فأخبر - ﷺ- أنه -تعالى- احتجب عن المخلوقات بحجابه النور، وأنه لو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه، ومعلوم أن بصره لا يفوته شيء، ولا يستره ساتر، ولا يحول دونه حائل.
وفي الترمذي عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله -ﷺ- " إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل" (١) .
فقد جاءت النصوص "بتسمية الرب نورًا، وبأن له نورًا مضافًا إليه، وبأنه نور السماوات والأرض، وبأن حجابه النور، فهذه أربعة أنواع:
فالأول: يطلق عليه -تعالى- اسمًا له، فإنه النور الهادي.
والثاني: يضاف إليه كما تضاف إليه حياته، وسمعه وبصره، وعزته وقدرته وعلمه، ومرة يضاف إليه وجهه الكريم، وأخرى يضاف إلى ذاته المقدسة: فإضافته إلى وجهه -تعالى- كقوله -ﷺ-: " أعوذ بنور وجهك " وقوله: "نور السماوات والأرض من نور وجهه".
وإضافته إلى ذاته المقدسة كقوله -تعالى-: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ (٢) .
_________________
(١) انظر: " تحفة الأحوذي: (٧/٤٠١) وقال: حسن، ورواه أحمد بسند صحيح، انظر: "المسند" (٢/١٧٦)، وانظر: تحقيق أحمد شاكر (١٠/١٢٧)، وأخرجه الحاكم وصححه الذهبي. انظر: "المستدرك" (١/١٠)، وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (١/١٠٧) .
(٢) الآية ٦٩ من سورة الزمر.
[ ١ / ١٧٣ ]
وكما في حديث عبد الله بن عمرو: " أن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره" الحديث.
ويضاف نوره -تعالى- إلى السماوات والأرض، كقوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (١) .
وقوله في هذا الحديث: " أنت نور السماوات والأرض ". وكذا حجابه النور كقوله: " حجابه النور - أو النار-" كما في حديث أبي موسى" اهـ. (٢)
وقال -تعالى-: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ (٣) على القول بأن الضمير يعود إلى الله -تعالى-.
قال ابن القيم: " إضافة النور إلى الله -تعالى- على أحد وجهين:
إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله.
فالأول: كقوله - ﷿ -: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ (٤) فهذا يكون يوم القيامة، تشرق بنوره -تعالى- إذا جاء لفصل القضاء بين عباده.
ومنه قوله في الدعاء المشهور: " أعوذ بنور وجهك الكريم أن تضلني، لا إله إلا أنت" (٥) .
وفي الأثر الآخر: " أعوذ بنور وجهك، الذي أشرقت له الظلمات " (٦) .
_________________
(١) الآية ٣٥ من سورة النور.
(٢) من "الصواعق" ملخصًا (٣٥٩) .
(٣) الآية ٣٥ من سورة النور.
(٤) الآية ٦٩ من سورة الزمر.
(٥) هو الحديث المتقدم ذكره، قال في " الفتح الكبير": خرجه الطبراني. انظر لفظه فيه (١/٢٣٥) .
(٦) تقدم تخريجه قبل قليل.
[ ١ / ١٧٤ ]
فأخبر -ﷺ- أن الظلمات أشرقت لنور وجهه، كما أخبر الله -تعالى- أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره.
الوجه الثاني: ما ذكر في قوله -تعالى-: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ (١)، وقد اختلف على من يعود الضمير في ﴿نوره﴾، فقيل: على محمد -ﷺ- وقيل: على المؤمن، والصحيح عوده على الله -تعالى-.
والمعنى: مثل نور الله في قلب عبده المؤمن، وأعظم عباده نصيبًا من هذا النور رسوله -ﷺ-.
فهذا النور يضاف إلى الله -تعالى- على أن معطيه لعبده، وواهبه، كما يضاف إلى العبد؛ لأنه محله وقابله" اهـ (٢) .
فالله -تعالى- سمى نفسه نورًا، وجعل كتابه نورًا، ورسوله نورًا، ودينه نورًا، واحتجب عن خلقه بالنور، وجعل دار أوليائه في الآخرة نورًا يتلألأ، قال -تعالى-: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣)، قال أبي بن كعب: " بدأ الله بنور نفسه، ثم ذكر نور المؤمن" (٤) .
وفسر بكونه منور السماوات والأرض، وبأنه هادي أهل السماوات والأرض، وهذا لا يمنع أنه -تعالى- في نفسه نور، فإن من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المفسر - بفتح السين - من الأسماء، أو بعض أنواع ذلك المفسر، ولا ينافي ذلك ثبوت بقية الصفات له.
_________________
(١) الآية ٣٥ من سورة النور.
