وقال أحمد أمين في كلامه على ابن سبأ: "والذي يؤخذ من تاريخه، أنه وضع تعاليم لهدم الإسلام، وألف جمعية سرية لبث تعاليمه، واتخذ الإسلام ستارًا يستر به نياته". (١)
وذكر الطبري: "أن ابن السوداء لما وصل إلى الشام لقي أبا ذر - ﵁ - فقال له: يا أبا ذر، ألا تعجب لمعاوية، يقول: المال مال الله، ألا إن كل شئ لله، يريد أن يحتجبه دون المسلمين، فذهب أبو ذر إلى معاوية وقال له: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟ ". ثم أتى ابن السوداء أبا الدرداء، فقال له أبو
الدرداء: من أنت؟ أظنك - والله - يهوديًا. وأتى عبادة بن الصامت فأخذه عبادة، وذهب به إلى معاوية، وقال له: هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر". (٢)
فإذا كان هذا اليهودي قد طمع بالصحابة، فكيف بغيرهم؟
ومن استقرأ التاريخ يرى أن أعداء الإسلام لم يدخروا وسعًا في محاولة القضاء عليه، إلى يومنا هذا.
كبريات الفرق الإسلامية
كان من نتائج التآمر على عقيدة المسلمين من جهات متعددة، كما سبقت الإشارة إليه، أن انشطر من الأمة الإسلامية عدة فرق، انحرفت عن الطريق الصحيح، الذي رسمه لها نبيهاﷺ - وأخذت بنيات الطريق، كما سبق في حكم الله القدري الكوني، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿١١٨﴾ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ . (٣)
_________________
(١) "فجر الإسلام" (ص٢٦٩) .
(٢) "تاريخ الطبري" (٤/٢٨٣) .
(٣) الآيتان ١١٨، ١١٩ من سورة هود.
[ ١ / ٢٠ ]
روى ابن جرير عن الحسن"قال: الناس مختلفون على أديان شتى، إلا من رحم ربك، فمن رحم غير مختلفين".
وروي عن مجاهد: قال: "ولا يزالون مختلفين" أهل الباطل، "إلا من رحم ربك"أهل الحق". (١)
وقال: "معنى ذلك: ولا يزال الناس مختلفين في أديانهم، وأهوائهم، على أديان وملل، وأهواء شتى، إلا من رحم ربك، فآمن وصدق رسله، فإنهم لا يختلفون في توحيد الله، وتصديق رسله، وما جاءهم من عند الله". (٢)
وقال ابن كثير: "يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة، من إيمان أو كفران، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ . (٣)
وقوله: " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك" أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم، واعتقاداتهم في مللهم ونحلهم، ومذاهبهم، وآرائهم، إلا المرحومين من أتباع الرسل، الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين الذي جاءت به رسل الله إليهم، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة، لأنهم الفرقة الناجية". (٤)
وقد أخبر النبيﷺ - بوقوع هذا الاختلاف، محذرًا منه، فروى أبو داود، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللهﷺ -: "افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". (٥)
_________________
(١) "تفسير الطبري" (١٥/٥٣٤) ط المعارف.
(٢) المصدر السابق، (ص٥٣٤) .
(٣) الآية ٩٩ من سور يونس.
(٤) "تفسير ابن كثير" (٤/٢٩٠-٢٩١) ملخصًا، ط الشعب.
(٥) "السنن" (٥/٤) رقم (٤٥٩٦)، ورواه الترمذي، "التحفة" (٧/٣٩٧)، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٢/١٣٢١) رقم (٣٩٩١) .
[ ١ / ٢١ ]
ورواه أيضًا من حديث معاوية بن أبي سفيان﵄- قال: قال رسول اللهﷺ -: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب، افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة". (١)
قال ابن كثير: "روي هذا الحديث في "السنن" و"المسانيد" من طرق يشد بعضها بعضًا". (٢)
وأصل الفرق الذي ترجع إليه أربع كما قال طائفة من السلف، وهم الروافض، والخوارج، والقدرية ﴿المعتزلة﴾، والمرجئة، وبعض العلماء يجعلها خمسًا ويدخل أهل السنة، كما قال أبو محمد بن حزم: "فرق المقرين بملة الإسلام
خمس، وهم: أهل السنة، والمعتزلة، والشيعة، والخوارج، والمرجئة، ثم افترقت كل فرقة من هذه على فرق". (٣)
ومراده: غير أهل السنة، فإنهم فرقة واحدة، وهم الذين تمسكوا بكتاب الله واتبعوا سنة رسولهﷺ -.
وقال الطرطوشي: "اعلم أن علماءنا قالوا: أصول البدع أربعة، وسائر الأصناف الاثنتين والسبعين فرقة عن هؤلاء تفرقوا، وتشعبوا. وهم: الخوارج: وهي أول فرقة خرجت على علي بن أبي طالب، والروافض، والقدرية، والمرجئة". (٤)
_________________
(١) "السنن" (٥/٥)، والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو مع بعض الاختلاف في اللفظ، وقال: حديث حسن مفسر، انظر "تحفة الأحوذي" (٧/٣٩٩) .
(٢) "تفسير ابن كثير" (٤/٢٩١) .
(٣) "الفصل" (٢/٢٦٥) .
(٤) "الحوادث والبدع" (ص٣١) .
[ ١ / ٢٢ ]
ومن هذه الفرق تشعبت سائر الفرق، وقد ألف فيها وفي بيان نحلها مؤلفات قديمًا وحديثًا.
وكان من أول هذه الفرق الشيعة، فإنها حدثت في آخر عصر الصحابة، ثم تطور التشنيع إلى الرفض، ومبدأه من ابن سبأ اليهودي، وغيره من المجوس ممن دخل في الإسلام ظاهرًا وفي الباطن هم إما يهود ماكرون، أو مجوس موتورون، قصدهم إفساد الدين الإسلامي، كما تقدم.
فكان الرفض في أوله يسمى التشيع، فاشتهروا بالشيعة-أي شيعة علي بن أبي طالب- وكانوا في زمنه ثلاث فرق:
فرقة تقول: إنه إله، وقد صرحوا له بذلك، فحرق الذين تمكن منهم بالنار.
والثانية: الذين يسبون أبا بكر وعمر﵄- وقد توعد علي - ﵁- من فعل ذلك بأن يقيم عليه الحد- قيل: إنه القتل.
والثالثة: المفضلة، الذين يفضلون عليًا على أبي بكر وعمر، وبقية الصحابة، وقد روي عنه أنه قال: "لا أوتي برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته الحد". (١)
ولما خرج زيد بن علي بن الحسين في أوائل المائة الثانية، سأله الشيعة عن أبي بكر وعمر، فترضى عنهما، وبين أنه يتولاهما، تبرأ منه عند ذلك أكثرهم، فقال: رفضتموني. فسموا: الرافضة، والذين اتبعوه سموا زيدية.
وأما القدرية: فأصلهم-فيما يبدو، والله أعلم- من المجوسية المتعاونة مع اليهودية والنصرانية على حرب الإسلام.
_________________
(١) انظر: "فضائل الصحابة" للإمام أحمد (١/٨٣) .
[ ١ / ٢٣ ]