٧٥٣٤ - حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الوَلِيدِ، ح وَحَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَسَدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ العَيْزَارِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (^١).
وهَذَا وَاضِحٌ في أَنَّه سَمَّى الصَّلَاةَ عَمَلًا؛ لأن السَّائِلَ سَأَلَ: أَيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ؟ فَأَجَابَ: «الصَّلَاةُ على وَقتِهَا». فهَذَا يَدُلُّ على أَنَّها مِنْ العَملِ الذي يُنسَبُ إلى العَبدِ، كما يُنسَبُ إِليه صَومُهُ، وصَدَقَتُهُ، وحَجُّهُ، وبَيعُهُ، وشِرَاؤُهُ، وذَهَابُهُ ومَجِيئُهُ، إلى غَيرِ ذَلكَ.
ولِهذَا رَتَّبَ اللهُ سُبحَانَهُ الجَزَاءَ على الأَعمَالِ؛ لِأَنَّهَا أَعمَالُهُم، سَعيُهُم،
_________________
(١) ورواه مسلم (٨٥).
[ ٣٨١ ]
كَسبُهُم: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ فَرتَّبَ اللهُ سُبحَانَهُ الجَزَاءَ على الأَعمَالِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وقال سُبحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم: ٣١]. فاللهُ خَالِقُ العَبدِ وخَالِقُ أَعمَالِهِ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]، فاللهُ خَالِقُ العِبَادِ وخَالِقُ أَعمَالِهِم ومُقَدِّرُ أَرزَاقِهِم وجِمِيعِ شُؤونِهِم.
وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «الصَّلَاةُ على وَقتِهَا»، قُلتُ: ثم أَي؟. قَالَ: «بِرُّ الوَالِدَينِ» قلت: ثم أَي؟. قَالَ: «الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ» (^١)، فَجعَلَ الصَّلَاةَ على وَقتِهَا قَبلَ كُلِّ شَيءٍ؛ لأنَّ أَدَاءَهَا في الوَقتِ فَرضٌ لا بُدَّ منه، وتَأخِيرُهَا لا يَجُوزُ، وتَعَمُّدُ تَأخِيرِهَا عن الوَقتِ كُفرٌ وضَلَالٌ. وقِيلَ: كُفرٌ أَكبَرُ كمَا هو الصَّحِيحُ، وقِيلَ: كُفرٌ دُونَ كُفرٍ إذا كَانَ لا يَجحَدُ وُجُوبَهَا، فعُلِمَ بذَلكَ أنَّ شَأنَهَا عَظِيمٌ، وأنها عَمُودُ الإِسلَامِ كمَا في حَدِيثِ مُعَاذٍ ﵁، وأنَّ تَركْهَا كُفرٌ.
وفي حَدِيثِ عُمرَ ﵁ كما قَالَ نَافِعٌ ﵁: كَانَ عُمرُ ﵁ يَكتُبُ إلى عُمَّالِهِ -أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁- كَانَ يَكْتبُ إلى عُمَّالِهِ -يَعْنِي: إلى أُمرَائِهِ- ويَقُولُ: إن أَهَمَّ أَمرَكُم عندي الصَّلَاةُ، فمن حَفِظَهَا حِفِظَ دِينَهُ، ومَن ضَيَّعَهَا فهو لِمَا سِوَاهَا أَضيِعُ، يَعْنِي فهو إلى غَيرِهَا أَشَدُّ إِضَاعَةً.
ويَشهَدُ لِهذَا المَعنَى ما رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ بِإسنَادٍ صَحِيحٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: ذَكرَ النَّبيُّ ﷺ الصَّلَاةَ يَومًا بينَ
_________________
(١) رواه البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥) (١٣٩).
[ ٣٨٢ ]
أَصحَابِهِ فَقَالَ: «مَنْ حَافظَ عليها كَانَتْ له نُورًا وبُرهَانًا ونَجَاةً يَومَ القِيَامَةِ، ومَن لم يُحَافِظْ عليها لم يَكُنْ له نُورٌ ولا بُرهَانٌ ولا نَجَاةٌ، وحُشِرَ يَومَ القِيَامةِ مع فِرعَونَ وهَامَانَ وقَارُونَ وأُبَيِّ بنِ خَلَفٍ» (^١).