(٢) "اجتماع الجيوش" بتلخيص وتصرف (ص٦) .
(٣) الآية ٣٥ من سورة النور.
(٤) رواه ابن جرير في "تفسيره" (١٨/١٣٥) .
[ ١ / ١٧٥ ]
فبنوره اهتدى أهل السماوات والأرض، وهذا إنما هو فعله، وأما النور الذي هو وصفه فهو قائم به، ومنه اشتق له اسم النور، الذي هو أحد الأسماء الحسنى، كما دلت على ذلك النصوص، فلا يجوز تحريف ذلك بالتأويلات الباطلة.
وأما الأنوار القائمة بأعيان مشاهدة قائمة بأنفسها، فلم تأت إضافتها إلى الله -تعالى- أبدًا، فلا يقال لأنوار المصابيح، أو نور الشمس أو القمر أو الكواكب، إنها نور الله.
والحديث تضمن ثلاثة أمور شاملة عامة للسماوات والأرض:
وهي: ربوبيتهما، وقيوميتهما، ونورهما.
فكونه - سبحانه - ربًا لهما، وقيومًا لهما، ونورًا لهما، أوصاف له -تعالى-، وآثار هذه الأمور الثلاثة قائمة بهما.
فأثر الربوبية: الخلق والإيجاد، وأثر القيومية: صلاحهما، وانتظامهما، وأثر نوره -تعالى- استنارة السماوات، وإشراق الأرض بنوره يوم القيامة.
وأما صفة الربوبية والقيومية، والنور، فهي قائمة به - تعالى - كما أن صفة الرحمة، والقدرة، والإرادة، والرضا، والغضب، قائمة به -تعالى- والرحمة الموجودة في العالم، والإحسان، والخير، والنعمة، والعقوبة، آثار تلك الصفات.
وهكذا علمه -تعالى- القائم به هو صفته، وأما علوم عباده فمن آثار علمه، وقدرتهم من آثار قدرته.
وبذلك يعلم أن قول المعطلة: " كل عاقل يعلم بالبديهة أنه الله - سبحانه - ليس هو هذا النور الفائض من جرم الشمس والقمر والمصابيح، فلا بد من حمل قوله: " أنت نور السماوات والأرض" على معنى أنه منور السماوات والأرض، أو هادي أهل السماوات والأرض " يعلم أنه باطل من جنس تحريفاتهم لسائر صفات الله، كما هو نهجهم.
[ ١ / ١٧٦ ]
ونحن نقول لهم أيضًا: أسأتم الظن بكلام الله، وكلام رسوله -ﷺ- حيث فهمتم أن حقيقته ومدلوله أنه سبحانه هو هذا النور الواقع على الحيطان، وغيرها، وهذا الفهم الفاسد هو الذي أوجب لكم إنكار حقيقة نوره - تعالى - وجحده.
فجمعتم بين الفهم الفاسد، وإنكار المعنى الحق.
وليس ما ذكرتم هو نور الرب -تعالى- القائم به، الذي هو صفته، وإنما هو مخلوق له منفصل عنه، فإن هذه الأنوار المخلوقة، تكون في محل دون محل، فنور الشمس والقمر ينور بعض الأرض لا جملتها، ولا ينور السماوات.
فمن ادعى أن نور الشمس والقمر ونحوهما، هو المراد بقوله -تعالى-: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (١) وقول الرسول -ﷺ-: " أنت نور السماوات والأرض " فقد كذب على الله ورسوله (٢) .
قوله: " وقولك الحق " أي أنت قلته حقًا، فهو صفتك. وما قاله الله -تعالى- فهو صدق وحق، لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، لا في خبره، ولا في حكمه وتشريعه، ولا في وعده ووعيده.
وهذه الجملة هي محل الشاهد من الحديث، حيث وصف قوله -تعالى- بأنه الحق، فلا يجوز أن يكون مخلوقًا، كما تزعم الفرق الضالة من المعتزلة وغيرهم.
قال سفيان في "تفسيره": " إن كل شيء مخلوق، والقرآن ليس بمخلوق، وكلامه أعظم من خلقه؛ لأنه يقول للشيء: كن فيكون، فلا يكون شيء أعظم مما يكون به الخلق، والقرآن كلام الله" (٣) .
وقال أبو ذر - ﵁ -: قال رسول الله -ﷺ-: " قال الله -تعالى-
_________________
(١) الآية ٣٥ من سورة النور.
(٢) هذا مقتبس من كلام شيخ الإسلام. انظر: " مجموع الفتاوى" (٦/٣٧٤) .
(٣) "خلق أفعال العباد " للبخاري (ص١٢٤)، "مجموع عقائد السلف".
[ ١ / ١٧٧ ]