٧٥٤١ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا تَرْجُمَانَهُ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأَهُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ، عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى هِرَقْلَ، وَ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]» الآيَةَ (^١).
٧٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَقال رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ﴾ [البقرة: ١٣٦]» الآيَةَ.
٧٥٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ
_________________
(١) ورواه مسلم (١٧٧٣).
[ ٣٩٢ ]
وَامْرَأَةٍ مِنَ اليَهُودِ قَدْ زَنَيَا، فَقَالَ لِلْيَهُودِ: «مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا؟»، قَالُوا: نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا، قَالَ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، فَجَاءُوا، فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ: يَا أَعْوَرُ، اقْرَأْ فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، قَالَ: «ارْفَعْ يَدَكَ»، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهِ آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّا نَتَكَاتَمُهُ (^١) بَيْنَنَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا، فَرَأَيْتُهُ يُجَانِئُ عَلَيْهَا الحِجَارَةَ (^٢).
والمَقْصُودُ: من هَذَا أنَّ اليَهُودَ قَومٌ بُهْتٌ، وقَومُ كَذِبٍ؛ ولِهذَا غَضِبَ اللهُ عَلَيهِم بِسَبَبِ تَغيِيرِهِم وتَحرِيفِهِم وتَبدِيلِهِم، وكِتمَانِهِم بَعضَ ما أُنْزِلَ إليهِم، ومِن ذَلكَ الرَّجمُ، فهم يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عن مَوَاضِعِهِ، فَيزِيدُونَ ويُنقِصُونَ، ويَكتبُونَ أَشيَاءَ ويَقُولُونَ: إنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ؛ ولِهذَا غَضِبَ اللهُ عَليهم ومَقَتَهُم، ومن ذَلكَ عَمَلُهُم في الرَّجمِ كِتمَانُهُم آيَةَ الرَّجمِ وتَغِييرُهُم الحَدَّ الشّرعيَّ بِالتَّسخِيمِ: وهو تَسوِيدُ الوُجُوهِ وإِخزَاؤُهم بأن يُركِبُوهُم على دَابَّةٍ مَنكُوسينَ ويُطَافُ بهم في البَلَادِ.
فهَذَا مِنْ تَغييرِهِم وتَحرِيفِهِم وتَبدِيلِهِم، ولِهذَا نُهينَا أن نُصَدِّقَهُم، لا نُصَدِّقُهُم ولا نُكَذِّبُهُم، لأنهم ما يؤمَنونَ، ونَقُولُ: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ
_________________
(١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «نُكَاتِمُهُ».
(٢) ورواه مسلم (١٦٩٩).
[ ٣٩٣ ]
إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، كما قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ [العنكبوت: ٤٦].
فالمَعنَى: نُصَدِّقُ الحَقَّ ولا نُصَدِّقُ البَاطِلَ، وهم قد يَقُولُونَ البَاطِلَ وقد يَقُولُونَ الحَقَّ فلا نُصَدِّقُهُم ولا نُكَذِّبُهُم؛ لأنَّهُم قد يَقُولُونَ حَقًّا فَنُكَذِّبُهُ، وقد يَقُولُونَ بَاطِلًا فَنُصَدِّقُه؛ فلِهذَا أَرشَدَنا ﵊ إلى أنَّنَا لا نُصَدِّقُهم ولا نُكَذِّبُهم، بل نَقُولُ: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾
مَنْ هُمْ أَهْلُ الذِّمةِ؟
اليَهُودُ والنَّصَارَى والْمَجُوسُ الَّذِينَ ضُرِبَتْ عَليهِمُ الجِزيَةُ، أَهْلُ الذِّمَّةِ مَنْ ضُرِبَت عَلَيهمُ الجِزْيةُ مِنْ اليَهُودِ والنَّصَارَى والْمَجوسِ يُقالُ لهُم أَهْلُ الذِّمَّةِ.
تَحرِيفُ اليَهُودِ للتَّورَاةِ لَفظِيٌّ أَوْ مَعنَوِيٌّ؟
ظَاهِرُ القُرآنِ أَنَّه لَفظِيٌّ ومَعنَوِيٌّ، بِالكِتمَانِ والزِّيَادَةِ والنَّقصِ، كمَا قالوا فيه ذَكَرُوا عنه أَنَّه أَمرَ إِبرَاهِيمَ أن يَذبَحَ ابْنَهُ -بِكرَهُ- فَزَادُوا فيه إِسْحَاقَ. والصَّوَابُ إِسمَاعِيلُ، ولهم تَحرِيفَاتٌ كَثِيرةٌ مَعرُوفَةٌ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.
المَجُوسُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ؟
من أَهْلِ الذِّمَّةِ، ولَيسُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، أَهْلُ الكِتَابِ اليَهُودُ والنَّصَارَى، لكنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَلحَقَ بِهمُ الْمَجُوسَ فِي أَخذِ الجِزيَةِ.
[ ٣٩٤ ]
ذَبِائِحُهُم كَذَبَائِحِ أَهْلِ الكِتَابِ؟
لا، الجِزيَة فَقَطْ، أمَّا ذَبَائِحُهُم مُحَرَّمةٌ ونِسَاؤُهم مُحَرَّمةٌ، لَيسوا مِثلَ أَهْلِ الكِتَابِ.
أَهْلُ الكِتَابِ يُحكَمُ فِيهِمْ بِكُتُبِهِم؟
لا، بِالقُرآنِ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولكن يُحتَجُّ عَلَيهِم بما كَتَمُوهُ، وَأنَّه مُوَافِقٌ للقُرآنِ، التَّورَاةُ وَافَقَت القُرآنَ في هَذَا.
* * *
[ ٣٩٥ ]