٧٤٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنٌ لِبَعْضِ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ يَقْضِي، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا، فَأَرْسَلَ «إِنَّ لِلهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ».
فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ فَأَقْسَمَتْ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقُمْتُ مَعَهُ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا نَاوَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ الصَّبِيَّ وَنَفْسُهُ تَقَلْقَلُ فِي صَدْرِهِ - حَسِبْتُهُ قَالَ: كَأَنَّهَا شَنَّةٌ - فَبَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ أَتَبْكِي؟ فَقَالَ: «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (^١).
هَذَا الحَدِيثُ -وَقدْ سَبقَ هَذَا الحَدِيثُ أيْضًا- فِيهِ الدَّلَالةُ عَلَى شَرعِيَّةِ
_________________
(١) ورواه مسلم (٩٢٣).
[ ١٨١ ]
الرَّحمَةِ لِلضُّعفَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَأهْلِ المُصِيبَةِ وَالميِّتِ كَذلِكَ، وَلِهذَا يَقُولُ: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦]، وَيَقولُ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩] وَيَقُولُ ﷺ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (^١).
وَفِي هَذَا الحَدِيثِ: أنَّ إِحْدى بَنَاتِه ﵂ كَانَ عِنْدهَا صَبيٌّ فِي المَوتِ يَعنِي: قَدْ ظَهَرتْ عَليْهِ أَمَارَاتُ المَوتِ؛ فَأَرْسلَتْ إِلَى أَبِيهَا ﵊ تَطلُبُ مِنهُ الحُضُورَ، حُضُورَ مَوتِ هَذَا الصَّبيَّ لِيعُزِّيَهم وَيَجبُرَ حَالَهُم بِحُضورِهِ ﵊، فَأَرسَلَ إِليْهَا، وَقَالَ: «لِتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَإِنَّ للهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمّى».
يَعنِي: أنْ تَصبِرَ إِذَا مَاتَ وَتَحتَسِبَ الأَجرَ عِنْدَ اللهِ، فَإنَّ للهِ مَا أَخذَ وَلهُ مَا أَعْطَى، كُلُّ شَيءٍ بِيدِهِ ﷾، وَالنَّاسُ مِلكُهُ، الخَلقُ كَلُّهُم مِلكُهُ، وَكلُّ هَذَا مِلكُهُ، إنَّا للهِ وَإنَّا إِليْهِ رَاجِعُونَ، الجَمِيعُ مِلكُ اللهِ ﷾ يَتَصرَّفُ فِيهِ كَيفَ يَشَاءُ، كَمَا قَالَ جل وعلا فِي سُورَةِ المَائِدةِ فِي آخِرِهَا: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
فَأَرْسَلَتْ إِليْهِ مَرَّةً أُخرَى تُقسِمُ عَليْهِ -تَحلِفُ عَليْهِ- أنْ يَحضُرَ، فَقَامَ وَحقَّقَ قَسَمَها ﵊، وَتَوجَّهَ إِليْهَا وَمعَهُ جَماعَةٌ منَ الصَّحَابةِ، مِنهُمْ: مُعَاذُ بنُ جَبلٍ، وَسَعدُ بنُ عُبَادَةَ، وَأُبيُّ بنُ كَعْبٍ، وَزَيدُ بنُ ثَابِتٍ، وَأُسَامَةُ بنُ زَيدٍ وَآخَرُونَ ﵃.
_________________
(١) تقدم برقم (٧٣٧٧).
[ ١٨٢ ]
فَلمَّا حَضَرَ وَقَدَّمُوا لَهُ الصَّبيَّ رَأَى نَفسَهُ تَقَعقَعُ لِلخُرُوجِ، وفِي رِوَايةٍ: «تَقَلْقَلُ» فِي أَمَارَاتِ الخُرُوجِ وَأَمارَاتِ المَوتِ؛ فَبَكَى ﵊ وَذَرَفتْ عَينَاُه لمَّا رَأَى مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ: تَبكِي يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَقَالَ: «إِنَّهَا رَحْمَةٌ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءُ».
