وَهُوَ فِعْلُ الرَّبِّ ﵎ وَأَمْرُهُ، فَالرَّبُّ بِصِفَاتِهِ وَفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ، وَهُوَ الخَالِقُ المُكَوِّنُ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَتَخْلِيقِهِ وَتَكْوِينِهِ، فَهُوَ مَفْعُولٌ مَخْلُوقٌ مُكَوَّنٌ
٧٤٥٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا؛ لِأَنْظُرَ كَيْفَ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِاللَّيْلِ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، أَوْ بَعْضُهُ، قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ، ثُمَّ صَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ (^١).
_________________
(١) ورواه مسلم (٧٦٣).
[ ١٩٤ ]
وَهذَا يُبيِّنُ أنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ كُلِّها مَخْلوقَةٌ للهِ ﷾، فَاللهُ هُوَ الخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ مَخْلوقٌ؛ وَلِهذَا قَالَ ﷿ ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢]، ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]. هَذَا مُرَادُ البُخارِيِّ ﵀: أنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ كُلِّها مَفْعُولَاتٌ مَخْلوقَةٌ للهِ ﷿، منَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ وَالبِحَارِ وَبَنِي آدَمَ وَالجِنِّ وَالمَلائِكَةِ وَغَيرِ ذَلِك، فَلهُ الخَلقُ وَلَهُ الأَمرُ، فَمَا كَانَ مِنْ تَخْلِيقهِ وَأَمرِهِ فِي هَذَا العَالَمِ فهُوَ مَخْلوقٌ، وَصِفاتُهُ وَكَلامُهُ كَذاتِهِ غَيرُ مَخْلوقٍ، فهُوَ الخَلَّاقُ ﷾.
وَاللهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ وَالصِّفَاتِ جَمِيعًا، اسْمٌ لِلذَّاتِ الَّتِي هِيَ مَوصُوفَةٌ بِالصِّفَاتِ، مَوصُوفَةٌ بِأنَّها خَالِقةٌ، مَوصُوفَةٌ بِأنَّهَا رَازِقةٌ، مَوصُوفَةٌ بِالرِّضَا وَالغَضَبِ وَالعِلمِ وَالسَّمعِ وَالبَصرِ وَالكَلَامِ وَغَيرِ ذلِك، وَاللهُ بِصِفاتِهِ هُوَ الخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ منَ المَفْعولَاتِ وَالمَوْجُودَاتِ مَخْلُوقٌ لَهُ ﷾ فَلَهُ الخَلقُ وَلهُ الأَمْرُ، فَالأَمرُ أَمرُهُ وَالخَلْقُ خَلقُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤].
وَالأَمرُ يُطلَقُ عَلَى الكَلَامِ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، وَيُطلَقُ عَلَى أَشْياءَ أُخْرَى منَ الشُّؤونِ، فَمَا كَانَ منَ القَولِ فهُوَ كَلَامُهُ وَصِفاتُهُ، وَمَا كَانَ منَ المَخْلوقَاتِ فهُوَ مَخْلُوقٌ.
وكَذلِكَ هَذَا الحَدِيثُ العَظِيمُ، حَدِيثُ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ فِي نَومِهِ عِنْدَ خَالَتهِ مَيْمُونةَ ﵂؛ لِيَنظُرَ صَلاةَ النَّبيِّ ﷺ فِيهِ فَوائِدُ:
مِنْهَا: جَوَازُ نَومِ الصَّبيِّ عِنْدَ الرَّجلِ وَأَهلِهِ إِذَا كَانَتِ المَرأَةُ مَحْرمًا لهُ؛ لِيَنظُرَ
[ ١٩٥ ]
إِذَا كَانَ هُناكَ مَصْلحَةٌ شَرعِيَّةٌ، فَإنَّ ابْنَ عبَّاسٍ ﵄ كَانَ لمْ يَبلُغِ الحُلُمَ حِينَ مَاتَ النَّبيُّ ﷺ، وَكَانَ كَبِيرًا بِلْ نَاهَزَ الاحْتِلامَ (^١)، وَأقرَّهُ النَّبيُّ ﷺ أنْ يَنَامَ عِنْدَ خَالَتهِ مَيمُونَةَ ﵂.
