عطائي كلام، وعذابي كلام، وإذا أردت شيئًا فإنما أقوله له: كن، فيكون" (١) .
والذين أراد البخاري - ﵀ - الرد عليهم من الجهمية والمعتزلة ونحوهم، ينكرون أن يكون لله -تعالى- كلام تكلم به يكون صفة له؛ لأن هذا - بزعمهم - يقتضي أن يكون جسمًا حادثًا؛ لأن الكلام - زعموا - من الصفات الدالة على حدوث من قام به؛ لما فيه من الترتيب، والتقديم والتأخير، والتعاقب. ولما رأوا اتفاق الرسل على إثبات الكلام لله -تعالى- وأن القرآن مملوء بذلك، قالوا: إن الله متكلم، بمعنى أنه خالق الكلام.
ثم جاءت الأشعرية، فقالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وليس لله كلام منطوق به، مسموع منه، كما سيأتي - إن شاء الله - تفصيل ذلك في أبواب الكلام.
وهم بذلك يتفقون مع المعتزلة على إنكار ثبوت الكلام لله حقيقة، كما أنهم يوافقونهم في المعنى على أنه مخلوق، وعلى هؤلاء جميعًا اتجه الرد فيما قصده البخاري وغيره من أهل السنة.
ومعلوم "أن: الإيمان الذي جاءت به الرسل عن الله -تعالى- وجاء به خاتمهم مصدقًا لما بين يديه من الكتاب، هو أن كلام الله صفة له غير مخلوق، وأن القرآن، والتوارة، والإنجيل، وغيرها من كتب الله، هي كلامه.
وكلام الله لا يكون مخلوقًا منفصلًا عنه، كما لا يكون كلام المتكلم منفصلًا عنه، فإن من أنكر ذلك فقد جحد كلام الله الذي هو رسالته، وأنكر حقيقة ما أخبرت به الرسل، وعلمته أممها، وألحد في أسماء الله وآياته، ومثله بالمعدوم، والميت، فإن الحياة، والعلم، والقدرة، والكلام، ونحو ذلك، صفات
_________________
(١) نفس المصدر (ص١٣١) .
[ ١ / ١٧٨ ]
كمال، والله -تعالى- أحق بكل كمال، فيمتنع أن يثبت للمخلوق كمال إلا والخالق أحق به، كما يمتنع أن يتنزه المخلوق عن نقص إلا والخالق أحق بتنزهه منه؛ لأنه هو الذي أعطى الكمال للكاملين.
ومن لم يتصف بصفات الكمال، من الحياة، والعلم، والسمع، والبصر، والقدرة، والكلام، وغير ذلك:
فإما أن يكون قابلًا للاتصاف بذلك ولم يتصف به.
أو غير قابل للاتصاف به.
فإن قبله ولم يتصف به، كان موصوفًا بصفات النقص، كالموت، والجهل، والعمى، والصمم، والعجز، والبكم.
فإن لم يقبل الاتصاف بهذه الصفات، كان أنقص من القابل الذي لم يتصف بها.
فالحيوان الذي يكون تارة سميعًا، وتارة أصم، وتارة بصيرًا، وتارة أعمى، وتارة متكلمًا، وتارة أخرس، أكمل من الجماد الذي لا يقبل لا هذا، ولا هذا، فمن لم يصف الله -تعالى- بصفات الكمال، لزمه إما أن يصفه بهذه النقائص، أو يكون أنقص ممن وصف بهذه النقائص (١) .
قوله: "ووعدك الحق" أي: لا بد من وقوعه، على ما وعدت، فلا خلف فيه ولا تبديل.
"ولقاؤك حق" أي: لا بد للميعاد من ملاقاتك، فتجازيهم على أعمالهم، واللقاء يتضمن الرؤية، والمعاينة، كما سيأتي – إن شاء الله تعالى -.
"والجنة حق، والنار حق" أي: ثابتتان، موجودتان، كما أخبرت بذلك أنهما معدتان لأهلهما، فهما دار البقاء، وإليهما مصير العباد.
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (١٢/٣٥٥) .
[ ١ / ١٧٩ ]
"والساعة حق" أي مجيء يوم القيامة حق لا مرية فيه، فهو ثابت لا بد منه، وهي نهاية الدنيا، ومبدأ الآخرة، وفي ضمن هذه الأخبار: الإخبار عن إيمانه بما ذكر، إيمانًا لا يتزعزع، والساعة يعبر بها عن البعث، أي الساعة التي يبعث الله فيها الموتى من قبورهم أحياء، فيجمعهم بعد تفرق أجزائهم وتشتتها، بل واستحالتها ترابًا، وهباء، وغير ذلك.
فيجمعهم، ويحييهم، كما كانوا في الدنيا، ويجازيهم بعد حسابهم، وحشرهم. وأدخلت الألف واللام في الساعة؛ لأنها معروفة المعنى عند المخاطبين بها، وأنها مقصود بها قصد الساعة التي وصفت، قاله الطبري (١) .
"اللهم لك أسلمت" أي: أذعنت لأمرك، وانقدت له، وخضعت لحكمك.
" وبك آمنت" أي: صدقت، وعملت بمقتضى ذلك، بعد تحققي بالإيمان بك.
"وعليك توكلت" أي: اعتمدت عليك، ووكلت أموري إليك، راضيًا بما قضيته لي، بعد أن فعلت الأسباب التي جعلتها إليّ، دينية كانت، أو دنيوية.
فالتوكل: هو الاعتماد على الله -تعالى- والثقة به، وفعل الأسباب التي رتبت عليها الأشياء، والتي يستطيع العبد فعلها، وهو من أفضل العبادة، بل جاء ما يدل على أنه شرط في حصول الإيمان، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٢) .
_________________
(١) انظر: "تفسيره" (١١/٣٢٤)، ولكثرة ما أخبروا بها ووصفت لها، وخوفوا بقربها صارت معلومة لهم، فأدخلت عليها الألف واللام لذلك.
(٢) الآية ٢٣ من سورة المائدة.
[ ١ / ١٨٠ ]