قال: " باب: السؤال بأسماء الله -تعالى-، والاستعاذة بها".
السؤال: هو الطلب بذل وخضوع وافتقار، والاستعاذة هي: العوذ والاحتماء بمن يدفع المكروه، ويرفع البلاء بعد نزوله، وهما من أفضل أنواع العبادة، فالبخاري - ﵀- أراد بهذا الباب أن يبين معنى دعاء الله -تعالى- بأسمائه الذي أمر الله به، وأن الرسول -ﷺ- قد بينه.
قال ابن بطال: " مقصود بهذه الترجمة: تصحيح القول بأن الاسم هو المسمى، فلذلك صحت الاستعاذة بالاسم، كما تصح بالذات" (١) .
قلت: هذا بعيد عن مقصود البخاري، وإنما مقصوده بيان كيفية دعاء الله وعبادته بأسمائه التي أمر أن يدعى بها ويعبد، بقوله -تعالى-: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وبين ذلك الرسول -ﷺ- بفعله، وأمره، كما في الأحاديث التي ذكرت في هذا الباب وغيرها.
وأما مسألة: هل الاسم هو المسمى، أو غيره؟ فهي من بدع الكلام، التي حدثت بعد القرون المفضلة، والتي اختلط فيها الحق بالباطل.
والبخاري - ﵀ - من أبعد الناس عن مثل ذلك.
قال ابن جرير الطبري - ﵀ -: " وأما القول في الاسم: أهو المسمى أم هو غيره؟ فإنه من الحماقات الحادثة، التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيستمع، فالخوض فيه شين، والصمت عنه زين، وحسب امرئ من العلم به والقول أن ينتهي إلى قوله - جل ثناؤه- الصادق، وهو قوله -تعالى-: ﴿قُلِ ادْعُواْ
_________________
(١) "الفتح" (١٣/٣٧٩) .
[ ١ / ٢٢٣ ]
اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (١) وقوله: ﴿وللهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (٢) .
"وكان سبب حدوث هذه المسألة، أن الجهمية قالوا: إن الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق؛ لأن الله -تعالى- وحده هو الخالق، وما سواه مخلوق، فإذا كانت أسماؤه غيره، فهي مخلوقة. فرد عليهم السلف، واشتد
نكيرهم عليهم؛ لأن أسماء الله من كلامه، وكلام الله غير مخلوق، فهو الذي سمى نفسه بهذه الأسماء.
فكان مراد الذين يقولون: الاسم غير المسمى ﴿من أهل السنة﴾ هو هذا.
ولهذا روي عن الشافعي، والأصمعي، وغيرهما، أنهم قالوا: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، فاشهد عليه بالزندقة" (٣) .
وللناس في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: ما ذكره ابن بطال، وإليه ذهب كثير من المنتسبين إلى السنة كأبي القاسم الطبري اللالكائي، والبغوي، وغيرهما.
قال البغوي: " والاسم هو المسمى، وعينه، وذاته، قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ (٤) .
فأخبر أن اسمه يحيى، ثم نادى الاسم، فقال: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ (٥) .
_________________
(١) الآية ١١٠ من سورة الإسراء.
(٢) الآية ١٨٠ من سورة الأعراف، " عقيدة الطبري" (ص١٢) .
(٣) "مجموع الفتاوى" (٦/١٨٧) .
(٤) الآية ٧ من سورة مريم.
(٥) الآية ١٢ من سورة مريم.
[ ١ / ٢٢٤ ]
وقال -تعالى-: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (١)، وأراد الأشخاص المعبودة؛ لأنهم كانوا يعبدون المسميات.
وقال -تعالى-: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وقال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَام﴾ .
والقول الثاني: أن الاسم غير المسمى.
والثالث: أن الاسم للمسمى، وهذا القول دل عليه الكتاب والسنة، قال -تعالى-: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (٣)، وقال -تعالى-: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (٤)، وقال -تعالى-: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (٥) .
ومن السنة هذا الحديث: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا".
وقوله -ﷺ-: " إن لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب" (٦) .
هذا مذهب أكثر أهل السنة.
فلا يطلقون بأنه المسمى، ولا غيره، بل يفصلون، حتى يزول اللبس.
فإذا قيل لهم: أهو المسمى أم غيره؟ قالوا: ليس هو نفس المسمى، ولكن يراد به المسمى.
_________________
(١) الآية ٤٠ من سورة يوسف.
(٢) الآية ١٨٠ من سورة الأعراف.
(٣) الآية ١١٠ من سورة الإسراء.
(٤) الآية ٨ من سورة طه.
(٥) الآية ٢٤ من سورة الحشر.
(٦) رواه البخاري، انظره مع "الفتح في التفسير" (٨/٦٤٠)، وفي "المناقب" (٦/٥٤٤)، ومسلم في "الفضائل" (٤/١٨٢٨) رقم (٢٣٥٤) ورقم (٢٣٥٥) .
[ ١ / ٢٢٥ ]