَا بينهَا، وجِمَاعُها أنَّ النَّاسَ يَفزَعُونَ يَومَ القِيَامَةِ ويَشتَدُّ بهم الكَربُ، ثم يَمُوجُ بَعضُهُم في بِعْضِ من شِدِّةِ الهَولِ وضِيقِ المَقَامِ وكَثرَةِ العَرقِ، وخَوضِ النَّاسِ في عَرقِهِم كَالسُّيُولِ العَظِيمَةِ
_________________
(١) عبارة غير واضحة، لعلها: (الفضل).
[ ٣٠٧ ]
حَتَّى يُلْجِمَهُمُ العَرقُ إلا مَنْ رَحِمَ اللهُ، فَيمُوجُ بَعضُهُم في بِعْضٍ حِينئذٍ ويَنظُرُونَ ماذا يَفعَلُونَ؛ فَيفزَعُ المُؤمِنُونَ إلى آدَمَ ﵊ ويَقُولُونَ: أَنت أَبُو البَشرِ، خَلقَكَ اللهُ بِيدِهِ، وأَسْجدَ لك مَلَائِكَتَهُ، وعَلَّمَكَ أَسمَاءَ كُلِّ شَيءٍ؛ ألا تَرَى ما نَحنُ فيه؟! ألا تَرَى ما قد بَلَغَنَا؟! فاشْفَعْ لنا إلى ربك؛ فَيَقُولُ: لست هُنَاكُم -ويَذكُرُ خَطِيئَتَهُ وهي أَكلُهُ مِنْ الشَّجرَةِ- نَفسِي نَفسِي نَفسِي، ثم يُحِيلُهُم إلى نَوحٍ ﵊؛ لأنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ إلى أَهْلِ الأَرضِ بَعدَمَا وَقَعَ فيهَا الشِّركُ.
فَيَأتُونَ نُوحًا ﵇ ويَقُولُونَ: أنت أَوَّلُ رَسُولٍ أَرسَلَهُ اللهُ إلى أَهْلِ الأَرضِ، قد سَمَّاكَ اللهُ عَبدًا شَكُورًا؛ أَلَا تَرَى مَا نَحنُ فِيهِ؟! ألا ترى ما قد بَلغنَا؟! اشفَعْ لنا إلى رَبِّكَ، فَيقُولُ: لسْتُ هُنَاكُم-ويَذكُرُ سَؤَالَهُ الذي سَألَهُ رَبَّه فَعَاتَبَه اللهُ عَليهِ فيهِ، وهو قَولُه في سُؤَالِهِ لابْنِه: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥]- اذْهَبُوا إلى غَيرِي، اذْهَبُوا إلى إِبرَاهِيمَ.
فَيأتُونَ إِبرَاهِيمَ ﵊، فيَقُولُونَ له: أنتَ خَلِيلُ اللهِ؛ اشْفعْ لنا إلى رِبِّكَ. فَيقُولُ: لسْتُ هُنَاكُم، ويَذكُرُ كَذَبَاتِهِ التي كَذَبَهَا، وهي ثَلَاثٌ، كُلُّهَا في ذَاتِ اللهِ.
ثم يُحِيلُهُم إلى مُوسَى ﵇، كَلِيمِ الرَّحمنِ؛ فَيأتُونَ مُوسَى، ويَقُولُ: لَستُ هُنَاكُمْ -ويَذكُرُ قَتلَهُ النَّفسَ التي قَتَلَهَا ولم يُؤذَنْ له في قَتلِهَا- اذْهَبُوا إلى عَيسَى»؛ فَيأتُونَ إلى عِيسَى ﵇، فَيعتَذِرُ ويَقُولُ: لَستُ هُنَاكُمْ. وفي بِعْضِ الرِّوَايَاتِ: كُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ: «إنَّ رَبِّي قد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا لم يَغضَبْ قَبلَهُ مِثلَهُ، ولم يَغضَب بَعدَهُ مِثلَهُ»، وكُلُّ وَاحِدٍ يقُولُ: «نَفسِي نَفسِي نَفسِي»، ثم يُحيلُهم عِيسى ﵊ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَبدٍ غَفرَ اللهُ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ وما تَأَخَّرَ، ﵊.
[ ٣٠٨ ]
فَيأتُونَ مُحَمَّدًا ﵊؛ فَيقُولُ: «أنا لها»، ثم يَتَقَدَّمُ فَيسجُدُ تَحتَ العَرشِ، يَتَقَدَّمُ إلى رَبهِ ويَسجُدُ بين يَدَيهِ ويَحمَدُهُ بِمَحَامدَ كَثِيرَةٍ يَفتَحُهَا عليه ﷾ ثم يَشفَعُ.
وهَذَا هو المَقَامُ الْمَحمُودُ الذي وَعدَهُ اللهُ به في قَولِهِ جل وعلا: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، فيشَفَعُ في أَهْلِ المَوقِفِ حَتَّى يُقضَى بينهم، ويَشفَعُ فيمَن دَخلَ النَّارَ مِنْ أُمِّتهِ عِدَّةَ شَفَاعَاتٍ ﵊.
