٧٥١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؛ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» (^١).
«فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» مَعنَاهُ: يَعْنِي خَصمَهُ وغَلبَهُ بِالحُجَّةِ؛ لأنَّ إِخرَاجَ الذُّرِّيةِ مِنْ الجَنَّةِ لَيْسَ مِنْ عَملِ آدَمَ ﵇، بلْ أَمرٌ كَتَبَهُ اللهُ وقَضَاهُ ورَتَّبَهُ على ما جَرَى مِنْ مَعصِيَتهِ، الذي جَرَى مِنْ آدَمَ هو الْمَعصِيَةُ، فَالعَبدُ لا يُلَامُ على الْمَصَائِبِ وإِنَّمَا يُلَامُ على الْمَعَايبِ، فَالْمُصِيبَةِ التي تَرَّتَبَتْ على ذَلكَ لَيسَت مِنْ عَملِهِ، وإنما هو أَمرٌ قَضَاهُ اللهُ وقَدَّرهُ لِحكمةٍ بَالِغَةٍ، فهو مَلُومٌ على الْمَعصِيةِ وقد تَابَ منها، والتَّائِبُ لا يُلَامُ، مَنْ تَابَ تَابَ اللهُ عليه ولا يُلَامُ بعد ذَلكَ، ولا يُعَابُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢]؛
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٦٥٢).
[ ٣٢٤ ]
ولِهذَا حَجَّ آدَمُ مُوسَى؛ لأنهُ لَامَهُ على أَمرٍ لَيْسَ مِنْ فِعلِهِ، وأمْرٍ قد تَابَ مِنْ أَسبَابِهِ ورَجَعَ مِنْ أَسبَابِهِ، والتُّوبَةُ تَجُبُّ ما قَبلَهَا، واللهُ جل وعلا أَخرَجَهُ مِنْ الجَنَّةِ بِسببِ الْمَعصِيَةِ، وأَخرَجَ ذُرِيَّتَهُ من الجَنَّةِ لِحكمَةٍ بَالِغَةٍ حَتَّى يُظهِرَ دِينَهُ في الأَرْضِ، وتَعلُو كَلِمتُهُ في الأَرْضِ، وُيعبَدَ وَحدُهُ في الأَرضِ، بعدَما كَانَ في الجَنَّةِ.
خُرُوجُ بَنِي آدَمَ هَذِه مِنْ المَصَائِبِ يَعْنِي؟
مِنْ الْمَصَائِبِ، والذي عَمِلَهُ آدَمُ أَكلُهُ مِنَ الشَجَرةِ وقد تَابَ منه.
٧٥١٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُجْمَعُ المُؤمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ المَلَائِكَةَ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا. فَيَقُولُ لَهُمْ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ» (^١).
(الشَّيخُ): كذا «يُجمَعُ» عِندكَ أَوْ «يَجتَمِعُ»؟ رَاجِعِ الشَّارِحَ، تَعَرَّضَ لها؟ أو العِينِيُّ؟
(القَارِئُ) ما تَعَرَّضَ، أَحسَنَ اللهُ إِليكَ.
(الشَّيخُ): ما الشَّاهِدُ مِنْ هَذَا البَابِ؟ (^٢)
(القَارِئُ): يَعْنِي بَقِيَّةَ الحَدِيثِ.
_________________
(١) ورواه مسلم (١٩٣).
(٢) مشاروة من سماحته للطلبة شحذًا لأذهانهم.
[ ٣٢٥ ]
(الشَّيخُ): ماذا عنَدَكُم يَا إِخوَانُ؟ فيه شَاهِدٌ لِكَلَامِهِ؟
(القَارِئُ) لا، هَذَا ما فيهِ شَيءٌ.
(الشَّيخُ): والتَّعلِيمُ ما يَكُونُ بِالكَلَامِ؟ «وعَلَّمَكَ أسمَاءَ كُلِّ شَيءٍ»، هَذَا الشَّاهِدُ، تَعلِيمُ اللهِ آدَمَ أَسمَاءَ كُلِّ شَيءٍ ما يَكُونُ بِالكَلَامِ؟
(القَارِئُ): التَّرجَمَةُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذِه إِشَارَةٌ لِلكَلَامِ، قَصدُهُ الكَلَامُ، جِنسُ الكَلَامِ يَعْنِي؛ لأنَّ هَذَا ما فيه شَيءٌ يَتَعَلَّقُ بمُوسَى ﵇، فَالظَّاهِرُ أَنَّه أَرَادَ جِنسَ الكَلَامِ مع اسْتِشهَادِهِ بِتَكلِيمِ اللهِ لمُوسَى، مِثلمَا تَقَدَّمَ: كَلَامُ اللهِ لِأهلِ الجَنَّةِ ولِأهلِ المَوقِفِ. أَرَادَ مِنْ هَذَا: «وعَلَّمَكَ أَسمَاءَ كُلِّ شَيءٍ».
