قال: " باب: ما يذكر في الذات، والنعوت، وأسامي الله - ﷿- " وقال خبيب: وذلك في ذات الإله. فذكر الذات باسمه -تعالى-.
قال الحافظ: "أي: ما يذكر في ذات الله ونعوته، من تجويز إطلاق ذلك عليه، كإطلاق أسمائه عليه، أو منعه، لعدم ورود النص" (١) .
وقال عياض: " ذات الشيء: حقيقته، وقد استعمل أهل الكلام الذات، بالألف واللام، وغلطهم أكثر النحاة، وجوزه بعضهم، لأنها ترد بمعنى النفس وحقيقة الشيء، واستعمال البخاري لها على أنها حقيقة الشيء على ما استعملها المتكلمون في حق الله -تعالى-، ولهذا قال: ما جاء في الذات والنعوت، ففرق بينهما على طريقة المتكلمين" (٢) .
وقال الراغب: " ذات تأنيث "ذو"، وهي كلمة يتوصل بها إلى الوصف بأسماء الأجناس، والأنواع، ولا يستعمل شيء منها إلا مضافًا، وقد استعاروا الذات، فجعلوها عبارة عن عين الشيء، جوهرًا كان أو عرضًا، واستعملوها مفردة، ومضافة ﴿وأدخلوا عليها﴾ الألف واللام، وأجروا مجرى النفس، والخاصة، وليس ذلك من كلام العرب" (٣) .
وقال ابن برهان: " إطلاق المتكلمين الذات في حق الله -تعالى- من جهلهم؛ لأن ذات تأنيث ذو، وهو - جلت عظمته - لا يصلح له إلحاق تاء
_________________
(١) "الفتح" (١٣/٣٨١) .
(٢) "مشارق الأنوار" (١/٢٧٣) ملخصًا.
(٣) "المفردات" (ص١٨٢) بتصرف.
[ ١ / ٢٤١ ]
التأنيث. وقولهم: الصفات الذاتية، جهل منهم أيضًا؛ لأن النسب إلى ذات: ذوى" (١) .
وقال الكندي: " ذات بمعنى: صاحبة، تأنيث ذو، وليس لها في اللغة مدلول غير ذلك، وإطلاق المتكلمين وغيرهم الذات بمعنى النفس خطأ عند المحققين" (٢) .
قال الحافظ: " وتعقب بأن الممتنع: استعمالها بمعنى صاحبة، أما إذا قطعت عن هذا المعنى، واستعملت بمعنى الاسمية، فلا محذور؛ لقوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٣) أي بنفس الصدور.
وقد حكى المطرزي: كل ذات شيء، وليس كل شيء ذات، وأنشد ابن فارس: فنعم ابن عم القوم في ذات ماله إذا كان بعض القوم في ماله وفر (٤)
وقال النووي: " مرادهم بالذات: الحقيقة، وهذا اصطلاح للمتكلمين، وقد أنكره بعض الأدباء عليهم، وقال: لا يعرف ذات، لي لغة العرب، بمعنى حقيقة، وإنما ذات، بمعنى صاحبة، وهذا الإنكار منكر، بل الذي قاله الفقهاء والمتكلمون صحيح، وقد قال الإمام أبو الحسن الواحدي، في أول سورة الأنفال في قوله -تعالى-: ﴿فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ (٥) .
قال أبو العباس أحمد بن يحيى، ثعلب: ﴿ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ أي: الحالة التي بينكم، فالتأنيث عنده للحالة، وهو قول الكوفيين.
_________________
(١) "الفتح" (١٣/٣٨٢) .
(٢) نفس المرجع.
(٣) المرجع المذكور.
(٤) "الفتح" (١٣/٣٨٢) .
(٥) الآية الأولى من سورة الأنفال.
[ ١ / ٢٤٢ ]
قال: وقال الزجاج: معنى ﴿ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ حقيقة وصلكم، والبين: الوصل.
قال الواحدي: فذات عنده بمعنى النفس، كما يقال: " ذات الشيء ونفسه" (١) .