وفي هَذَا الحَدِيثِ فَوَائِدُ كَثِيرةٌ:
منها: الرَّدُّ على الخَوَارجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ ويَقُولُونَ: من عَصَى فقد كَفَر، ومَن أَتَى كَبِيرةً فقد كَفرَ، والرَّدُّ عَلَيهِم وعلى المُعتَزِلَةِ في تَخلِيدِ العُصَاةِ في النَّارِ، فَالحَدِيثُ يَدُلُّ على أَنَّهُمْ لا يُخَلُّدُونَ، وهَكَذَا بَقِيةُ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ في ذَلكَ، كُلُّها دَالَةٌ على أَنَّهُمْ لا يُخَلَّدُونَ، ولَيسُوا بِكُفَّارٍ، فَيقتَضِي من ذَلكَ بُطلَانِ قَولِ الخَوَارجِ وقَولِ المُعتَزِلةِ ومَن قَالَ بِقَولِهم مِنَ الإِبَاضِيَّةِ وغَيرِهِم ممن رَأَى خُلُودَ العُصَاةِ في النَّارِ.
وفيه من الفَوَائِدِ: فَضلُ النَّبيِّ ﷺ، وأنَّ لَه هَذَا المقَامُ العَظِيمُ مع بَقِيةِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِم الصلاة والسلام، وهَذَا شَرفٌ عَظِيمٌ على رُؤُوسِ الأَشهَادِ.
وفيه من الفَوَائِدِ: أَنَّه يَحسُنُ أَمَامَ الدُّعَاءِ الثَّنَاءُ على اللهِ، إذا أَرَادَ العَبدُ أن يَدعُوَ رَبَّه أن يُثنِيَ عليه ويُمَجِّدَهُ سُبحَانَهُ ثم يَدعُو بَعْدَ ذَلكَ.
وهَذَا مَعنَى ما جَاءَ في حَدِيثِ فُضالَةَ بنِ عُبَيدٍ ﵁، أن النَّبيَّ ﷺ سَمِعَه يَدعُو، ولم يَحمَدِ اللهَ ولم يُصَلِّ على النَّبيِّ فَقَالَ: «عَجِلَ هَذَا». ثم قَالَ: «إذا دَعَا أَحَدُكُم رَبَّه فَليبْدَأ بِتَحمِيدِ رَبِّه والثَّنَاءِ عليه، ثم يُصَلِّي
[ ٣٠٩ ]
عليَّ ثم يَدعُو بمَا شَاءَ» (^١).
فَيَنبَغِي في الدُّعَاءِ تَقدِيمُ الثَّنَاءِ والحَمدِ على اللهِ ﷾؛ لِأنَّه ذُو فَضلٍ وذُو إِحسَانٍ، ثم يُثَنِّي بِالصَّلَاةِ على النَّبيِّ ﷺ، ثم يَدعُو بما أَحَبَّ، فهَذَا مِنْ أَسبَابِ الإِجَابَةِ.
وفيه: أن العُصَاةَ كمَا تَقَدَّمَ لا يُخَلَّدُونَ في النَّارِ، وأَنَّهم مَرَاتبُ في دُخُولِهمُ النَّارَ على حَسبِ مَعَاصِيهِم التي مَاتُوا عليها، مِنْهُم مَنْ يَكُونُ في قَلبِهِ شَيءٌ كَثِيرٌ مِنَ الإِيمَانِ، وَمِنهُم مَنْ يَكُونُ في قَلبِهِ الشَّيءُ اليَسِيرُ بعدَ التَّوحِيدِ، فالتَّوحِيدُ لا بُدَّ منه، فلا نَجَاةَ إلا بِاللهِ ثم بِالتَّوحِيدِ، فاللهُ حَرَّمَ على النَّارِ أَهْلَ التَّوحِيدِ، حَرَّمَ عَلَيهِم دُخُولَها إذا اسْتَقَامُوا على التَّوحِيدِ وأَدَّوا الوَاجِبَاتِ ولم يَمُوتُوا على المَعَاصِي، فهَؤلَاءِ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ.
أما مَنْ لَطَّخَ تَوحِيدَهُ بِالمَعَاصِي فهو تَحتَ مَشِيئةِ اللهِ؛ لأنَّ تَوحِيدَهُ نَاقِصٌ، وإِيمَانَهُ ضَعِيفٌ حِينئَذٍ بِالمَعَاصِي، فيكون عُرضَةً لِدُخُولِ النَّارِ إلا مَنْ رَحِمَ اللهُ، ولِهذَا قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
فَأهْلُ التَّوحِيدِ الَّذِينَ مَاتُوا على المَعَاصِي مِنْ السَّرِقةِ أو الزِّنَا أو الرِّبَا أو شُربِ الخَمرِ أو غَيرِ هَذَا ولم يَتُوبُوا هَؤلَاءِ هم المُرادُ في هَذِه الشَّفَاعَةِ وفي هَذَا قَولُهُ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
وفي هَذَا: فَضلُ هَؤلَاءِ الرُّسُلِ عَلَيهِم الصلاة والسلام؛ لِأنَّه خَصَّهُم بِالقَصدِ بأن تَقَدَّمُ إليهم المُؤمِنُونَ وهم أُولُو العَزمِ: نُوحٌ، وإِبرَاهِيمُ، ومُوسَى، وعِيسَى، ومُحَمَّدٌ عَلَيهِم الصلاة والسلام.