فَفِي هَذَا فَوائِدُ:
مِنْها: حُسْنُ خُلقِهِ ﵊ وَتَواضُعُهُ، كَونُهَا أَقْسمَتْ عَليْهِ وَقَامَ وحَقَّقَ قَسَمَها مِنْ أَجلِ جَبرِ حَالِهَا وَجَبرِ مُصِيبَتِها وَرَحمَةً لِحَالِها، فهَذَا يَدلُّ عَلَى التَّواضُعِ وحُسنِ الخُلُقِ، وَالرَّحمَةِ أيْضًا، كَونُهُ رَحِمَها أيْضًا، ثمَّ لمَّا حَضَرَ رَحِمَ أيْضًا طِفلَهَا وَبَكَى مِنْ أَجلِ ذَلِك، فهَذَا يَدلُّ عَلَى حُسْنِ خُلُقهِ ﷺ وَطِيبِ شَمَائِلِهِ، وَرَحمَتهِ بِالضُّعَفاءِ وَرِقَّتهِ عَلَى أَوْلادِهِ وَرَحمتِهِ لهُمْ، وَحُسْنِ مُعاشَرتِهِ لهُمْ، وَإِجَابتِهِ طَلَباتِهِم الَّتِي لَا مَحْذورَ فِيهَا.
وَمِنَ الفَوائِدِ: جَوَازُ البُكَاءِ، وَأنَّهُ لَا حَرَجَ فِيهِ عَلَى الطِّفلِ وَعَلَى غَيرِهِ، وَأنَّ المَحظُورَ هُوَ النِّيَاحةُ، وَأمَّا دَمعُ العَينِ فَلَا حَرَجَ فِي ذَلِك؛ وَلِهذَا قَالَ ﵊ فِي قِصَّةِ ابْنهِ إِبْراهِيمَ لمَّا تُوفِّيَ: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفرَاقِكَ يَا إَبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (^١).
وَفِيهِ: الدَّلَالةُ عَلَى أنَّهُ يَنبَغِي لِلوَالدِ أنْ يَكُونَ رَحِيْمًا عَطُوفًا عَلَى أَوْلَادِهِ، لَا يَتجَبَّرُ عَليْهِم وَلَا يَتكَبَّرُ عَنْ تَحقِيقِ طَلبَاتِهِم المُنَاسِبةِ الَّتِي لَا مَحْذورَ فِيهَا -وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ المَصَائبِ وَعِنْدَ المَرضِ، وَعِنْدَ الشِّدَّةِ وعِندَ الحَاجَةِ- يَلطُفُ بِهِمْ وَيَرحَمُهُم وَيَعطِفُ عَليْهِم، وَلوْ كَانَ عَظِيمًا وَلوْ كَانَ كَبِيرًا، وَلوْ كَانَ مَلِكًا.
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٠٣)، ومسلم (٢٣١٥) (٦٢).
[ ١٨٣ ]
فَأعْظَمُ العُظَمَاءِ منَ المَخْلوقِينَ هُوَ رَسُولُ اللهِ ﵊، فَلَيسَ هُنَاكَ فِي الدُّنيَا مَنْ هُوَ أَعظَمُ مِنهُ وَأحَقُّ مِنهُ بِالاحْتِرامِ وَالتَّبجِيلِ، ومَعَ هَذَا أَجَابَ دَعْوةَ ابْنتِهِ وقَامَ إِليْهَا وحَقَّقَ طَلبَهَا، وَحقَّقَ قَسَمَهَا وَحَضَرَ إِلَى بَيتِهَا، وَجَبرَ مُصِيبَتهُم وَدَعا لهُمْ ﷺ.