وَفِيهِ منَ الفَوَائدِ: أنَّ الرَّجُلَ يَتَحدَّثُ مَع أَهلِهِ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشهِ، يَتَحدَّثُ مَع أَهلِهِ وَيُؤنِسُهمْ، وَلَا يَكُونُ حَرِيصًا عَلَى النَّومِ مُبَاشَرةً، بلْ يَتَحدَّثُ مَع أَهلِهِ وَيُؤنِسُهم، وَيَتكلَّمُ مَعَهُم بِمَا يُنَاسِبُ المَقَامَ إِينَاسًا وَإِحْسَانَ مُعَاشَرةٍ، ثمَّ يَنَامُ بَعدَ ذلِكَ.
وَفِيهِ منَ الفَوَائدِ: أنَّهُ إِذَا قَامَ منَ النَّومِ مِنْ آخِرِ اللَّيلِ يَقْرأُ هذِهِ الآيَةَ؛ وَلِهذَا رَفعَ بَصرَهُ إِلَى السَّمَاءِ ﵊ وَقَرأَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠] وَجَاءَ فِي رِوَايةٍ: أنَّهُ كَمَّلَ الآيَاتِ إِلَى أنْ خَتَمهَا إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَهِيَ آيَاتٌ عَظِيمَةٌ يُسْتحَبُّ لِمنْ قَامَ منَ النَّومِ أنْ يَقْرأَهَا، كَمَا قَرَأهَا النَّبيُّ ﵊، لِمَا فِيهَا منَ العِظَةِ وَالذِّكرَى وَالتَّذْكيرِ بِآيَاتِ اللهِ جل وعلا وَذِكرِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَهلِ الجنَّةِ وَأَهلِ النَّارِ.
وَفِيهِ مِنَ الفَوَائدِ: أنْ يَسْتَنَّ، إِذَا قَامَ منَ النَّومِ يَسْتَنُّ، يَعنِي: يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ، يَتَسوَّكُ عِنْدَ قِيَامهِ مِنَ النَّومِ، عِنْدَ صَلَاتهِ، عِنْدَ وُضُوئهِ، قَالَ حُذَيفَةُ ﵁: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا قَامَ منَ اللَّيلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» (^٢). وَفِي الحَدِيثِ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (^٣)، «وَمَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» (^٤).
_________________
(١) أي قارب الاحتلام، كان عمره ثلاثة عشر عامًا.
(٢) رواه البخاري (٢٤٥)، ومسلم (٢٥٥) (٤٦).
(٣) رواه مسلم (٢٥٢) (٤٢).
(٤) رواه أحمد في «المسند» (٧٥١٣)، والبخاري قبل حديث (١٩٣٤).
[ ١٩٦ ]
وَفِيهِ: أنَّهُ ﷺ كَانَ يَتَهجَّدُ منَ اللَّيْلِ، إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أوْ قَبلَهُ بِقَلِيْلٍ أوْ بَعدَهُ بِقَلِيْلٍ ﵊، وَيُطِيلُ القِرَاءَةَ، وَيُطِيلُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَيُصلِّي إِحْدَى عَشْرةَ فِي الغَالِبِ، وَرُبَّما صَلَّى ثَلَاثَ عَشْرةَ، وَرُبَّما صَلَّى تِسعًا، وَرُبَّما صَلَّى سَبعًا، عَلَى حَسبِ التَّيسِيرِ.
إِذَا اسْتَعملَ الصَّابُونَ وَغَسلَ فَمَهُ بِالصَّابُونِ بَدلَ السِّوَاكِ؟
الصَّابُونُ لَا بَأسَ، الصَّابُونُ أوْ غَيرُ الصَّابُونِ لَا بَأسَ، لَكِنِ السُّنَّةُ السِّوَاكُ عِنْدَ الوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، السِّوَاكُ، ولَكنِ الصَّابُونُ وَمَا أَشْبَههُ -مِثلُ الفُرشَةِ وَأَشْباهِهَا- هَذَا مِنْ بَابِ تَنظِيفِ الأَسْنَانِ فِي الأَوْقَاتِ المُنَاسِبةِ، أمَّا عِنْدَ الصَّلَاةِ وَعِنْدَ الوُضُوءِ فَالسُّنةُ السِّوَاكُ.
قَبلَ الوُضُوءِ؟
نَعمْ، عِنْدَ المَضْمضَةِ وَعِنْدَ بَدءِ الصَّلَاةِ.
* * *
[ ١٩٧ ]