قلت: وهذا الذي ذكره النووي هو ما يقصده البخاري - ﵀ - ولهذا قال: " فذكر الذات باسمه -تعالى- " أي: أقام الذات مقام اسمه -تعالى-.
قال الحافظ: " واستعمال البخاري لها، دال على أن المراد بها: نفس الشيء - على طريقة المتكلمين - في حق الله -تعالى-، ففرق بين النعوت، والذات" (٢) .
وقال شيخ الإسلام: " لفظ ذات تأنيث ذو، وذلك لا يستعمل إلا فيما كان مضافًا إلى غيره، فهم يقولون: فلان ذو علم، وذو قدرة، ونفس ذات علم وقدرة، وحيث جاء في القرآن أو لغة العرب، لفظ "ذو"، ولفظ "ذات" لم يجيء إلا مقرونًا بالإضافة، كقوله -تعالى-: ﴿فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُم﴾، وقوله: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وقول خبيب: " وذلك في ذات الإله" ونحو ذلك.
لكن لما صار النظار، يتكلمون في هذا الباب، قالوا: إنه يقال: إنها ذات علم وقدرة، ثم إنهم قطعوا هذا اللفظ عن الإضافة، وعرفوه، فقالوا: " الذات" - وهو لفظ مولد - ليس من لفظ العرب العرباء، ولهذا أنكره طائفة من أهل العلم، كأبي الفتح ابن برهان، وابن الدهان، وغيرهما، وقالوا: ليست هذه اللفظة عربية.
_________________
(١) "تهذيب الأسماء واللغات" (٢/١١٣) القسم الثاني.
(٢) "الفتح" (١٣/٣٨٢) .
[ ١ / ٢٤٣ ]
ورد عليهم آخرون، كالقاضي، وابن عقيل، وغيرهما.
وفصل الخطاب: أنها ليست من العربية العرباء، بل من المولد، كلفظ الموجود، والماهية، والكيفية، ونحو ذلك.
فهذا اللفظ يقتضي وجود صفات، تضاف الذات إليها، فيقال: ذات علم، وذات قدرة، وذات كلام، فإنه لا يمكن وجود شيء قائم بنفسه في الخارج، لا يتصف بصفة ثبوتية أصلًا" (١) .
وقال ابن القيم: " وأصل هذه اللفظة، هو تأنيث "ذو"، بمعنى صاحب، فذات كذا: صاحبة كذا، في الأصل.
ولهذا لا يقال: ذات الشيء، إلا لما له صفات، ونعوت تضاف إليه، فكأنه يقول: صاحبة هذه الصفات، والنعوت.
ولهذا أنكر جماعة من النحاة على الأصوليين قولهم: " الذات"، وقالوا: لا مدخل للألف واللام هنا، كما لا يقال: "الذو"، في ذو. وهذا إنكار صحيح.
والاعتذار عنهم: أن لفظة الذات في اصطلاحهم، قد صارت عبارة عن نفس الشيء، وحقيقته، وعينه.
فلما استعملوها استعمال النفس، والحقيقة، عرفوها باللام، وجردوها من الإضافة، وهذا أمر اصطلاحي، لا لغوي.
فإن هذا اللفظ يقال لما هو منسوب إليه، أو من جهته، كجنب الشيء.
فإذا قالوا: هذا في جنب الله، لا يريدون إلا ما ينسب إليه، وفي سبيله، ومرضاته وطاعته، لا يريدون غير هذا.
فلما اصطلح المتكلمون على إطلاق الذات، على النفس، والحقيقة، ظن من ظن أن هذا هو المراد بمثل قوله: " ثلاث كذبات في ذات الله،
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٦/٩٨-٩٩) .
[ ١ / ٢٤٤ ]
وقوله: " وذلك في ذات الإله"، وهذا غلط، بل الذات هنا كالجنب، في قوله: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال: فرطت في نفس الله وحقيقته، ويحسن أن يقال: فرط في ذات الله، كما يقال: قتل في ذات الله، وصبر في ذات الله؟ " (١) .