وَمِنَ الفَوائِدِ أيْضًا، وَهِيَ مُهمَّةٌ: أنَّ الوَاجِبَ الصَّبرُ عِنْدَ المَصائِبِ، وَأنْ تَصبِرَ، الوَاجِبُ الصَّبرُ وَالاحْتِسابُ، وَعَدمُ الجَزعِ، كُلٌّ مُصَابٌ، المَصَائِبُ مَاشِيةٌ عَلَى العِبَادِ؛ فَالوَاجبُ الصَّبرُ عِنْدَهَا وَعدَمُ الجَزَعِ، وَاسْتِحضَارُ أنَّ العَبدَ ومَن عِندَهُ مِنْ ذُريَّةٍ مِنْ إِخْوَانٍ، مِنْ آبَاءٍ، مِنْ أُمَّهاتٍ إِلَى غَيرِهِم كُلُّهُم مِلكُهُ سُبْحانَهُ «للهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى» (^١)، وهُوَ المَالِكُ المُتصَرِّفُ فِي الجَمِيعِ، فَلَا وَجهَ لِلْجزَعِ، بلِ الجَزعُ يُفوِّتُ الخَيرَ، وَيُسبِّبُ الغَضَبَ، وَالاحْتِسَابَ، وَالرِّضَا يَحصُلُ بِهِ الخَيرُ العَظِيمُ وَالأَجْرُ منَ اللهِ ﷿، وَالعِوَضُ مِنهُ ﷾.
٧٤٤٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «اخْتَصَمَتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبّهِمَا، فَقَالَتِ الجَنَّةُ: يَا رَبِّ، مَا لَهَا لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، وَقَالَتِ النَّارُ: -يَعْنِي- أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي، أُصِيبُ بِكِ
_________________
(١) تقدم برقم (٧٤٤٨).
[ ١٨٤ ]
مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، قَالَ: فَأَمَّا الجَنَّةُ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهَا، فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، ثَلَاثًا، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَمْتَلِئُ، وَيُرَدُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ» (^١).
٧٤٥٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لَيُصِيبَنَّ أَقْوَامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ، بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، يُقَالُ لَهُمُ الجَهَنَّمِيُّونَ». وَقَالَ هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَهذِهِ رَحمَتُهُ ﷾ ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦] فَالجنَّةُ مِنْ رَحمَتهِ كَمَا قَالَ: «أَنْتِ رَحْمَتِي» وفِي الرِّوايَةِ الأُخرَى: «أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» (^٢) فهِيَ رَحْمتُهُ يَهَبُها لِمنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادهِ المُؤمِنِينَ، فَيَلطُفُ بِهِمْ ﷾، وَالنَّارُ عَذابُهُ يُعذِّبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ، وَلِكلِّ وَاحِدةٍ مِنهُمَا مِلؤُهَا.
وَبيَّنَ ﵊ هذِهِ الخُصُومةَ بَينَ الجنَّةِ وَالنَّارِ وَاحِتِجاجَهُما
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٨٤٦).
(٢) رواه البخاري (٤٨٥٠)، مسلم (٢٨٤٦) (٣٤).
[ ١٨٥ ]
أنَّ الجنَّةَ قَالَتْ: «فِيَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ» يَعنِي: فُقَراءَهُم، يَعنِي: غَالِبُ مَنْ يَدخُلُها الفُقَراءُ؛ لِأنَّ المَالَ يُطغِي أَهلَهُ إلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦)﴾ [العلق: ٦].
وَالنَّارُ فِيهَا الجَبَّارُونَ وَفِيهَا المُتكبِّرُونَ، الَّذينَ حَملَهُم التَّكبُّرُ وَالتَّعاظُمُ وَالعِنَادُ عَلَى التَّكذِيبِ وَعدَمِ الاسْتِجابَةِ، فَلِهذَا صَارَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِمْ.
