كما أن الرفض أول من عرف من دعاته يهودي ماكر حاقد، وهو ابن سبأ، يقال له: ابن السوداء، واسمه: عبد الله بن وهب بن سبأ، من يهود صنعاء، ولا بد أن هؤلاء الأفراد الذين شهروا بدعواتهم المنحرفة، وراءهم من يدعمهم، ويخطط لهم، وهذا الموضوع بحاجة إلى دراسة فاحصة، تبين الأمر بوضوح، وهذا الذي أشرت إليه تدل عليه كثير من الوقائع، والآثار عن السلف، وغيرهم.
فكان هذا هو سبب التفرق الحقيقي، إذ هو تفرق في الاعتقاد، وهو منشأ الخلافات، والحروب الكلامية الممزقة، التي لم تزل تنخر في كيان المسلمين إلى يومنا هذا.
وقد ينضم إلى ذلك عوامل جديدة في كل فترة زمنية، من أنواع الإلحاد ومحاربة الإسلام بأساليب شتى وأسلحة مختلفة، مقروءة ومرئية ومسموعة، ولولا أن الله - تعالى - تكفل ببقاء هذا الدين إلى آخر وقت من الدنيا، لقضي عليه منذ زمن بعيد، وهذا بالإضافة إلى ما هو كامن في طباع البشر مما يبعدهم عن الحق، مثل التقليد، واتباع المألوفات، وما يكون عليه رؤساء القوم وعظماؤهم، كما ذكر الله تعالى عن الأمم السابقة مع أنبيائهم، قال تعالى:
﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴿٢١﴾ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ﴿٢٢﴾ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴿٢٣﴾ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ (١) .
فهذا يدل على أن الإنسان يصعب عليه ترك المألوف له، كما أن شيخه ومن يعظمه قد يسيطر على توجيهه إلى ما يعتقده، كما هي طريقة المتكلمين حيث يأخذون بآراء شيوخهم ومعظميهم، مع مخالفتها لكتاب الله وسنة رسوله.
ومن ذلك الجهل، واتباع الهوى، كما هو حال أكثر الخوارج، فإنهم
_________________
(١) الآيات ٢٠-٢٤ من سورة الزخرف.
[ ١ / ١٢ ]
جهلوا معاني الكتاب، وأرادوا من عموم الأمة أن لا يكون لهم ذنوب، وإلا أصبح عندهم كافرًا مخلدًا في النار.
وأما الهوى فبابه واسع، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ (٢)
إلى غير ذلك من الدوافع نحو الانحراف، وسأذكر شيئا مما ذكره أهل العلم يؤيد ما ذكر هنا:
قال شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى -: " وقد روي أن أول من ابتدع ﴿القول بنفي القدر﴾ بالعراق رجل من أهل البصرة يقال له: سيسويه، من أبناء المجوس، وتلقاه عنه معبد الجهني" (٣) .
وقال الإمام ابن حزم: " الأصل في أكثر خروج هذه الطوائف عن ديانة الإسلام: أن الفرس كانوا من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم، وجلالة الخطر في أنفسهم، حتى إنهم يسمون أنفسهم: الأحرار، والأبناء، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم، على أيدي العرب، وكانت العرب أقل الأمم عند الفرس خطرًا، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة، في أوقات شتى، ففي كل ذلك يظهر الله – ﷾ – الحق، وكان من قائمتهم "منقاذ" و"المقنع" و"استابين"،
_________________
(١) الآية ٢٣ من سورة الجاثية.
(٢) الآية ٥٠ من سورة القصص.
(٣) "مجموع الفتاوى" (٧/٣٨٤)، وذكره المقريزي في "الخطط" (٣/٣٦٠)، وسيأتي، وأما ما ذكره أبو لبابه حسين في كتابه "موقف المعتزلة من السنة" أن معبدًا أخذ مقالته عن نصراني من أهل العراق أسلم ثم تنصر، نقلًا عن أدب المعتزلة، ففيه نظر، إذ هو خلاف المشهور.
[ ١ / ١٣ ]
و"دبابك" (١) وغيرهم، وقبل هؤلاء رام ذلك عمار الملقب "خداشا"، و"أبو مسلم السراج".
فرأوا أن كيده على الحيلة أنجع، فأظهر قوم منهم الإسلام، واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل بيت رسول الله –ﷺ- واستشناع ظلم (٢) علي﵁- ثم سلكوا بهم مسالك شتى، حتى أخرجوهم عن الإسلام، فقوم منهم أدخلوهم إلى القول بأن رجلًا ينتظر يدعى المهدي، عنده حقيقة الدين، إذ لا يجوز أن يؤخذ من هؤلاء الكفار.
وقوم خرجوا إلى نبوة من ادعوا له النبوة.
وقوم سلكوا بهم المسلك الذي ذكرنا، من القول بالحلول، وسقوط الشرائع. وآخرون تلاعبوا بهم، فأوجبوا عليهم خمسين صلاة في كل يوم وليلة.
وآخرون قالوا: بل هي سبع عشرة صلاة، في كل صلاة خمس عشرة ركعة.
وهذا قول عبد الله بن عمرو بن الحارث الكندي: قبل أن يصير خارجيًا صفريًا (٣) .
_________________
(١) هذه الأسماء فيها اختلاف بين النسختين من "الفصل" المحققة والمطبوعة سابقًا، ففي القديمة "ستقادة" و"استاسيس" والملقب بـ " خداش" و"أبو مسلم السراج" ولم يشر المحققان إلى هذا الاختلاف.