وبهذا يتبين أن هذا الإستعمال صحيح لا ينكر؛ لأنه أمر اصطلاحي على معنى مفهوم معين.
وبعض الناس يظن أن إطلاق الذات على الله -تعالى- كإطلاق الصفات، أي أنه وصف له، فينكر ذلك بناء على هذا الظن، ويقول: هذا ما ورد. وليس الأمر كذلك، وإنما المراد التفرقة بين الصفة، والموصوف.
وقد تبين مراد الذين يطلقون هذا اللفظ، أنهم يريدون نفس الموصوف وحقيقته، فلا إنكار عليهم في ذلك، كما وضحه كلام شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم.
قال القسطلاني: "والظاهر جواز إطلاق لفظ "ذات"، لا بالمعنى الذي أحدثه المتكلمون، ولكنه غير مردود، إذا عرف أن المراد النفس؛ لثبوت لفظ النفس في القرآن " (٢) .
وأما "النعوت" فهو جمع نعت، وهو الوصف، يقال: نعت فلانًا نعتًا، أي وصفه وصفًا، وزنه ومعناه واحد، ومنه الحديث: " لا تباشر المرأة المرأة، فتنعتها لزوجها، كأنه يراها" (٣) .
_________________
(١) "بدائع الفوائد" (٢/٧) ببعض التصرف.
(٢) "إرشاد الساري" (١٠/٣٧٩) .
(٣) رواه البخاري في كتاب النكاح، انظر "البخاري مع الفتح" (٩/٣٣٨) .
[ ١ / ٢٤٥ ]
وأما الأسامي، فهي جمع اسم، وتجمع أيضًا على أسماء.
قوله: " فذكر الذات باسمه -تعالى- أي: ذكر الله بلفظ الذات، وسمعه النبي -ﷺ- فلم ينكره، فصار دليلًا على جواز ذلك.
واعترض على استدلال البخاري بذلك؛ لأن خبيبًا لم يرد الحقيقة، والنفس، وإنما يعني بقوله: " وذلك في ذات الإله" أي: في سبيله وطاعته.
والجواب: أن إطلاق لفظ الذات على الله -تعالى- جائز في الجملة؛ لورود الآثار، فيكون ذلك أصلًا للجواز، ففي الحديث الصحيح المتفق عليه: " أن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات، اثنتين في ذات الله" (١) .
وفي حديث ابن عباس: " تفكروا في كل شيء، ولا تفكروا في ذات الله" (٢) .
قال الحافظ: سنده جيد.
وقال أبو الدرداء: " لا تفقه كل الفقه، حتى تمقت الناس في ذات الله ".
قال الحافظ: إسناده ثقات، إلا أنه منقطع" (٣) .
وقد تقدمت الإشارة إلى الفرق بين الأسماء والصفات في الباب الأول.
وقد ذكر البخاري - ﵀ - قصة خبيب وأصحابه، في كتاب المغازي، وهي مشهورة، فنكتفي بنص ما ذكره البخاري هنا.
_________________
(١) رواه البخاري، انظره مع "الفتح" (٤/٤١٠)، (٥/٢٤٦)، ومواضع أخر عدة، ومسلم في "الفضائل".
(٢) قال في "كشف الخفا": رواه أبو نعيم في "الحلية"، وابن أبي شيبة في "العرش" (ص٣١١) (٤/١٨٤٠) .
(٣) "الفتح" (١٣/٣٨٣) .
[ ١ / ٢٤٦ ]
٣١- قال: " حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية، الثقفي - حليف لبني زهرة، وكان من أصحاب أبي هريرة- أن أبا هريرة قال: بعث رسول الله -ﷺ- عشرة، منهم خبيب الأنصاري فأخبرني عبيد الله بن عياض، أن ابنة الحارث أخبرته، أنهم حين اجتمعوا، استعار منها موسى يستحد بها، فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه، قال خبيب الأنصاري:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي شق كان لله في مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
فقتله ابن الحارث، فأخبر النبي -ﷺ- أصحابه خبرهم يوم أصيبوا".
[ ١ / ٢٤٧ ]