وَالجنَّةُ دَارُ المُتَّقِينَ، دَارُ المُؤمِنِينَ، دَارُ أَهْلِ السَّعادَةِ، وإِنْ كَانُوا فُقَراءَ وَإِنْ كَانُوا ضُعَفاءَ، فَالفَقرُ المَالِيُّ لَا قِيمَةَ لَهُ، إنَّمَا الفَقرُ الخَطِيرُ الفَقرُ مِنَ الدِّينِ وَضَعفُ الدِّينِ، هَذَا هُوَ الفَقرُ المُهلِكُ، وَأمَّا فَقرُ المَالِ فَأمْرُهُ سَهلٌ، وَعِلاجُهُ كَثِيرٌ.
وفِي هَذَا الحَدِيثِ وَقَعَ وَهْمٌ مِنْ بَعضِ الرُّوَاةِ فَقَالَ: «إِنَّ النَّارَ يُنْشِئُ اللهُ لهَا أَقْوامًا، لَا تَمتَلِئُ فَيُنشِئُ اللهُ لهَا أَقْوامًا فَيُدخِلهُم النَّارَ». وَهذَا غَلطٌ؛ لِأنَّ النَّارَ دَارُ العَذَابِ، وهُوَ لَا يُعذِّبُ إلَّا مَنِ اسْتحَقَّ العَذَابَ بِعمَلهِ السَّيِّئِ، وَالنَّارُ لَا تَزَالُ تَقُولُ (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) لِسِعتِهَا وَعَظمَتِها وَعُمْقِها، فَإنَّ عُمقَهَا مَسافَة سَبْعينَ خَرِيفًا مِنْ أَعْلاهَا إِلَى أَسْفلِها، سَبْعِينَ عَامًا إِذَا أُلقِيَ فِيهَا شَيءٌ يَمكُثُ سَبْعينَ عَامًا مَا وَصَلَ قَعْرَها، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
فَيضَعُ الجَبَّارُ فِيهَا قَدمَهُ - أيْ رِجلَهُ - فَيَنزَوِي بَعضُهَا إِلَى بَعضٍ فَتَقولُ: «قَطُّ قَطُّ» يَعنِي: حَسبِي حَسْبِي، يَعنِي: امْتَلئْتُ امْتَلئْتُ.
وَأمَّا الجَنَّةَ فَيَبْقَى فِيهَا فَضلٌ، فَيُنشِئُ اللهُ لَهَا أَقْوَامًا لمْ يَعمَلُوا خَيْرًا قطُّ فَيُدخِلُهم الجنَّةَ بِفَضلِ رَحمَتهِ، وهَذَا هُوَ الشَّاهِدُ لِلْبابِ معَ قَولِهِ: «أَنْتِ رَحْمَتِي» وَلَكنَّهُ انْقَلَبَ عَلَى بَعضِ الرُّوَاةِ، فَجعَلهُ تَبعَ النَّارِ، وَليْسَ الأَمرُ كَذلِكَ.
[ ١٨٦ ]
المَقْصُودُ: إِثْباتُ الرَّحمَةِ فِي هذِهِ النُّصُوصِ؟
فِي المَوضِعَينِ فِي «أَنْتِ رَحْمَتِي» ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦] وَأَهلُ الجنَّةِ هُمْ أَهْلُ الإِحْسَانِ.
(الشَّيخُ) تَعرَّضَ لهَا الشَّارِحُ؟
(القَارِئُ) فِي تَعْليقٍ عَلَى المَتنِ: وَالشَّارِحُ تَكلَّمَ عَليْهِ، التَّعلِيقُ يَقُولُ: قَالَ مُحبُّ الدِّينِ الخَطِيبُ: «جَزَمَ ابنُ القيِّمِ بِأنَّ هَذَا غَلطٌ مِنَ الرَّاوِي، صَوَابُهُ: «يُنْشِئُ لِلْجَنَّةِ» كَمَا تَقدَّم بِرقَمِ (٤٨٥٠) مِنْ طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ ﵁، وَكمَا فِي رَقمِ (٧٣٨٤) مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ أَنسٍ، فَتَبيَّنَ مِنهُمَا: أنَّ الرَّاوِيَ هُنَا سَبقَ لَفظُهُ منَ الجنَّةِ إِلَى النَّارِ، وَيُسمُّونَهُ فِي عِلمِ المُصْطلَحِ: المُنْقَلِبَ» (^١).
