٣٦- قال: " حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا جويرية، عن نافع، عن عبد الله، قال: ذكر الدجال عند النبي -ﷺ- فقال: " إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور - وأشار بيده إلى عينه - وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية".
الدجال: الكذاب، ودجله: سحره وكذبه؛ لأنه يدجل الحق بالباطل، أي: يغطيه، وهو رجل من اليهود، يخرج في آخر هذه الأمة، كما جاءت الأحاديث بذلك عن النبي -ﷺ-.
قال أبو علي القالي: عن ابن دريد: " كل شيء غطيته فقد دجلته، ومنه اشتقاق دجلة، كأنها غطت الأرض إذا فاضت عليها ".
والدجال من هذا الاشتقاق؛ لأنه يغطي الحق بالباطل.
وقال قوم: سمي بذلك لأنه يغطي الأرض بكثرة جموعه.
وقال آخرون: " يغطي على الناس بكفره" (١) .
وقال الحافظ: الدجال: فعال، بفتح أوله، والتشديد، من الدجل، وهو التغطية، وسمي الكذاب دجالًا، لأنه يغطي الحق بباطله.
وقال ثعلب: " الدجال: المموه" (٢) .
قوله: " إن الله لا يخفى عليكم" المؤمن بالله وبأوصافه التي تعرف بها إلى عباده، لا يخفى عليه رب العالمين، فهو -تعالى- ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، ليس له كفؤ ولا ند، فلا يمكن أن يشابه المخلوق الضعيف، المحتاج
_________________
(١) "البارع" (ص٣٥) .
(٢) "الفتح" (١٣/٩١) .
[ ١ / ٢٨٤ ]
الناقص، وكل مخلوق له صفة الضعف والحاجة والنقصان، ولا بد، تعالى عن مشابهة خلقه علوًا كبيرًا.
قوله: " إن الله ليس بأعور" هذه الجملة هي المقصودة من الحديث وفي هذا الباب، فهذا يدل على أن لله عينين حقيقة؛ لأن العور فقد أحد العينين، أو ذهاب نورها.
قال في " القاموس": " العور: ذهاب حس إحدى العينين والرديء من كل شيء، والضعيف الجبان البليد الذي لا يدل، ولا يندل، ولا خير فيه " (١) .
وعلى كل: العور نقص وعيب في الاتفاق، والمقصود أنه في اللغة هو ذهاب ضوء إحدى العينين.
ولهذا صار هذا الحديث من الأدلة الواضحة على إثبات تثنية العين لله -تعالى-، ويزيد ذلك وضوحًا إشارته -ﷺ- إلى عينه لتحقيق الوصف، يعني أن لله عينين سالمتين من كل عيب كاملتين، بخلاف الدجال الفاقد لإحدى عينيه، وذلك من أعظم الأدلة على كذبه.
وقال ابن المنير: " وجه دلالة الحديث على إثبات العين لله، من حديث الدجال من قوله: " إن الله ليس بأعور" من جهة أن العور عرفًا: عدم العين، وضد العور ثبوت العين، فلما نزعت هذه النقيصة لزم ثبوت الكمال بضدها، وهو وجود العين" (٢) .
قلت: الحديث فيه إثبات العينين لله -تعالى-، لا عين واحدة، كما قد يتوهمه كلامه.
وقوله: " عرفًا " بل هو لغة قبل العرف.
_________________
(١) "القاموس" (٢/٩٧) .
(٢) "الفتح" (١٣/٣٩٠) .
[ ١ / ٢٨٥ ]
"وقال شهاب الدين السهروردي في كتاب العقيدة له: أخبر الله في كتابه وثبت عن رسوله، الاستواء، والنزول، والنفس، واليد، والعين، فلا يتصرف فيها بتشبيه، ولا تعطيل، إذ لولا إخبار الله ورسوله، ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى".
" قال الطيبي: هذا هو المذهب المعتمد، وبه يقول السلف الصالح ".
وقال غيره: لم ينقل عن النبي -ﷺ-، ولا عن أحد من أصحابه، من طريق صحيح، التصريح بوجوب تأويل شيء من ذلك، ولا المنع من ذكره.
ومن المحال أن يأمر الله نبيه بتبليغ ما أنزل إليه من ربه، وينزل عليه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ ثم يترك هذا
الباب، فلا يميز ما يجوز نسبته إليه مما لا يجوز، مع حضه على التبليغ عنه بقوله: "ليبلغ الشاهد الغائب" حتى نقلوا أقواله، وأفعاله، وأحواله، وصفاته، وما فعل بحضرته.
فدل على أنهم اتفقوا على الإيمان بها، على الوجه الذي أراده الله منها.
ووجب تنزيهه عن مشابهة المخلوقات، بقوله -تعالى-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فمن أوجب خلاف ذلك بعدهم، فقد خالف سبيلهم، وبالله التوفيق" انتهى (١) .
قال الإمام ابن خزيمة: " بين النبي -ﷺ- أن لله عينين، فكان بيانه موافقًا لبيان محكم التنزيل".
ثم ذكر بسنده حديث أبي هريرة، وقرأ قوله -تعالى- ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ " رأيت رسول الله -ﷺ- يضع إبهامه على أذنه، وإصبعه التي تليها على عينه" (٢) .
_________________
(١) المرجع المذكور.
(٢) كتاب "التوحيد" (ص٤٢، ٤٣) .
[ ١ / ٢٨٦ ]
قوله: " كأن عينه عنبة طافية " أي: قد ذهب ماؤها، فهي ضامرة ملتوية؛ ولهذا جاءت الأحاديث بوصفه بأنه ممسوح العين، كما في "سنن أبي داود" عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله -ﷺ- قال: " إني قد حدثتكم عن الدجال، حتى خشيت أن لا تعقلوا، إن المسيح الدجال رجل قصير، أفحج، جعد، أعور، مطموس العين، ليست بناتئة، وجحراء، فإن لبس عليكم فاعلموا أن ربكم ليس بأعور" (١) .
في هذا بيان أن عينه - قبحه الله - قد ذهب ماؤها، فضمرت، وبقيت سادة مكانها، لم تكن غائرة، ولا ناتئة مرتفعة، وهذا هو وصف العنبة إذا ذهب ماؤها.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٤/٤٩٦) .
[ ١ / ٢٨٧ ]