(٢) لم يقع على علي بن أبي طالب ظلم من الصحابة كما زعمته الرافضة، وإنما هو شيء اختلق للتشنيع والوصول إلى المقصد الخبيث.
(٣) يجوز أن يكون عبد الله هذا يهوديًا، لم يشف حقده ما فعله من إفساده دين من أفسد دينه، فدخل في الخوارج ليروي ظمأ حقده بدماء المسلمين، فالله أعلم.
[ ١ / ١٤ ]
وقد سلك هذا المسلك أيضًا عبد الله بن سبأ الحميري اليهودي (١)، فإنه لعنه الله، أظهر الإسلام ليكيد أهله، فهو كان أصل إثارة الناس على عثمان – ﵁- وحرق علي بن أبي طالب طوائف أعلنوا بإلهيته.
ومن هذه الأصول الملعونة، حدثت الإسماعيلية، والقرامطة، وهما طائفتان مجاهرتان بترك الإسلام جملة، قائلتان بالمجوسية المحضة، ثم مذهب مزدك الموبذ، الذي كان على عهد أنو شروان بن قباذ، ملك الفرس، وكان يقول بوجوب تساوي الناس في النساء، والأموال.
قال أبو محمد: " فإذا بلغ الناس إلى هذين الشعبين أخرجوهم عن الإسلام كيف شاؤوا إذ هذا هو غرضهم فقط" (٢) .
وهذا الذي ذكره أبو محمد ابن حزم – ﵀ – ظاهر في أنه كان هناك جمعيات تنظيمية تخطط لهدم عقيدة المسلمين، بشتى الوسائل.
قال البخاري – رحمه الله تعالى -: " حدثنا محمد بن عبد الله – أبو جعفر البغدادي- قال: سمعت أبا زكريا، يحيى بن يوسف الزمي، قال: كنا عند عبد الله ابن إدريس، فجاءه رجل، فقال: يا أبا محمد، ما تقول في قوم يقولون: القرآن مخلوق؟ فقال: أمن اليهود؟ قال: لا، قال: فمن النصارى؟ قال: لا، قال: فمن المجوس؟ قال: لا، من أهل التوحيد، قال: ليس هؤلاء من أهل التوحيد، هؤلاء
الزنادقة من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن الله مخلوق، يقول الله – تعالى-: بسم الله الرحمن الرحيم، فالله لا يكون مخلوقًا، والرحمن لا يكون مخلوقًا، والرحيم لا يكون مخلوقًا.
_________________
(١) إن فعل هذين الرجلين يدلنا على أن هناك منظمات تتعاون على حرب الإسلام من اليهود والمجوس وغيرهم، كما أشرت إليه قبل ذلك.
(٢) "الفصل" (٢/١١٥-١١٦) وانظر "المحققة" (٢/٢٧٣-٢٧٤) .
[ ١ / ١٥ ]
وهذا أصل الزندقة، من قال هذا فعليه لعنة الله، لا تجالسوهم، ولا تناكحوهم" (١) .
وقال أبو سعيد الدارمي – رحمه الله تعالى -: " لم يزل ﴿أهل الباطل﴾ مقموعين أذلة، مدحورين، حتى كان الآن بآخرة، حيث قلت الفقهاء، وقبض العلماء، ودعا إلى البدع دعاة الضلال، فشد ذلك طمع كل متعوذ في الإسلام من أبناء اليهود، والنصارى، وأنباط العراق، ووجدوا فرصة للكلام، فجدوا في هدم الإسلام، وتعطيل ذي الجلال والإكرام، وإنكار صفاته وتكذيب رسله، وإبطال وحيه، إذ وجدوا فرصتهم، وأحسوا من الرعاع جهلًا، ومن العلماء قلة، فنصبوا عندها الكفر للناس إمامًا، بدعوتهم إليه، وأظهروا لهم أغلوطات من المسائل، وعمايات من الكلام، يغالطون بها أهل الإسلام، ليوقعوا في قلوبهم الشك، ويلبسوا عليهم أمرهم ويشككوهم في خالقهم، مقتدين بأئمتهم الأقدمين" (٢) .
وقال البخاري: " حدثني أبو جعفر، حدثن يحيى بن أيوب، قال: سمعت أبا نعيم البلخي، قال: كان رجل من أهل "مرو" صديقًا للجهم، ثم قطعه وجفاه، فقيل له: لم جفوته؟ فقال: جاء منه ما لا يحتمل، قرأت يومًا آية كذا وكذا – نسيها يحيى- فقال: ما كان أظرف محمدًا، فاحتملتها، ثم قرأ سورة طه، فلما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣)، قال: أما والله لو وجدت سبيلًا إلى حكها لحككتها من المصحف، فاحتملتها، ثم قرأ سورة القصص فلما انتهى إلى ذكر موسى، قال: ما هذا؟ ذكر قصته في موضع فلم يتمها، ثم ذكرها هاهنا فلم يتمها، ثم رمى المصحف من حجره برجليه، فوثبت عليه" (٤) .
_________________
(١) "خلق أفعال العباد" (ص٣٠) .
(٢) "الرد على الجهمية" (ص٢٥٩) "عقائد السلف".
(٣) الآية ٥ من سورة طه.
(٤) "خلق أفعال العباد" (ص٤٦)، وانظر: "عقائد السلف" (١٢٨-١٢٩) .
[ ١ / ١٦ ]