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٣٧)]: «قَولُهُ: «فَأمَّا الجنَّةَ فَإنَّ اللهَ لَا يَظلِمُ مِنْ خَلقِهِ أَحدًا وَأنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ». قَالَ أبُو الحَسنِ القَابِسيُّ: المَعْرُوفُ فِي هَذَا المَوضِعِ أنَّ اللهَ يُنْشِئُ لِلجنَّةِ خَلْقًا، وَأمَّا النَّارُ فَيضَعُ فِيهَا قَدَمَهُ … قَالَ: وَلَا أَعلَمُ فِي شَيءٍ منَ الأَحَادِيثِ أنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ خَلقًا إلَّا هَذَا. انْتَهَى.
وقَدْ مَضَى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ «ق» مِنْ طَرِيقِ مُحمَّدِ بنِ سِيرِينَ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ: يُقالُ لِجهَنَّمَ: «هَلِ امْتَلَأْتِ؟ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ فَيَضَعُ الرَّبُّ عَلَيْهَا قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ» ومِن طَرِيقِ همَّامٍ بِلَفظِ: «فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ». فَهُناكَ تَمْتلِئُ وَيَزوِى بَعضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظلِمُ اللهُ
_________________
(١) «فتح الباري» (١٣/ ٤٤٤، ح ٧٤٤٩).
[ ١٨٧ ]
مِنْ خَلقِهِ أَحَدًا.
وَتَقدَّمَ هُناكَ بَيَانُ اخْتِلافِهِم فِي المُرَادِ بِالقَدَمِ مُسْتوْفًى، وَأَجَابَ عِيَاضٌ بِأنَّ أَحدَ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ القَدمِ: أنَّهُم قَومٌ تَقدَّمَ فِي عِلمِ اللهِ أنَّهُ يَخلُقُهمْ، قَالَ: فَهذَا مُطَابقٌ لِلْإنشَاءِ، وَذِكرُ القَدمِ بَعدَ الإِنْشاءِ يُرجِّحُ أنْ يَكُونَا مُتَغايِرَينِ.
وَعنِ المُهلَّبِ قَالَ: فِي هذِهِ الزِّيَادةِ حُجَّة لِأهْلِ السُّنةِ فِي قَولِهِم: إنَّ للهِ أنْ يُعذِّبَ مَنْ لمْ يُكلِّفْهُ لِعِبادَتهِ فِي الدُّنْيَا؛ لِأنَّ كلَّ شَيءٍ مِلكُهُ، فلَوْ عَذَّبهُم لَكَانَ غَيرَ ظَالمٍ. انْتَهَى.
وَأهْلُ السُّنةِ إنَّمَا تَمسَّكُوا فِي ذلِكَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، و﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨] وَغَيرِ ذلِكَ، وهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ جِهةِ الجَوَازِ، وَأمَّا الوُقُوعُ فَفِيهِ نَظرٌ.
وَلَيسَ فِي الحَدِيثِ حجَّةٌ؛ لِلِاخْتِلافِ فِي لَفظِهِ، وَلِقبُولِهِ التَّأْوِيلَ. وقدْ قَالَ جَماعَةٌ منَ الأَئِمَّةِ: إنَّ هَذَا المَوضِعَ مَقْلوبٌ، وَجَزمَ ابنُ القَيِّمِ بأَنَّهُ غَلطٌ، وَاحْتجَّ بِأنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبرَ بِأنَّ جَهنَّمَ تَمْتلِئُ مِنْ إِبْليسَ وَأَتْباعِهِ.