_________________
(١) رواه أحمد (٢٣٩٣٧)، وأبو داود (١٤٨١)، والترمذي (٣٤٧٧).
[ ٣١٠ ]
وفيه أَيضًا: الحَذرُ مِنْ المَعَاصِي وأن عَاقِبَتَها وَخِيمَةٌ، وَأنَّه لا يُمكِنُ أن يَرضَى أَحَدٌ بِدُخُولِ النَّارِ ولو لَحَظَةً، فكَيفَ بِالإِقَامَةِ فيها مَا شَاءَ اللهُ من الزَّمَانِ، فَالعَاقِلُ والرَّاغِبُ في النَّجاةِ يَحذَرُ أَسبَابَ دُخُولِ النَّارِ من جَمِيعِ الوُجُوهِ، وذَلكَ بِالحَذَرِ من المَعَاصِي والحَذَرِ مِنْ أَسبَابِهَا، ومتى وَقَعَ في شَيءٍ منها بَادَرَ بِالتَّوبَةِ وسَارَعَ إلى التَّوبَةِ؛ لِأنَّه لا يَدرِي متى يَهجِمُ عليه الأَجَلُ، فَالوَاجِبُ الحَذرُ أَوَّلًا مِنْ المَعَاصِي والسَّيئَاتِ، ثم الحَذرُ مِنْ الإِقَامةِ والإِصرَارِ عليها.
الَّذِينَ يَذهبُونَ إلى الأَنبِيَاءِ سَائرُ النَّاسِ أم أَهْلُ الإِيمَانِ؟
في الحَدِيثِ الصَّحيحِ: «المُؤمِنُونَ» «يَفزَعُ المُؤمِنُونَ»، هَكَذَا، ولا مَانعَ مِنْ أن يَفزَعَ غَيرُهم، لكن نَصُّ الحَدِيثِ «ويَفزَعُ المُؤمِنُونَ»؛ لأنهم أَعلَمُ بِرُسُلِهِم وأَعلَمُ بِالرُّسُلِ وأَعلَمُ بِمَقَامَاتِهِم.
وأيضًا الكُفَّارُ في هَمٍّ عَظِيمٍ وغَمٍّ عَظِيمٍ وشِدَّةٍ من البَلَاءِ والعَذَابِ، فهم في شُغلٍ شَاغِلٍ عنِ الفَزعِ إليه، بِخَلَافِ المُؤمِنِينَ فإنهم في رَحمَةٍ ورَاحةٍ وخَيرٍ عَظِيمٍ.
٧٥١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْوًا، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ الجَنَّةُ مَلْأَى، فَيَقُولُ لَهُ ذَلِكَ ثَلَاثَ
[ ٣١١ ]
مَرَّاتٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ يُعِيدُ عَلَيْهِ الجَنَّةُ مَلْأَى، فَيَقُولُ: إِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنيَا عَشْرَ مِرَارٍ» (^١).
وهَذَا فيه اخْتِصَارٌ، وقد جَاءَ في الرِّوَايَاتِ الأُخرَى-الرِّوَاياتِ الكَثيرَةِ- أَنَّه يُخيَّلُ إليه أَنَّها مَلأَى، وليسَ الحَقِيقَةُ أَنَّها مَلأَى ولكن يُخيَّل إليه أَنَّها مَلأَى، فَالجنَّةُ فيها سِعَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإذَا دَخَلَها قِيلَ له: تَمنَّ؛ فَيتَمَنَّى فَيُقاَلُ: لكَ ما تَمنَّيتَ ومِثلُهُ ومِثلُهُ. وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «وعَشرَةُ أَمثَالِهِ …» إلى آخِرِ الحَدِيثِ، واللهُ المُستَعَانُ.
وهَذَا آخِرُ مَنْ يَخرُجُ مِنْ النَّاسِ مِنَ العُصَاةِ، فكَيفَ بِحَالِ الأَتقِيَاءِ؟ فماذا يَكُونُ لهم؟!
الوَسِيلَةُ ما مَعنَاهُا؟
الوَسِيلَةُ لها مَعنَيِانِ:
١ - وَسِيلَةٌ بِمَعنَى الطَّاعَةِ والقُربَةِ، كَمَا قَالَ جل وعلا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] يَعْنِي القُربَ إليه بِطَاعَتِهِ، إذا أَطلَقَ الوَسيلَةَ: القُربُ إليه بِطَاعَتِهِ.
٢ - أما الوَسِيلَةُ في الأَذَانِ، في دُعَاءِ الأَذَانِ فهي المَنزِلَةُ التي في الجَنَّةِ للنَّبيِّ ﷺ.
_________________
(١) ورواه مسلم (١٨٦).
