الحمد الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وربوبيته، ولا ند له في أسمائه وصفاته.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى، ودين الحق، فدعا إلى توحيد الله الخالص من كل شائبة شرك، في حقه، أو فعله، أو أسمائه وصفاته، وجاهد في هذا السبيل حتى وضح الحق، واستبان وكمل به الدين، وتمت النعمة، فترك الأمة على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
وسار على نهجه صحابته، فلم يغيروا، أو يبدلوا، بل بذلوا جهدهم في دعوة الخلق إلى عبادة الله وحده، حتى مضوا لسبيلهم.
فصلاة الله وسلامه على عبده ورسوله محمد بن عبد الله، إمام الحنفاء وسيد الأصفياء، ورضي الله عن صحابته أجمعين، وعمن سلك نهجهم إلى يوم الدين.
كمال الهداية وتمام النعمة على هذه الأمة
أما بعد، فقد علم أن الله - تعالى - بعث رسوله محمدًا - ﷺ - على حين فترة من الرسل " وفي جاهلية لا تعرف من الحق رسمًا، ولا تقيم به في مقاطع الحقوق حكمًا " (١)، وإنما ينتحلون ما تهواه نفوسهم، وما تزينه لهم شياطينهم، وما
_________________
(١) انتزاعًا من خطبة " الاعتصام" للشاطبي (ص٢) .
[ ١ / ٣ ]
وجدوا عليه آباءهم، فجاهدهم وجادلهم باللين والحكمة، وقارعهم بالسنان والحجة، لمن كابر وعاند، وكان نصر الله حليفه، فاستقام أمره، وانتصر على عدو الله، وظهر دينه، فجاء نصر الله ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وبعد تمام نعمة الله - تعالى - عليه وعلى أمته، وظهور ما جاء به من الحق، ووضوح الطريق، توفاه الله إليه، فقام بعده صحابته بأمره خير قيام، فجاهدوا في الله القريب والبعيد، حتى تحقق ما أخبر به رسولهم - ﷺ- فيما رواه مسلم في "صحيحه" عن ثوبان، قال: قال رسول الله -
ﷺ-: " إن الله زوى (١) لي الأرض فرأيت مشارقها، ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين، الأحمر، والأبيض (٢)، وأني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم (٣)، وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة (٤)، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا" (٥) .
ففتحت بلاد الروم وفارس في عهد الخليفة الثاني، وأنفقت كنوزها في سبيل الله - تعالى- وواصلت جحافل التوحيد إلى مشارق الأرض ومغاربها، تفتح القلوب إلى معرفة الله وتوحيده قبل البلاد، حتى تمت نعمة الله على أكثر أهل
_________________
(١) معناه: جمعها لي فرأيت أقصاها من الشرق ومن الغرب.
(٢) المقصود بالكنزين: كنز الفرس، والروم، الأحمر: الذهب، والأبيض: الفضة.
(٣) أي: يهلكهم جميعًا، ويستولي على بلادهم، وذراريهم، وأموالهم.
(٤) أي: لا أرسل عليهم عذابًا يعمهم، ويستأصلهم.
(٥) "صحيح مسلم" (٤/٢٢١٥) رقم (٢٨٨٩) .
[ ١ / ٤ ]