وَكَذا أَنْكرَ الرِّوايَةَ شَيخُنَا البُلْقينِيُّ وَاحْتجَّ بِقَولهِ: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٩] ثمَّ قَالَ: وَحَملُهُ عَلَى أَحْجارٍ تُلقَى فِي النَّارِ أَقْربُ مِنْ حَملِهِ عَلَى ذِي رُوحِ يُعذَّبُ بِغَيرِ ذَنبٍ. انْتَهَى.
وَيُمكِنُ الْتِزامُ أنْ يَكُونُوا مِنْ ذَوِي الأَرْواحِ، وَلَكنْ لَا يُعذَّبُونَ كَمَا فِي الخَزَنةِ، وَيَحتَملُ أنْ يُرَادَ بِالإِنْشاءِ ابْتِداءُ إِدْخالِ الكُفَّارِ النَّارَ، وَعبَّرَ عَنِ ابْتِداءِ الإِدْخالِ بِالإِنْشاءِ، فهُوَ إِنْشاءُ الإِدْخَالِ، لَا الإِنْشاءُ بِمَعنَى ابْتِداءِ الخَلقِ؛ بِدَلِيلِ قَولِهِ: «فَيُلْقَوْنَ فِيهَا، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ» وَأَعادَها ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثمَّ قَالَ: «حَتَّى
[ ١٨٨ ]
يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ، فَحِينَئِذٍ تَمْتَلِئُ». فَالَّذِي يَملَؤُها حَتَّى تَقُولَ: حَسْبِي هُوَ القَدمُ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ الخَبرِ، وَتَأوِيلُ القَدمِ قدْ تَقدَّمَ، وَاللهُ أَعلَمُ.
وَقدْ أَيَّدَ ابنُ أَبِي جَمرَةَ حَملَهُ عَلَى غَيرِ ظَاهِرهِ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]؛ إذْ لَو كَانَ عَلَى ظَاهِرهِ لَكَانَ أَهْلُ النَّارِ فِي نَعِيمِ المُشَاهَدةِ، كَمَا يَتَنعَّمُ أَهْلَ الجَنةِ بِرُؤيَةِ رَبِّهمْ؛ لِأنَّ مُشَاهدَةَ الحَقِّ لَا يَكُونُ مَعَها عَذَابٌ.
وقَالَ عَيَاضٌ: يَحتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعنَى قَولِهِ عِنْدَ ذِكرِ الجَنَّةِ: «فَإِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا» أنَّهُ يُعذِّبُ مَنْ يَشَاءُ غَيرَ ظَالِمٍ لَهُ، كَمَا قَالَ: «أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»، وَيَحتَملُ أنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى تَخَاصُمِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَإنَّ الَّذِي جَعلَ لِكُلٍّ مِنْهُما عَدْل وَحِكمَة، وَبِاسْتِحقَاقِ كُلٍّ مِنهُم مِنْ غَيرِ أنْ يَظلِمَ أَحدًا.
وَقَالَ غَيرُهُ: يَحتَملُ أنْ يَكُونَ ذلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّلمِيحِ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٣٠]؛ فَعبَّرَ عَنْ تَركِ تَضْيِيعِ الأَجرِ بِتَركِ الظُّلمِ، وَالمُرَادُ: أنَّهُ يَدخُلُ مِنْ أَحْسَنِ الجنَّةِ الَّتِي وَعدَ المُتَّقِينَ بِرَحمَتهِ، وَقدْ قَالَ لِلجَنَّةِ: «أَنْتِ رَحْمَتِي»، وَقَالَ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦]، وَبِهذَا تَظهَرُ مُنَاسَبةُ الحَدِيثِ لِلتَّرجَمةِ وَالعِلمِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى. وَفِي الحَديثِ دَلَالةٌ عَلَى اتِّسَاعِ الجَنةِ وَالنَّارِ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: وَالمَقْصُودُ مِنْ هَذَا كلِّهِ: أنَّ اللَّفْظَ هَذَا لَا شَكَّ أنَّهُ وَهْمٌ، وَانْقلَبَ عَلَى الرَّاوِي بِلَا شَكٍّ، وَتَدلُّ عَليْهِ الرِّوَايَةُ الأُخْرَى المَحْفُوظَةُ: «فَأَمَّا الجَنَّةُ -فِيهَا فَضْلٌ- فَيُنْشِئُ اللهُ لَهَا أَقْوَامًا»، وهَذَا هُوَ المُطَابقُ لِرَحمَتهِ وَفَضلِهِ
[ ١٨٩ ]
وَإِحْسانِهِ، وَأمَّا النَّارُ فَلَا يَسْتحِقُّهَا إلَّا مَنْ سَبقَ مِنهُ أَعْمالٌ تُوجِبُ ذلِكَ، وهَذَا مُقْتضَى رَحْمتِهِ وَعَدلِهِ ﷾.