[ ٣١٢ ]
هي غَيرُ المَقَامِ المَحمُودِ؟
غَيرُ المَقَامِ الْمَحمُودِ، الوَسيلَةُ مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ، مَسكَنٌ. بَعضُ الخُرَافِيِّينَ وبَعضُ الجَهلَةِ يَظنَّ أن الوِسِيلَةَ دُعَاءُ الأَنبِياءِ والاِستِغَاثَةُ بِالأَنبِياءِ والاسْتِغَاثةُ بِالأَموَاتِ أو بِالمَلَائِكَةِ. هَذَا مِنْ أَعظَمُ الفِريَةِ ومِن أَعظَمِ الكَذبِ والإِلحَادِ؛ فإنَّ هَذَه لَيستْ وَسِيلَةً إلى الخَيرِ، وَسيلَةٌ إلى النَّارِ، دُعَاءُ الأَموَاتِ والأَنبِياءِ والمَلَائِكَةِ وَسيلَةٌ نعم، لكن وَسِيلَةٌ إلى النَّارِ، وَسِيلَةٌ إلى غَضَبِ اللهِ، وَسِيلَةٌ إلى الخُلُودِ في النَّارِ، أَعُوذُ بِاللهِ.
فإنَّ الوَسَائلَ التي أَمرَ اللهُ بها في قَولِهِ: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] وقَولِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، يَعْنِي القُربَ إليه بِطَاعَتِهِ، هَذَا مَعنَى ما قَالَ أَهْلُ التَّفسِيرِ، وقد أَجمَعَ أَهْلُ التَّفسِيرِ على ذَلكَ أنَّ الْمُرادَ بِالوَسِيلةِ طَاعَةُ اللهِ ورَسُولِهِ، والتَّقرُّبُ إليه بما شَرعَ ﷾، وأَعظَمُهَا التَّوحِيدِ، أَعظَمُهَا الإِخلَاصُ للهِ تَعَالَى بِالعَملِ، هَذَا أَعظَمُ الوَسَائِلِ.
أما قَولُ الجَهلَةِ: إن الوَسِيلَةَ التَّقرُّبُ بُدُعَاءِ الأَنبِيَاءِ والاسْتِغَاثةُ بِالأَنبِيَاءِ؛ لأَنَّهم مُعَظَّمُونَ وأَنَّهم أَحبَّاءُ اللهِ، هَذَا مِنْ أَعمَالِ الوَثَنِيِّينَ، مِنْ أَعمَالِ أَبِي جَهلٍ وأَشبَاهِهِ.
وهَكَذَا مَنْ فَسَّرَهَا بِالجَاهِ: السُّؤَالُ بِجَاهِ فُلَانٍ أو بِحَقِّ فُلَانٍ هَذَا غَلَطٌ أَيضًا، لَيْسَتْ هَذِه هي الوَسِيلَةُ بل هَذَا بِدعَةٌ، السُّؤالُ بِجَاهِ فُلَانٍ أو بِحَقِّ فُلَانٍ هَذَا مِنْ البِدَعِ، لا أَصلَ لها في الشَّرعِ، إنما الوَسيلَةُ هي التَّقرُّبُ إلى اللهِ بِطَاعَتِهِ، واتِّبَاعِ شَريعَتِهِ، وفِعلِ أَوامِرِه وتَركِ نَوَاهِيهِ، وهي التي أَمرَ اللهُ بها في قَولِهِ: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] يَعْنِي: القُربَةَ إليه بِطَاعتِهِ وتَركِ مَحَارِمِهِ.
[ ٣١٣ ]
الدُّعَاءُ بِجَاهِ النَّبيِّ ﷺ؟
بِدعَةٌ، هَذِه بِدعَةٌ مِنَ البِدعَ، مِنْ وَسَائلِ الشِّركِ.
وكذَلكَ: قَولُهُ في عِيسَى ﵇: «رُوحُ اللهِ وكَلِمَتُهُ» يَعْنِي رُوحًا مِنَ الأَرْوَاحِ التي خَلقَهَا وجَعَلَهَا في عِيسَى ﵇ كالتي خَلقَهَا في البَاقِينَ في آدَمَ وإِبرَاهِيمَ وغَيرِهِم مِنَ الأَنبِيَاءِ والنَّاسِ، فاللهُ الذي خَلقَ أَروَاحَهُم وأَوجَدَهَا فهي رُوحٌ مِنَ الأَرْوَاحِ التي خَلَقَهَا اللهُ وأَوجَدَهَا، لكنها رُوحٌ شَرِيفَةٌ.
وهَكَذَا «كَلِمَتُهُ»؛ لِأنَّه كَانَ بِالكَلِمَةِ، قَالَ اللهُ له: ﴿كُنْ﴾ فكَانَ، سُمِّي بِالكَلِمَةِ يَعْنِي: أَنَّه كَانَ بِالكَلِمَةِ لَيْسَ له أَبٌّ، خَلَقُهُ اللهُ مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ، «وَرُوحُ اللهِ» مِنْ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِه، مِثلُ «نَاقَةِ اللهِ»، مِثلُ «رَسُولِ اللهِ»، مثلُ «بَيتِ اللهِ» من بَابِ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ إِضَافَةَ تَشرِيفٍ وتَكرِيمٍ.
فإنَّ المُضَافَ إلى اللهِ قِسمَانِ:
١ - مَعنًى مِنْ المَعَانِي.
٢ - وذَاتٌ قَائِمَةٌ.
فالمَعنَى من المَعَانِي إذا أُضِيفَ إلى اللهِ فهو صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ: كِعِلمِ اللهِ، وقُدرَةِ اللهِ، ورِضَا اللهِ، ومَحَبَّةِ اللهِ، فهَذِه صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ.