٧٥١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَالِكٍ (^١)، يَقُولُ: «لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ، أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، فَقَالَ أَوَّلُهُمْ: أَيُّهُمْ هُوَ؟ فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ: هُوَ خَيْرُهُمْ، فَقَالَ آخِرُهُمْ (^٢):
_________________
(١) كذا في «الفتح» وفي «عمدة القارئ»، وفي نسخة شعيب الأرنؤوط: «سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ». وقال سماحته ﵀: سقط أنس، أنس بن مالك، معروف.
(٢) كذا في «عمدة القارئ» وغيره، وفي «الفتح»: «فَقَالَ أَحَدُهُمْ».
[ ٣٢٦ ]
خُذُوا خَيْرَهُمْ، فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى، فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ، فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ، حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ. ثُمَّ أُتِيَ (^١) بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ - يَعْنِي: عُرُوقَ حَلْقِهِ - ثُمَّ أَطْبَقَهُ. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا، فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِيَ مُحَمَّدٌ. قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ، لَا يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ فِي الأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ، فَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنيَا آدَمَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ، وَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِي، نِعْمَ الِابْنُ أَنْتَ، فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنيَا بِنَهَرَيْنِ يَطَّرِدَانِ، فَقَالَ: مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَانِ النِّيلُ وَالفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا، ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاءِ، فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ،
_________________
(١) كذا في «عمدة القارئ» وغيره، وفي «الفتح»: «ثُمَّ أَتَى».
[ ٣٢٧ ]
فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ أَذْفَرُ، قَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ الَّذِي خَبَأَ لَكَ رَبُّكَ. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَتِ المَلَائِكَةُ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ الأُولَى مَنْ هَذَا، قَالَ جِبْرِيلُ: قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، وَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتِ الأُولَى وَالثَّانِيَةُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى الرَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ، فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ، فَوَعَيْتُ مِنْهُمْ إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظِ اسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ (^١).
فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ تَرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدًا، ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ المُنْتَهَى، وَدَنَا الجَبَّارُ رَبُّ العِزَّةِ، فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ (^٢): خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ
_________________
(١) كذا في «عمدة القارئ» وغيره، وفي «الفتح»: «بِفَضْلِ كَلَامِهِ للَّهِ».
(٢) كذا في «عمدة القارئ» وغيره، وفي «الفتح»: «فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى خَمْسِينَ صَلَاةً».
[ ٣٢٨ ]
حَتَّى بَلَغَ مُوسَى، فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَاذَا عَهِد إِلَيْكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ. فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ: أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ. فَعَلَا بِهِ إِلَى الجَبَّارِ، فَقَالَ وَهُوَ مَكَانَهُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ هَذَا. فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى، فَاحْتَبَسَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الخَمْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمِي عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذَا فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ، فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أَجْسَادًا وَقُلُوبًا وَأَبْدَانًا وَأَبْصَارًا وَأَسْمَاعًا، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ، كُلَّ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ، وَلَا يَكْرَهُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَرَفَعَهُ عِنْدَ الخَامِسَةِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ أُمَّتِي ضُعَفَاءُ أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ فَخَفِّفْ عَنَّا. فَقَالَ الجَبَّارُ: يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْكَ فِي أُمِّ الكِتَابِ. قَالَ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَهِيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الكِتَابِ، وَهِيَ خَمْسٌ عَلَيْكَ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: خَفَّفَ عَنَّا، أَعْطَانَا
[ ٣٢٩ ]
بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا. قَالَ مُوسَى: قَدْ وَاللَّهِ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضًا. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا مُوسَى، قَدْ وَاللَّهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ. قَالَ: فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ قَالَ: وَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ» (^١).
وهَذَا خَبرٌ عَظِيمٌ وهو خَبرُ الْمِعرَاجُ، جَاءَ من عِدَّةِ رِوَايَاتٍ ذَكَرَهَا الْمُؤلِّفُ وغَيرُهُ عن شَريكِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أَبِي نَمرٍ، «ولِشرِيكٍ» ﵀ أَوهَامٌ في هَذَا عندَ أَهْلِ العِلْمِ: منها قَولُهُ: «قَبلَ أن يُوحَى إِلَيه». والمِعرَاجُ بعدَ الوَحِيِ بِمَدَّةٍ طَوِيلَةٍ بِعشرِ سِنِينَ.
ومنها قَولُهُ: «وهو نَائِمٌ ثم اسْتَيقَظَ». والذي عند أَهْلِ السُّنَّةِ وجَاءَتْ به الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أنَّ كُلَّ ذَلكَ كَانَ في حَالِ اليَقَظَةِ، أُسرِيَ به حَالَ اليَقظَةِ، وعُرجَ به في حَالِ اليَقَظَةِ، مع جَبرَائِيلَ ﵊.
ومِن أَوهَامِهِ أَيضًا: أَنَّه شَكَّ في مَنَازِلِ الأَنبِياءِ ﵈، فَجَعَلَ إِدرِيسَ ﵊ في الثَّانِيةِ، ومُوسَى ﵊ في السَّابِعَةِ، وهَذَا خِلَافُ الصَّوابِ. والصَّوَابُ أن مُوسَى ﵊ في السَّادِسَةِ، وهَارُونَ ﵊ في الخَامِسَةِ، وإِدرِيسَ ﵊ في الرَّابِعَةِ، وإِبرَاهِيمَ ﵊ هو الذي في السَّابِعَةِ عَلَيهِم الصلاة والسلام.