وَأمَّا القَدمُ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّأْويلِ، وَقَولُ المُؤوِّلِينَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ بَاطِلٌ، وَلَيسَ هُنَاكَ تَأْويلٌ لَهُ، بِخِلافِ مَا هُوَ عَلَيهِ، فهُوَ القَدَمُ المَعْرُوفُ -قَدمُ اللهِ ﷿- وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «رِجْلَهُ». فَإِحدَى الرِّوَايَتيْنِ تُفسِّرُ الأُخْرَى، فهُوَ يُوصَفُ بِالقَدمِ كَمَا يُوصَفُ بِاليَدِ ﷾، وَبِالأَصَابعِ وَالسَّمعِ وَالبَصرِ، فهُوَ ﷾ لَهُ قَدمٌ وَلَهُ يَدٌ، وَلهُ أَصَابعُ، وَلهُ نَفْسٌ، كُلُّها تَلِيقُ بِهِ ﷾ لَا يُشابِهُ فِيهَا خَلْقَهُ جل وعلا، فَكَمَا أنَّ اليَدَ وَالسَّمعَ وَالبَصَرَ وَبَقيَّةَ الصِّفَاتِ لَا يُشَابهُهُ فِيهَا شَيءٌ وَهِي حَقٌّ، فَهكَذَا لَفظُ: «القَدَمِ» وَ«الرِّجْلِ» وَصفٌ لَائقٌ بِاللهِ لَا يُشَابِههُ فِيهِ شَيءٌ ﷾.
وَأمَّا التَّأْويلُ فَبَاطلٌ، التَّأْويلُ بِأنَّهُم خَلقٌ يُلْقَونَ فِي النَّارِ هَذَا لَا وَجهَ لَهُ.
مَا قَالهُ عِياضٌ، بِأنَّ أَحدَ مَا قِيلَ فِي تَأْويلِ القَدمِ أنَّهُم قَومٌ تَقدَّمَ فِي عِلمِ اللهِ أنَّهُ يَخْلُقهُم؟
عَلَى كلِّ حَالٍ بَاطِلٌ، كَلَامُ عِيَاضٍ بَاطِلٌ، كَلَامُ عِيَاضٍ أَوْ غَيرِهِ مِمَّنْ تَأوَّلَ الحَدِيثَ، كلُّهُ بَاطِلٌ، وَالحَقُّ مَا قَالَهُ أَئمَّةُ السُّنَّةِ مِنْ إِثْبَاتِ القَدَمِ للهِ، وَأنَّهُ المُرَادُ، مَا يَضرُّهُ سُبْحانَهُ شَيءٌ (قَدَمَهُ فِي النَّارِ) لَا يَضرُّهُا شَيءٌ، هُوَ الخَالِقُ لِلنَّارِ وَالقَادِرُ عَلَيْها وَالمُتصَرِّفُ فِيهَا، فَلَا يَضرُّهُ شَيءٌ مِنْ خَلقِهِ ﷾.
أَحْسنَ اللهُ إِليْكَ، قَولُهُ: «فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا» هَذَا فِي الرُّؤيَةِ؟
هَذَا صَرِيحُ القُرْآنِ، نَعمْ.
* * *
[ ١٩٠ ]