أمَّا إذا كَانَ المُضَافُ ذَاتًا مِنَ الذَّوَاتِ فهو قِسمَانِ أَيضًا:
١ - قِسمٌ يُضَافُ إلى اللهِ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ، يَعْنِي: أَبدَعَهُ وأَوجَدَهُ، فَيُضَافُ إليه؛ لِأنَّه خَلَقَهُ كَأرضِ اللهِ، وسَمَاءِ اللهِ، وبَحرِ اللهِ، ومَاءِ اللهِ، ونَحوِ ذَلكَ، مِنْ إِضَافةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ.
٢ - النُّوعُ الثَّانِي: إِضَافَةُ تَشرِيفٍ، إِضَافةُ مَخلُوقٍ إلى خَالِقِهِ، لكن على سَبِيلِ التَّشرِيفِ، يَعْنِي صِفَةً خَاصَّةً على سَبِيلِ التَّشرِيفِ والتَّكرِيمِ وَرَفعِ المَنزِلَةِ، مِثلُ بَيتِ اللهِ، الكَعبَةُ بَيتُ اللهِ، مِثلُ رَسُولِ اللهِ، مِثلُ نَاقَةِ اللهِ، وهي نَاقَةُ
[ ٣١٤ ]
صَالحٍ ﵇، مِثلُ عِيسَى رَوحِ اللهِ. هَذَا مِنْ بَابِ التَّشرِيفِ والتَّكرِيمِ، وهو إِضَافَةُ مَخلُوقٍ إلى خَالِقِهِ لكن على وَجهٍ خَاصٍّ، يَتَضَمَّنُ التَّفضِيلَ والتَّكرِيمَ.
مِثلُ أَمَةِ اللهِ وعَبدِ اللهِ؟
مِثلُ عَبدِ اللهِ، ولكِن هَذَا يَختَلفُ؛ لأنهُ قد يَكُونُ عَبدًا صَالِحًا وقد يَكُونُ لَيْسَ بِصَالحٍ مِنْ إِضَافةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ.
وأَمَةُ اللهِ؟
مِثلُهُ، إن كَانَتْ صَالِحَةً فهو مِنْ بَابِ التَّشرِيفِ مع الخَلقِ، وإن كَانت غَيرَ صَالَحَةٍ فهو مِنْ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ فَقَطْ.
المُرَادُ بِقصرِ أَنسٍ ﵁؟
بَيتُهُ يَعْنِي، بَيتٌ له خَارِجَ البَصرَةِ على أَمْيَالٍ: كِيلُواتٍ مِنْ البَصرَةِ، بَارِزًا عنِ البَصرَةِ، ﵁ لازم فيه، قَصرُهُ: لَعلَّهُ مَزرَعةٌ هناك، قَصرٌ في مَزرَعَةٍ له، لَازم فيه ﵁.
٧٥١٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ».
[ ٣١٥ ]
قَالَ الأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ: «وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (^١).
وهَذَا فيه الحَثُّ على الصَّدَقةِ، وأنَّ هَذَا مِنْ أَسبَابِ الإِنقَاذِ مِنْ النَّارِ: مَنْ رَحِمَ رُحِمَ: «مَنْ لا يَرحَمُ لا يُرحَمُ» (^٢). الحَثُّ على طَاعَةِ اللهِ والقِيَامِ بَأمْرِهِ؛ لأنَّ هَذَا مِنْ أَسبَابِ السَّلَامَةِ مِنْ النَّارِ، ومن ذَلكَ الصَّدَقَةُ والإِحسَانُ والرَّحمَةُ بِالفُقَراءِ.
(الشَّيخُ): مَاذَا قَالَ على حَدِيثِ عَدِيٍّ ﵁؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٧)]: «الحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ: «مَا مِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ». وقد تَقَدَّمَ شَرحُهُ في كِتَابِ «الرِّقَاقِ»، وقَولُهُ: قَالَ الأَعمَشُ: وحَدَّثَنِي عَمرُو بنُ مُرَّةٍ، هو مَوصُولٌ بِالسَّنَدِ الذي قَبلَهُ إِلَيه». [انتهى كلامه].
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ: «مِنْكُمْ» عَامَّةٌ للمَخلُوقِينَ؟
نعم لِلمَخْلُوقِينَ، لكن كَلَامُ الكُفَّارِ كَلَامُ تَوبِيخٍ، والمُؤمِنُونَ كَلامُ خَيرٍ ورِضًا.
ما يَلزَمُ منه الرُّؤيَا؟
الرُّؤيَا للمُؤمِنِينَ فَقَطْ، أمَّا غَيرُ المُؤمِنِينَ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
_________________
(١) ورواه مسلم (١٠١٦).
(٢) رواه البخاري (٥٩٩٧)، ومسلم (٦٥) (٢٣١٨).
[ ٣١٦ ]
لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، أما ما في الآيَاتِ الأُخرَى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] فلا مُنَافَاةَ بينها وبين الحَدِيثِ: «لا يُكَلِّمُهُم اللهُ» كَلَامَ رِضًا ومَحَبَّةٍ، بل كَلَامٌ يَضُرُّهُم ولا يَنفَعُهُم، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ، وهَكَذَا: «لا يَنْظُرُ إِلَيهِم» يَعْنِي: نَظَر رحَمةٍ وإِحسَانٍ وإلَّا هو لا تَخفَى عليه خَافِيَةٌ، يَرَى الدُّنيَا ﷾.