فهَذَا يَدُلُّ على عِظَمِ شَأنِهَا، وأنَّ حِفظَهَا هو طَرِيقُ النَّجَاةِ، وأنَّ إِضَاعَتَهَا هو طَرِيقُ الهَلَاكِ.
قال بَعضُ أَهْلِ العِلمِ: وإِنَّماَ يُحشَرُ مَنْ ضَيَّعَ الصَّلَاةَ مع فِرعُونَ وقَارُونَ وهَامَانَ وَأُبَيِّ بنِ خَلفٍ؛ لأنَّ مَنْ ضَيَّعَهَا إمَّا أن تَكُونَ إِضَاعَتُهُ لها بِأَسبَابِ الرِّيَاسَةِ والْمُلْكِ والإِمَارَةِ؛ فَيكُونُ شَبِيهًا بِفرْعَونَ، حَمَلَهُ مُلكُهُ ورِيَاسَتُهُ على أن طَغَى وبَغَى وتَكَبَّرَ عن الحَقِّ.
وإمَّا أن تَكُونَ الأَسبَابُ لِشُغلِهِ بِالوُظيفَةِ والوزَارَةِ فَيكُونُ شَبِيهًا بِهَامَانَ وَزِيرِ فِرعَونَ، شَغَلَهُ ما هو فيه مِنْ وَزَارَةٍ والأَعمَالِ الوَظِيفِيَّةِ عن الإِجَابةِ إلى مُوسَى ﵇ والمُوَافَقَةِ لِمَا دَعَا إليه.
وإما أن يَتركَهَا مِنْ أَجلِ المَالِ والشَّهَوَاتِ وما أَعطَاهُ اللهُ مِنْ رَفَاهَةِ العَيشِ؛ فَيكُونُ شَبِيهًا بِقَارُونَ الذي أَعطَاهُ اللهُ أَموَالًا عَظِيمَةُ وتَكَبَّرَ بِسبَبِ ذَلكَ وبَغَى؛ فلم يُجِبْ إلى الحَقِّ؛ فَخسَفَ اللهُ به وبِدَارِهِ الأَرضَ، فهو يَتَجَلجَلُ فيهَا إلى يَومِ القِيامَةِ هو ودَارُهُ.
وإما أَنْ يَكُونَ المَانِعُ لَه شُغلَهُ بِأعمَالِ التِّجَارةِ والبَيعِ والشِّرَاءِ؛ فَيكُون شَبِيهًا بِأُبَيِّ بنِ خَلفٍ تَاجرِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَيُحشَرُ معه إلى النَّارِ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.
_________________
(١) رواه أحمد في «المسند» (٦٥٧٦)، وأورده الهيثمي في «المجمع» (١/ ٢٩٢)، وقال: رواه أحمد والطبراني في «الكبير»، و«الأوسط» ورجال أحمد ثقات.
[ ٣٨٣ ]
وبهَذَا يُعلَمُ أنَّ الْمُحَافَظَةَ على الصَّلَاةِ مِنْ أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ ومِن أَعظَمِ الفَرَائضِ؛ ولِهذَا قَالَ ﷿: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ٩ - ١١] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾ [المعارج: ٣٤، ٣٥]. فهَذَا يَدُلُّ على أن الصَّلَاةَ هي المِيزَانُ، وأنَّ الْمُتَخَلَّفَ عنها قد تخلَّفَ عن كُلِّ خَيرٍ، وأنَّ الْمُحَافِظَ عليها قد أَدرَكَ كُلَّ خَيرٍ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، حَدِيثُ: «لا خَيرَ في دِينٍ لا صَلَاةَ فيه»؟
لا أَعرِفُهُ، ولكن جَاءَ مَعنَا في وَفدِ أَهْلِ الطَّائفِ، لكن قَرِيبٌ مِنْ هَذَا المَعنَى، لِمَّا اشْتَرَطُوا أَلَّا يُصَلُّوا.
* * *
[ ٣٨٤ ]