١٣- قال: "حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا حسين المعلم، حدثني عبد الله بن بريدة، عن يحيي بن يعمر، عن ابن عباس، أن النبي -ﷺ - كان يقول: " أعوذ بعزتك، الذي لا إله إلا أنت، الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون".
قوله: "كان يقول" يدل على أنه سمع ذلك من النبي -ﷺ - مرارًا، لما يفهم من لفظة "كان".
وقوله: "أعوذ بعزتك" أعوذ: هو الالتجاء والاعتصام، وحقيقته: الهرب من المخوف إلى المجير العاصم، فالعائذ بالله -تعالى- قد هرب مما يخافه ويؤذيه، أو يهلكه، إلى ربه ومالكه العزيز الذي لا يغالب، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويجير من احتمى به.
فالاستعاذة هي: الالتجاء إلى الله، والاحتماء من شر كل ذي شر، والعوذ يكون لدفع الشر، واللوذ يكون لطلب الخير، كما قال بعض الشعراء:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به فيما أحاذره
وعزة الله -تعالى- صفته، كما تقدم، فالنبي -ﷺ وهو أعلم الخلق بالله وأتقاهم له -يتعوذ بصفاته تعالى؛ لأن ذلك من عبادة الله، بل هو من أفضلها، امتثالًا لقوله -تعالى-: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . ومثل الاستعاذة بصفات الله -تعالى- الحلف بها، كما مر قريبًا.
وقوله: "الذي لا إله إلا أنت" أي أنت الإله الحق، الذي تجب عبادته على عباده، وكل تأله لغيره فهو ضلال، يوجب الشقاء الأبدي، والخلود في النار، فلذلك لا أتوجه بتألهي إلا إليك يا رب، فلا إله لي غيرك، فبك أعوذ، وإليك ألوذ.
[ ١ / ١٥٢ ]
"الذي لا يموت" أي فأنت -يا إلهي- الحي القيوم، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، لا مبدأ لوجودك ولا منتهى لبقائك، وأنت الغني بذاتك عن كل ما سواك، والخلق كلهم فقراء إليك، وكانوا عدما قبل إيجادك إياهم، وهم عرضة للأمراض، والآفات والتغيرات والفناء، وأنت يا رب الباقي وحدك، والخلق كلهم يموتون، فلا رب سواك يتصرف بالخلق كيف يشاء، ويغير ولا يتغير، -جل وعلا-.
قوله: "والجن والإنس يموتون" المقصود بذكر الجن والإنس: جنس الخلق، والمعنى: أن الخلق كلهم يموتون، ولا يبقى إلا الحي القيوم، كما قال-تعالى-:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿٢٦﴾ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (١)، وسمى الجن جنًا لاستتارهم عن أعين الناس، من الاجتنان، كما قال-تعالى-: ﴿يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ (٢)، وأما الإنس فسموا بذلك لأن بعضهم يأنس ببعض غالبًا، أو أنهم يرون ويأنسون، أي يحس بهم ويشاهدون، وذكر الجن والإنس لا ينفي عن الملائكة الموت؛ لأن هذا خاص قصد به الجن والإنس، أو على ما تقدم ذكر الجنس، والمقصود عموم الخلق. وقد جاء ما يدل على هلاك عموم الخلق كقوله-تعالى-: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (٣) .
وقد قيل: إن الملائكة يدخلون في الجن؛ لاجتنانهم واستتارهم عن أعين الناس، والله أعلم.
_________________
(١) الآيتان ٢٦، ٢٧من سورة الرحمن.
(٢) الآية ٢٧ من سورة الأعراف.
(٣) الآية الأخيرة من سورة القصص.
[ ١ / ١٥٣ ]
١٤- قال: "حدثنا ابن أبي الأسود، حدثنا حرمي، حدثنا شعبة، عن قتادة عن أنس، عن النبي -ﷺ - قال: "يلقى في النار " ح
وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، ح.
وعن معتمر، سمعت أبي، عن قتادة، عن أنس، عن النبي -ﷺ - قال: لا يزال يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رب العالمين قدمه فينزوي بعضها إلى بعض، ثم تقول: قد قد، بعزتك وكرمك، ولا تزال الجنة تفضل حتى ينشئ الله لها خلقًا، فيسكنهم فضل الجنة".
أنس هو ابن مالك بن النضير بن ضمضم، الأنصاري، الخزرجي، خادم رسول الله -ﷺ - وأحد المكثرين من الرواية عنه؛ قدم النبي -ﷺ - المدينة وهو ابن عشر سنين، فأتت به أمه إلى رسول الله -ﷺ - وعرضت عليه أن يخدمه، فقبل ذلك النبيﷺ - فلازم النبي في السفر والحضر عشر سنين، ودعا له رسول الله -ﷺ - بأن يكثر ماله وولده، وأن يدخل الجنة، قال أنس: "قد رأيت أثنين، وأنا أرجو الثالثة".
توفي في البصرة سنة ثلاث وتسعين، وله مائة وثلاث سنوات، وهو آخر من مات في البصرة من الصحابة. (١) .
_________________
(١) "الإصابة" (١/١٢٧) .
[ ١ / ١٥٤ ]
قوله: "لا يزال يلقى فيها" الضمير "فيها" يعود إلى جهنم، والمعنى أنه يستمر إلقاء من يستحق النار فيها، وهي تطلب الزيادة منهم، قال الله-تعالى-: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ (١) .
قال ابن كثير: "يخبر -تعالى- أنه يقول لجهنم: هل امتلأت؟ وذلك أنه وعدها أن سيملؤها من الجنة والناس أجمعين، فهو -سبحانه- يأمر بمن يأمر به إليها، ويلقى ﴿فيها﴾ وهي تقول: هل من مزيد؟ أي: هل بقي شيء تزيدني؟ هذا هو الظاهر من سياق الآية، وعليه تدل الأحاديث" (٢) .
يقصد بالأحاديث مثل هذا الحديث، فإن ظاهره أن الاستفهام لطلب الزيادة، وهو الصحيح الذي يدل على ظاهر القرآن، والأحاديث الصحيحة.
قوله: "حتى يضع فيها رب العالمين قدمه"، في رواية: "حتى يضع رب العزة فيها قدمه" وهذه الرواية هي المناسبة لهذا الباب، ولكن البخاري اكتفى بالإشارة إليها على عادته، وفي رواية أبي هريرة: "يقال لجهنم: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ فيضع الرب -﵎- قدمه عليها"، وفي رواية: "حتى يضع فيها قدمه فتمتلئ"، وفي أخرى: "حتى يضع رجله، فتقول: قط قط" وهذه الروايات كلها في البخاري، واتفق معه مسلم عليها (٣) .
وعند الدارقطني في "الصفات": "فأما النار فيلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ -ثلاث مرات- حتى يأتيها -﵎- فيضع قدمه عليها، فتنزوي، وتقول: قدني قدني" (٤) .
_________________
(١) الآية ٣٠ من سورة ق.
(٢) "تفسير ابن كثير" (٧/٣٨١) .
(٣) انظر"مسلم" (٤/٢١٨٧، ٢١٨٨) .
(٤) "الصفات" (ص١٤، ١٧) .
[ ١ / ١٥٥ ]