كَونُهُ يُكَلِّمُهُم لَيْسَ بَينَه وبَينَهُم تُرجُمَانٌ ما تُفِيدُ الرُّؤيَةَ؟
ما يَلزَمُ الرُّؤيَةَ، يُكَلِّمُهُم ويُكَلِّمُونَهُ بِدُونِ رُؤيَةٍ إذا كانوا كُفَّارًا. أنت الآن تُكلِّمُ بِالتليفُونَ، تُكلِّمُ تَرَاهُم؟ تُكلِّمُ كُلَامًا وَاضِحًا تَعرفُ أَنَّه فُلَانٌ وفُلَانٌ، أَبُوكَ، أَخوكَ وأنتَ لا تَرَاهُم، تَعلَمُ أَنَّه كَلَامُهُ. هَذَا مِثَالُه في الدُّنيَا، وقد يَقعَ أَيضًا مِنْ غَيرِ التِّليفُون مثلُ: تَكَلِّمُهُ مِنْ حُجرَةٍ وهو مِنْ حُجرَةٍ ومِن بَابٍ مُغلَقٍ لا تَرَاُه، وَيسمَعُكَ وتَسمَعُه، هَذَا ما يَقَعُ؟! هَذَا مِثالُهُ في الدُّنيَا.
قَولُهُ: «ولو بِشِقِّ تَمرَةٍ»، فيه إِشَارةٌ إلى فَضلِ الإِطعَامِ خَاصَّةً؟
نعم ولو بِالقَلِيلِ، كُنْتَ دَائِمًا أَذكُرُ في مَجلِسِي دَائِمًا قِصّةَ عَائِشَةَ ﵂ ولا بُدَّ أنَّكُم سَمِعتُمُوهَا مَرَّاتٍ في «البُخَارِيِّ»، ولَعلَّهَا في «مُسلِمٍ» أَيضًا.
المَقْصُودُ: أن عَائِشَةَ ﵂ أَتَت إِلَيها امْرَأةٌ ومعها ابْنتَانِ تَسأَلُ، قَالتْ: فلم أَجِدْ إلا ثَلَاثَ تَمْرَاتٍ فَقَدَّمَتهَا إلى المَرأَةِ، ثَلَاثَ تَمرَاتٍ في البَيتِ وَجَدَت في البَيتِ ثَلَاثَ تَمرَاتٍ، بِيتُ النَّبيِّ ﷺ ما وُجِدَ فيه إلا ثَلَاثُ تَمرَاتٍ، وهو النَّبيُّ ﷺ، أَصَابهُ شِدَّةٌ وحَاجةٌ حَتَّى فَقَدُوا التَّمرَ وشَقَّ عَلَيهِم الجُوعُ، ففِي هَذِه الحَالَةِ وَجَدَتْ ثَلَاثَ تَمرَاتٍ فَقَدَّمتهَا إلى المَرأَةِ، والمَرأَةُ قَدَّمَتها لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ بِنتَيهَا تَمرَةٌ، ورَفَعَتِ التَّمرَةُ إلى فَمِهَا لِتَأكُلَهَا -الثَّالِثَةَ-
[ ٣١٧ ]
فَأسرَعَتِ البِنتَانِ وأَكَلَتَا التَّمرَتَينِ وجَعَلَتَا تَنظُرَانِ إِلَيها تُريدَانِ منها التَّمرَةَ الثَّالِثَةَ؛ فَقَدَّمَتهَا إِليهمَا وشَقَّتَها بِينهمُا ولم تَأْكُلْهَا، قالت عَائِشَةُ ﵂: فَأَعجَبَنِي أَمرُهَا، فلمَّا جَاءَ النَّبيُّ ﷺ أَخبَرتُهُ؛ فَقَالَ: «إنَّ اللهَ أَوجَبَ لها الجَنَّةَ بهَذِه الرَّحمَةِ» (^١). فَالتَّمرَةُ لها شَأنٌ مع الْمُحتَاجِ والْمُضْطَرِّ.
ومن ذَلكَ حَدِيثٌ آخرَ ذَكرَهُ جَابرٌ ﵁ في غَزوَةِ السَّاحِلِ حين كَانَ مع أَبِي عُبَيدَةَ ﵁في «الصَّحِيحِ» أيضًا- وقد زَوَّدَهُمُ النَّبيُّ ﷺ بِتَمرٍ، فَصَارَ أَبُو عُبَيدَةَ ﵁ في آخِرِ الوَقتِ يُعطِيهم على تَمرَةٍ تَمرَةٍ، لَمَّا قَلَّ التَّمرُ صَارَ يُعطِيهِم على تَمرَةٍ تَمرَةٍ، وَاحِدُةٌ كُلَّ يَومٍ، فقال له بَعضُ الرُّوَاةِ -لِجَابرٍ ﵁-: ما تَفعَلُ فيكم التَّمرَةُ الوَاحِدَةُ؟ قَالَ: «كنَّا نَمُصَّها ونَشرُبُ عليها المَاءَ» (^٢). تَمرَةٌ؛ الرَّسُولُ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ ولو بِشِقِّ تَمرَةٍ» (^٣).
