"في عاجل أمري وآجله" أي: في دنياي وآخرتي.
"أو في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري" شك من الراوي: هل قال الأول أو الثاني؟ والمعنى واحد.
وقوله: " فاقدره لي، ويسره لي" اقض به لي، واجعلني قادرًا على الحصول عليه، وسهل لي أسبابه بحيث أناله بلا مشقة وكلفة، وفي هذا: أنه لا يحصل شيء إلا بسبب.
"ثم بارك لي فيه " اجعل فيه بركة تنميه وتزيده، وفيما يترتب عليه.
"اللهم إن كنت تعلم أنه شر لي، في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري- أو قال: عاجل أمري وآجله- فاصرفني عنه" أي: هيئ الأسباب التي تصرف قلبي وتثني عزمي عن فعله.
"واقدر لي الخير حيث كان" أي: قدر لي فعل ما فيه خير لديني ودنياي، في أي مكان، وفي أي وقت.
"ثم رضني به" أي: اجعلني رضيًا به، قانعًا، ناعم البال، مستغنيًا عن خلقك، مستعينًا به على طاعتك، وشاكرًا لك منقادًا لأمرك.
ومراد البخاري: إثبات صفة القدرة لله -تعالى- وأن قدرته -تعالى- عامة لكل مقدور، والرد على القدرية نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم، الذين يقيدون قدرة الله -تعالى- بما اخترعوه من عند أنفسهم، ولهذا اقتصر على هذا القدر من الآية، أي القادر على كل شيء.
فالله -تعالى- يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا مانع له، ولا يقدر غيره أن يمنعه مراده " فهو قادر على كل مقدور".
وكل ممكن يكون مقدورًا له، فما من ممكن في نفسه إلا والله قادر عليه.
وأما الممتنع لنفسه، فإنه ليس بشيء عند جميع العقلاء، إن تنازعوا في المعدوم
[ ١ / ٢٠٧ ]
الممكن مثل إيمان الكافر: هل هو شيء أو لا؟ فأما الممتنع لنفسه: فلم يقل أحد إنه شيء في الخارج، والممتنع هو: ما لا يمكن وجوده في خارج الذهن، مثل كون الشيء موجودًا معدومًا (١)، فإنه لا يعقل ثبوت ذلك، وكذا كون الشيء أسود كله وأبيض كله، وكون الجسم الواحد بعينه في الوقت الواحد في مكانين، والممتنع يراد به الممتنع لنفسه مثل هذه الأمور، ويراد به الممتنع لغيره مثل ما علم الله أنه لا يكون، وأخبر أنه لا يكون، وكتب ذلك، فهذا ممتنع، لأنه لو كان للزم أن يكون علم الله متخلفًا عن معلومه، وخبره بخلاف الواقع، تعالى عن ذلك، ولكن هو ممكن بنفسه والله قادر عليه، كما قال -تعالى-: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ (٣)، وقال -تعالى-: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (٤)، ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٥) .
وأمثال ذلك مما يخبر -تعالى- أنه لو شاء لفعله، فإن هذه الأمور التي أخبر أنه لو شاء لفعلها يلزم أنها ممكنة مقدورة له، فإيمان من علم الله أنه لا يؤمن مقدور له ممكن، لكنه لا يقع، وقد علم الله أنه لا يؤمن، مع كونه مستطيع الإيمان، كمن علم أنه لا يحج مع استطاعته الحج.
_________________
(١) ومن ذلك قول بعض الملاحدة: هل يقدر الله أن يخلق مثل نفسه؟ فهذا ممتنع لنفسه، وإنما يورده جاهل لا يتصور ما يقول، أو ملبس معاند يريد إفساد عقائد عوام المؤمنين، أو التشكيك في قدرة الله -تعالى-.
(٢) الآية ٤ من سورة القيامة.
(٣) الآية ١٨ من سورة المؤمنون.
(٤) الآية ١٣ من سورة السجدة.
(٥) الآية ١١٨ من سورة هود ﵇.
[ ١ / ٢٠٨ ]
قال الله -تعالى-: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١)
وحقيقة الأمر هو ما أخبر الله به في غير موضع من كتابه أنه على كل شيء قدير، وهذا هو ما يعتقده أهل السنة المثبتون للقدر" (٢) .
_________________
(١) الآية ٢٨ من سورة الأنعام.
(٢) "منهاج السنة" (٢/١١٨-١٢٢) ملخصًا ببعض التصرف.
[ ١ / ٢٠٩ ]