_________________
(١) ورواه مسلم (١٦٢).
[ ٣٣٠ ]
ومِن أَوهَامِهِ العَظِيمَةِ أَيضًا: قَولُه في الجَبَّارِ: ﴿فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٨، ٩].
والصَّوَابُ: أنَّ هَذَا هو جَبرَائِيلِ ﵊ كما قَالَ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥].
شَدِيدُ القُوَى هو جَبرَائيِلَ ﵊: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾ [النجم: ٦، ٧]، كُلُّ هَذَا جَبرَائِيلُ، قالت عَائِشَةُ ﵂: سَألتُ النَّبيَّ ﷺ عن ذَلكَ فَقَالَ: «هو جَبرَائِيلُ» (^١).
واللهُ فَوقَ ذَلكَ، فَوقَ العَرشِ، وليس هو الذي تَدَلَّى إلى مُحَمَّدٍ، وإِنَّما تَدَلَّى إليه جَبرَائِيلُ. وقد بَسطَ العَلَّامَةُ ابنُ القَيِّمِ وشَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ وجَمَاعَةٌ آخَرُونَ الكَلَامَ في هَذَا، وأَوضَحُوا أَوهَامَ شَرِيكٍ، وذَكرَ بَعضَهَا الحَافِظُ هنا في الشَّرحِ، وذَكَرَ غَيرُهُ ذَلكَ.
عَفَا اللهُ عنكَ، شَارِحُ «الطَّحَاوِيَّةِ» يَقُولُ: التَّدَلِّي في سُورَةِ النَّجمِ غَيرُ التَّدَلِّي في حَالَةِ الإِسرَاءِ؟
لا، غَلَطٌ، هو غَلطٌ. الصَّوابُ الذي ذَكَرَهُ أَهْلُ العِلمِ، شَرِيكٌ هو الذي في سُورَةِ النَّجمِ، وهو الذي وَهِمَ فيه شَريكٌ، وَأصَابَ فيه غَيرُهُ، أمَّا اللهُ فهو في مَكَانِهِ وهو على عَرشِهِ مِنْ غَيرِ تَدَلٍّ، وإنما الذي تَدَلَّى وتَكَلَّمَ معه هو جَبرَائِيلُ ﵊.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٧) (١٧٧).
[ ٣٣١ ]
هل فَضلُهُم في المَنزِلَةِ كَفضلِهِم في السَّمَوَاتِ؟
مُحتَمِلٌ، لا شَكَّ أنَّ إِبرَاهِيمَ ﵊ أَفضَلُهُم، ومُوسَى ﵊ كذَلكَ بعدَ إِبرَاهِيمَ ﵊، أمَّا البَاقُونَ فهو محَلُّ نَظرٍ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، ما فَسَّرَ القَصرَ الذي بِاللُّؤلُؤِ والزَّبَرجَدِ؟
جاء في بِعْضِ الأَحَادِيثِ أَنَّه قَصرُهُ ﵊، وَأنَّه هو الوَسِيلَةُ.
قَولُهُ: «فَقَالَ وهو مَكَانَهُ». يَعُودُ إلى النَّبيِّ ﷺ؟
يَعْنِي: على العَرشِ، يَعُودُ إلى الرَّبِّ.
قَولُهُ: «فقال وهو مَكَانهُ: يا رَبِّ خَفِّفْ عنا»؟
مُحتَمِلٌ، مُحتَمِلٌ نعم، فَقَالَ: هو اللهُ الذي في مَكَانِهِ؛ لِأنَّه جَاءَه في الْمَرَّاتِ الأُولَى، وهو أَظهَرُ.
ويَحتَمِلُ النَّبيَّ ﷺ في مَكَانٍ مُعَيَّنٍ تَكَلَّمَ فيه، مِثلُ ما جَاءَ في رِوَايَةٍ: «في دَارِهِ، يا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي»، الرِّوَايَةُ السَّابِقةُ في الشَّفَاعةِ.
الرَّازِيُّ قَالَ هَذَا: مِنْ أَوهَامِ شَرِيكٍ: «وهو مَكَانَهُ»، وأَنكَرَ المَكَانَ؟
مُحتَمِلٌ، ولا هو صَرِيحٌ، هَذَا ما هو وَاضِحٌ في التَّوهِيمِ يَعْنِي.
قَولُهُ هنا: «في قَصْرٍ مِنْ لُؤلُؤٍ وزَبَرجَدٍ فَضَربَ يَدَهُ فإذا هو مِسكٌ أَذفَرُ». ما المَقصُودُ؟
ضَربَ بِيدِهِ في النَّهرِ، هَذَا الْمُرادُ.
الرَّسُولُ ﷺ؟
إي نعم.
* * *
[ ٣٣٢ ]