١- فالأسماء تدل على الذات، والصفات تدل على معان قائمة بالذات، وهذه المعاني القائمة بالذات هي الصفات.
٢- وتقدم أن الأسماء مشتقة من الصفات.
وقوله: " أخبروه أن الله يحبه" قد يكون سبب محبة الله له: محبته لهذه السورة، أو لمحبته ذكر صفات الرب - ﷿ -، وحسن فهمه وعقيدته. في ذلك، أو لمجموع الأمرين، وهو الأولى.
وفيه ثبوت محبة الله - تعالى - لأهل طاعته من عباده، والأدلة عليه كثيرة جدًا، فلذلك صار إنكاره ضلالًا بينًا.
قال المازري، ومن تبعه: محبة الله لعباده: إرادته ثوابهم، وتنعيمهم.
وقيل: هي نفس الإثابة، والتنعيم.
ومحبتهم له، لا يبعد فيها الميل منهم إليه، وهو مقدس عن الميل.
وقيل: محبتهم له: استقامتهم على طاعته.
والتحقيق: أن الاستقامة ثمرة المحبة.
وحقيقة المحبة له: ميلهم إليه؛ لاستحقاقه سبحانه المحبة من جميع الوجوه.
قال الحافظ: " وفيه نظر، لما فيه من الإطلاق في موضع التقييد" (١) .
ومقصده من الإطلاق، قوله: " لاستحقاقه- سبحانه - المحبة من جميع الوجوه" لأنه قد يدخل فيه الحب المتضمن للشهوة، ونحو ذلك.
_________________
(١) "الفتح" (١٣/٣٥٧) .
[ ١ / ٦٤ ]
وقول المازري: إن محبة الله لعباده: إرادته ثوابهم، وتنعيمهم، أو هي نفس الثواب والنعيم، ظاهر البطلان، والنصوص فيه لا تقبل هذا التأويل؛ لكثرتها، وتواطئها على أن الحب فيها هو ما يفهمه المخاطب الذي لم تفسد فطرته بالعقائد المنحرفة عن الحق.
وهذه طريقة أهل التأويل في صفات الله - تعالى - المستلزمة للثواب أو العقاب؛ إما أن يجعلوها إرادة الثواب أو العقاب، أو هي نفس الثواب والعقاب.
ومعلوم أن الثواب والعقاب ونحوهما مخلوق.
والإرادة التي يرجعون المحبة والرحمة ونحوهما من صفات الله -تعالى- إليها، يلزمهم فيها نظير ما فروا منه في المحبة والرحمة، حيث قالوا: إن المحبة هي: الميل إلى المحبوب، فيقال: والإرادة هي: ميل المريد إلى ما يوافقه في إرادته.
وأما تفسيرها بالثواب والعقاب، فيلزم منه أن تكون صفته -تعالى- مخلوقة، ثم نقول: لسنا بحاجة إلى مثل هذا التأويل السخيف البارد؛ لأن الله - تعالى- ليس كمثله شيء في صفاته، كما أنه لا مثل له في ذاته.
ومحبته - ﵎ - لعبده المؤمن شيء فوق إنعامه، وإحسانه، وعطائه، وإثابته، فإن هذا أثر المحبة وموجبها، أما هي فأعظم من ذلك، وهي التي يتسابق إليها أنبياؤه وملائكته وأولياؤه، وعباده الصالحون، وكم في كتاب الله وسنة رسوله - من نص صريح بأنه يحب عباده المؤمنين ويحبونه، كقوله - تعالى - ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١)، وقوله -تعالى- ﴿اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢)، ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى
_________________
(١) الآية ٣١ من سورة آل عمران.
(٢) الآية ٢٢٢ من سورة البقرة.
[ ١ / ٦٥ ]
فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ
الْمُتَّقِينَ﴾ (١)، ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٣)، والآيات في هذا كثيرة.
وأما الأحاديث عن رسول الله -ﷺ- التي تنص على أن الله يحب عباده المؤمنين فإحصاؤها عسير، كقوله - ﷺ-: " لأعطين الراية غدًا رجلًا يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله" (٤)، وقوله -ﷺ-: " إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي" (٥) .
وأما محبة العباد لربهم فعجيب إنكارها، إذ هي من الضروريات الثابتة بالشرع، والعقل، والفطرة، وإنكارها إنكار للواقع المحسوس.
كما أن تأويل المحرفين بأنها الاستقامة على الطاعة، كما ذكره المازري، أو أنها إرادتهم أن ينفعهم، كما نقله الحافظ عن ابن التين (٦)، مخالف للشرع، والعقل، والواقع المحسوس، بل قد يؤول ذلك إلى إنكار أصل دين الإسلام؛ لأن مبنى دين الإسلام على شهادة لا إله إلا الله.
ومعنى الإله: المحبوب الذي تألهه القلوب، وتحبه، وتعظمه، وتجله، وتقصده بالإنابة والخضوع والذل، والافتقار إليه، والخوف منه، ورجائه.