يا شَيخُ أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، سَؤَالُهُ يَقُولُ: يَعْنِي هلِ الإِطعَامُ أَفضَلُ مِنْ النَّقدَينِ في كُلِّ حَالَةٍ؟
ما هو بِالمَقصُودِ، جِنسُ الإِطعَامِ، الإِنسَانُ يُنْفِقُ مما يَسَّرَ اللهُ له، حَتَّى ولو لم يِجِد إلَّا شِقَّ تَمرَةٍ، إذا أَعطَاهُ النَّقدَينِ أَزْيَدُ مِنْ شِقِّ التَّمرَةِ، النُّقُودُ تَأتِي بِالتَّمرِ وبِغَيرِ التَّمرِ.
رُؤيَةُ المَلَائِكَةِ للهِ ﷿؟
اللهُ أَعلَمُ.
_________________
(١) ورواه مسلم (١٤٨) (٢٦٣٠).
(٢) رواه أحمد (١٤٣٣٧)، والنسائي (٤٣٥٤).
(٣) رواه البخاري (١٤١٧)، ومسلم (٦٧) (١٠١٦).
[ ٣١٨ ]
٧٥١٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ جَعَلَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ. فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ؛ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]» (^١).
هنا ذَكرَ أَربَعَ أَصَابِعَ، وفي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: «والجِبَالُ والشَّجرُ على إِصبَعٍ»، الإصبَعُ الخَامِسَةُ، وهَذَا مُختَصَرٌ، الأَصَابِعُ خَمسٌ له سُبحَانَهُ، لا تُشَابِهُ صِفَاتِ الْمَخلُوقِينَ، كما أن وَجهَهُ ويَدَهُ وسَائرَ صِفَاتِهِ لا تُشَابِهُ صِفَاتِ الْمَخلُوقِينَ؛ فله الكَمَالُ الْمُطلَقُ مِنْ كُلِّ الوُجُوهِ ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
لكن يُستَفَادُ مِنَ الأَحَادِيثِ أنَّ له يدًا، وأنَّ له أَصَابِعَ خَمسًا، وَأنَّه يَومَ القِيَامةِ يَحمِلُ هَذِه الْمَخلوُقاَت على تلك الأَصَابِعِ ويَهُزهَا ويَقُولُ: أنا الْمَلكُ، أنا الجَبَّارُ، أين الجَبَّارُونَ؟ أين الْمُتَكَبِّرُونَ؟
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧٨٦).
[ ٣١٩ ]
مَكتُوبٌ «حَبَرٌ» يا شَيخُ؟
لا، غَلَطٌ، «حِبرٌ» أو «حَبرٌ» بِاللُغَتَينِ بِكسرِ الحَاءِ وفَتحِهَا، أمَّا فَتحُ البَاءِ غَلَطٌ، حَبرٌ مِنَ الأَحبَارِ.
الشَّاهِدُ: يَعْنِي: تَلَا الآيَةَ ﵊، شَاهِدٌ لِمَا قَالَ الحَبرُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]، فَالأَحبَارُ همُ العُلمَاءُ ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ [التوبة: ٣١]، والأَحبَارُ جَمعُ حَبرٍ، ويُقَالُ: حِبرٌ، بِالكَسرِ.
٧٥١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ، كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: «يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ» (^١).
وَقَالَ آدَمُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ.
وهَذَا فيمَنِ اقْتَرفَ شَيْئًا سَتَرَهُ اللهُ عليه وغَفرَ اللهُ له ﷾، فإنَّه
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧٦٨).
[ ٣٢٠ ]
هو السَّتَّارُ لِعبِادهِ، وهو الْمُحسِنُ الكَرِيمُ الجَوادُ، فَيُقرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ لِيعرِفَ فَضلَ اللهِ عليه وإِحسَانَهُ إِليه، ثم يُخبِرُه أَنَّه سَترَهَا عليه في الدُّنيَا ويَغفِرُهَا عليه اليَومَ. وهَذِه النَّجوَى بين العَبدِ وبين رَبِّهِ …
(الشَّيخُ): ماذا قَالَ الشَّارِحُ على النَّجوَى؟ أو قَالَ: مَضَى؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٧)]: «الحَدِيثُ الخَامِسُ: حَدِيثُ ابنِ عُمرَ في النَّجوَى، قَولُهُ: «يَدنُو أَحَدُكُم مِنْ رَبِّه» قَالَ ابنُ التِّينِ: يَعْنِي: يَقربُ مِنْ رَحمَتِهِ، وهو سَائِغٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: فُلَانٌ قَرِيبٌ من فُلَانٍ، ويُرَادُ الرُّتَبَةُ، ومِثلُهُ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦]». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وهَذَا تَأوِيلٌ لا يَنبَغِي، وهَذَا تَأْوِيلٌ لَيْسَ بِجَيدٍ، الأَصلُ أَنَّه دُنُوٌّ حَقِيقِيٌّ منه ﷾، دُنُوٌّ حَقِيقِيٌّ على الوَجهِ الذي يَعلَمُه سُبحَانَهُ، فهو يُدْنِي عَبدَهُ المُؤمِنَ كمَا يَشَاءُ دُنُوًّا خَاصًّا؛ فَيُقَرِّرُه بِذُنُوبِهِ ويَسأَلُه؛ فضلًا منه وإِحسَانًا وإِظهارًا لِرحمَتِهِ وجُودِهِ وكَرَمِهِ، ويَنزلُ لِيحكُمَ بين عِبَادِهِ بِالعَدلِ ﷾، ولكِنْ لَا يَعلمُ كَيفِيَّةَ هَذَا الدُّنُوِّ إلا هو ﷾، دُنُوٌّ خَاصٌّ لا يَعلَمُ كَيفِيَّتَه إلا هو ﷾.
هَذَا مِنْ تَأْوِيلَاتِ الأَشَاعِرَةِ أَحسَنَ اللهُ إِليكَ؟
نَوعٌ مِنَ التَّأوِيلِ.
[قال الحَافِظُ ﵀]: «وقَولُهُ: «فَيضَعُ كَنَفَهُ» بِفتحِ الكَافِ والنُّونِ بَعدَها فَاءٌ، المُراُد بِالكَنَفِ: السِّترُ، وقد جَاءَ مُفَسَّرًا بذَلكَ في رِوَايةِ عَبدِ اللهِ بنِ الْمُبَاركِ عن مُحَمَّدِ بنِ سَوَاءٍ، عن قَتَادةَ، فقَالَ في آخِرِ الحَدِيثِ:
[ ٣٢١ ]
قَالَ عبدُ اللهِ بنُ الْمُبَاركِ: كَنَفُهُ سِترُهُ. أَخرَجَهُ الْمُصَنِّفُ في كِتَابِ «خَلقِ أَفعَالِ العِبَادِ»، والمَعنَى: أَنَّه تُحيطُ به عِنَايَتُهُ التَّامَّةُ، ومَن رَوَاه بِالْمُثَنَّاةِ الْمَكسُورةِ فقد صَحَّفَ على ما جَزَمَ به جَمعٌ مِنَ العُلَمَاءِ». [انتهى كلامه].
(الشَّيخُ): رَاجِعِ الكَلَامَ على قَولِهِ: «وهو مُتَوارٍ في مَنزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ»؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٦)]: «قَوْلُهُ: «وَهُوَ مُتَوَارٍ فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ» هُوَ حَجَّاجُ بْنُ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَالِدُ عُمَرَ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ، سَمَّاهُ الْبُخَارِيُّ فِي «تَارِيخِهِ» وَتَبِعَهُ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ فِي الْكُنَى». [انتهى كلامه].
[قال الإِمَامُ العَينِيُّ في «عُمدَةِ القَارِئِ» (٢٥/ ١٦٧)]: «قَولُهُ: وَهُوَ مُتَوارٍ أَي: مُخَتَفٍ فِي مَنزِلِ أَبِي خَليفَة الطَّائِي الْبَصْرِيّ؛ خَوفًا من الْحجَّاجِ بنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيّ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: يَعْنِي: وَقتَ فِتنَةِ الحَجَّاجِ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَم الكَنَفُ؟
اللهُ أَعلَمُ، المُرَادُ سِترَهُ، واللهُ أَعلَمُ، الصِّفَاتُ لا تُفسَّرُ إلا بِالدَّلِيلِ، فاللهُ أَعلَمُ بِالكَيفِيَّةِ التي أَرَادَ بها ﷾، لكِنْ على هَذَا يَدُلُّ على عِنَايةٍ وفَضْلٍ منَ اللهِ ﷾ وَرَحمَةٍ وإِحسَانٍ ولُطفٍ به، ولُطفٍ بِعبدِهِ المؤْمِنِ.
وهَذَا من آثَارِ صِفَةِ الرَّحمَةِ؟
هَذَا مِنْ الصَّفَاتِ.
[ ٣٢٢ ]
مِنْ آثَارِ هَذِه الصِّفَةِ الرَّحمَةُ؟
نِعمَةٌ.
ما الَّذِي سَترَهُ اللهُ عليه؟
اللهُ أَعلَمُ، اللهُ أَعلَمُ، ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّها الذُّنُوبُ التي سُتِرَت عليه ولم يُفضَحْ بها ولم تَظهَرْ في الدُّنيَا، بَينَه وبينَ رَبِّهِ، هَذَا مَحَلُّ التَّقدِيرِ، سَتَرَهَا ويُخبِرُهُ أَنَّها لم تَخفَ عليه ﷾؛ حَتَّى لا يَظُنّ العَبدُ أَنَّها ضَاعَت، بِخِلَافِ الذُّنُوبِ الظَّاهِرةِ؛ [فإنها] مَعرُوفَةٌ، التي أُقيمَ عَليها الحَدُّ، فيها الكَفَّارَةُ، أو ظَهَرَت وعُلِمَت مِنَ النَّاسِ ثمَّ تَابَ مِنهَا، لَكِنْ هَذِه الَّتِي في الحَدِيثِ أَنَّها ذُنُوبٌ خَاصَّةُ بين العَبدِ وبين رَبِّهِ، مَا عَلِمَها النَّاسُ ولا حَكَمَ فيها أَحدٌ ولا ظَهَرتْ للنَّاسِ.
ولا تَابَ مِنهَا؟
الظَّاهِرُ ولا تَابَ منها، ولِهذَا قَالَ: «وأَغفِرُهَا لكَ اليومَ».
* * *
[ ٣٢٣ ]