فمن أنكر ميل القلوب إليه تعالى بالحب والتأله، فقد أنكر حقيقة الإسلام، وهل الشرك- الذي حرمت الجنة على صاحبه - إلا أن يجعل للمخلوق
_________________
(١) الآية ٧٦ من سورة آل عمران.
(٢) الآية ١٣٤، ١٤٨، من سورة آل عمران، والآية ٩٣ من سورة المائدة.
(٣) الآية ١٥٩ من سورة آل عمران.
(٤) رواه صاحبا "الصحيحين"، انظر: "الفتح" (٦/١١١) وأماكن أخرى، و"مسلم" (٤/١٨٧١، ١٨٧٢) .
(٥) رواه مسلم في "الزهد" (٤/٢٢٧٧) رقم (٢٩٦٥) .
(٦) انظر: " الفتح" (١٣/٣٥٧) .
[ ١ / ٦٦ ]
نصيبًا مع الله -تعالى- في هذا الحب؟ كما قال -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾ (١) .
فبين - تعالى- أن الذي يحب المخلوق كحب الله أنه مشرك قد اتخذ لله ندًا، وأخبر - تعالى- عن هؤلاء أنهم سيقولون لأندادهم وهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ﴿٩٧﴾ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، ولا يجوز أن تكون تسويتهم لهم برب العالمين إلا في الحب؛ لأنه لا يمكن أن يقول عاقل إن أحدًا من الخلق يساوي الله -تعالى- في الفعل والتصرف.
وقول ابن التين الذي نقله الحافظ: " إن معنى محبة المخلوقين لله: إرادتهم أن ينفعهم" (٣) من أبطل الكلام المخالف للواقع وللشرع والعقل ولولا أن هذا مسجل في الكتب المتداولة بين المسلمين، لم يجز ذكره، وهل يوجد أحد من الخلق لا يريد أن ينفعه الله، حتى إبليس، ومن دونه من دعائم الكفر والإلحاد، من الأولين والآخرين؟ بل كلهم يريد أن ينفعهم الله، فهل يقال: إنهم يحبون الله المحبة المأمور بها شرعًا؟ ولا شك أن مثل هذا القول نتيجة نقص العلم بكلام الله وكلام رسوله، ونقص الإيمان بذلك.
"وإلا فإن من تيقن أن الله أصدق القائلين، وأن قوله الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، وأن قوله الفصل، ليس بالهزل، وأنه الهدى، والنور، والشفاء لما في الصدور من الجهل والشكوك، وأنه -تعالى- أعلم بنفسه وبغيره من خلقه.
وعلم أن الرسول -ﷺ- أعلم الخلق بالحق، وأفصح الخلق في النطق
_________________
(١) الآية ١٦٥ من سورة البقرة.
(٢) الآية ٩٧-٩٨ من سورة الشعراء.
(٣) "الفتح" (١٣/٣٥٧) .
[ ١ / ٦٧ ]
والبيان، وأنه أنصح الخلق للخلق- من علم ذلك تيقن أنه قد اجتمع له كمال العلم بالحق، وكمال القدرة على بيانه، وكمال الإرادة له، ومع كمال العلم والقدرة والإرادة، يجب وجود المطلوب على أكمل وجه.
فيجب أن يعلم أن كلام الله ورسوله، أبلغ ما يمكن، وأتم ما يكون وأعظمه بيانًا لأمور الدين، من حقوق الله وأسمائه، وصفاته، وغير ذلك.
فمن وقر هذا في قلبه لم يجرؤ على تحريف النصوص بمثل هذه التأويلات التي إذا تدبرها العاقل المنصف، وجدها أبعد شيء عن كتاب الله، وعن صفات الرسول
-ﷺ- وعلم أن من سلك هذا المسلك فإنما هو لنقص في علمه، وإيمانه بكلام الله، وكلام رسوله -ﷺ- (١) .
وقد علم المؤمنون أن محبة العباد لربهم هي حياة القلوب، ونعيم الروح، بل هي أعلى نعيم في الدنيا والآخرة، وهي فوق كل محبة تفترض، ولا نسبة لسائر المحاب إليها، وهي حقيقة لا إله إلا الله، وبتمامها وكمالها تتفاوت منازل العباد عند الله في الدنيا والآخرة، وقد جاء في الحديث عنه -ﷺ- أنه قال: " أحبوا الله من كل قلوبكم" (٢) . يعني: لا يبقى في القلب موضع لغير محبة الله تعالى.
وفي "الصحيحين": مرفوعًا: "ثلاث من كن فيه، وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار" (٣) .
وأصل التأله: التعبد، والتعبد هو آخر مراتب الحب، يقال: عبده
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (١٧/١٢٩) بتصرف وزيادة.
(٢) رواه ابن إسحاق في "السيرة" مختصرها لابن هشام (٢/١٤٧) .
(٣) انظر: " الفتح" (١/٧٢)، (١٠/٤٦٣) و"مسلم" (١/٦٦) .
[ ١ / ٦٨ ]