والقول الأول هو ما ذكرناه عنه في أول الباب.
فعلى هذا لا يكون قوله: " ما أريد به وجهه" تأويلًا للوجه الذي هو صفة لله -تعالى-، بل هو من المعاني المستنبطة من الآية، كما يشير إليه سياق الآية، فإنه -تعالى- يقول: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٨٧﴾ وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١) .
وأما قوله: " إلا ملكه" فهذا تأويل بعيد، وهو مخالف لصنعه هنا، حيث ذكر الآية ثم أتبعها بحديث جابر، وفيه قوله -ﷺ-: " أعوذ بوجهك". فهذا ظاهر جدًا في أنه أراد إثبات الوجه صفة لله -تعالى-.
ومما يدل على بطلان ذلك: أن الأشياء كلها ملك لله -تعالى-، فهل يجوز أن يقال: كل شيء هالك إلا كل شيء؟ بخلاف قوله: إلا ما أريد به وجهه، فإن هذا مما تدل عليه الآية عن طريق المفهوم - مع بقائها نصًا - في إثبات الوجه لله -تعالى- والله أعلم.
_________________
(١) الآيتان ٨٧، ٨٨ من سورة القصص.
[ ١ / ٢٧٦ ]
٣٥-قال: " حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو، عن جابر بن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ (١)، قال النبي -ﷺ- " أعوذ بوجهك"، فقال: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فقال النبي -ﷺ-: " أعوذ بوجهك"، قال ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ فقال النبي -ﷺ-: "هذا أيسر".
يخوف الله -تعالى- عباده إن لم يطيعوه، ويعبدوه وحده لا شريك له، ويتبعوا رسوله، بأنه قادر على أن يرسل عليهم عذابًا من السماء، كما أرسل على قوم لوط وقوم شعيب، وغيرهم، أو نوعًا آخر مما يشاء.
وهو كذلك قادر بأن يبعث العذاب من تحتهم، إما بخسف أو زلازل، وبراكين، أو غير ذلك مما يشاء، كما قال -تعالى-: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦﴾ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (٢)، وعندما سمع الرسول -ﷺ- هذا التهديد من الله -تعالى- عاذ بوجه ربه الكريم أن يكون ذلك.
قال الحافظ: " وقد روى ابن مردويه، من حديث ابن عباس، ما يفسر به حديث جابر، ولفظه: " عن النبي -ﷺ- قال: " دعوت الله أن يرفع عن أمتي أربعًا، فرفع عنهم اثنتين، وأبى أن يرفع عنهم اثنتين، دعوت الله أن يرفع عنهم الرجم من السماء، والخسف من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعًا، ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع عنهم الخسف والرجم، وأبي أن يرفع عنهم الأخريين".
_________________
(١) الآية ٦٥ من سورة الأنعام.
(٢) الآيتان ١٦، ١٧ من سورة الملك.
[ ١ / ٢٧٧ ]
فيستفاد من هذه الرواية: المراد بقوله: " مِّن فَوْقِكُمْ، أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ "، ويستأنس له بقوله -تعالى-: ﴿أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ (١) . وقد وقع أصرح من ذلك، عند ابن مردويه، من حديث أبي بن كعب، قال: في قوله -تعالى-: ﴿عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال: الرجم، ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: الخسف.
وروى ابن أبي حاتم، من طريق السدي، عن شيوخه: أن المراد العذاب من فوق: الرجم، ومن تحت: الخسف.
وأخرج ابن عباس: " أن المراد بالفوق: أئمة السوء، وبالتحت: خدام السوء " انتهى (٢) .
وذكر ابن كثير في تفسيره لهذه الآية أحاديث وآثارًا كثيرة.
قلت: في هذه الآية الكريمة التي ترجم بها البخاري، والحديث الذي ذكره، دليل واضح على وجوب الإيمان بوجه الله الكريم، وقد جاءت نصوص كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله تثبت ذلك، ولم يزل أهل العلم والإيمان يسألون ربهم بوجهه الكريم، ويدعونه بأن يرزقهم النظر إليه في الجنة.
ولم ينكر ذلك إلا الجهمية، ومن شايعهم على مذهبهم الفاسد.
قال الله -تعالى-: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿٢٦﴾ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٣) .
و"ذو" في الآية: وصف للوجه، فوصف -تعالى- وجهه الكريم بأنه ذو الجلال والإكرام، وهذا يبطل دعوى أن المراد بالوجه: الذات، كما يبطل دعوى كونه زائدًا في الكلام.
_________________
(١) الآية ٦٨ من سورة الإسراء.
(٢) "الفتح" (٨/٢٩٢) .
(٣) الآيتان ٢٦، ٢٧ من سورة الرحمن.
[ ١ / ٢٧٨ ]
وفي "صحيح مسلم" عن أبي موسى الأشعري، قال: قام فينا رسول الله -ﷺ- بخمس كلمات، فقال: " إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (١) سبحات وجهه هي: نوره، وبهاؤه، وجلاله.
وقال أبو سعيد الدارمي - ﵀ -: " حدثنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عمار بن ياسر، أن رسول الله -ﷺ- كان يدعو: " اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم".
حدثنا موسى بن إسماعيل، وغيره، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، عن النبي -ﷺ-: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة" قال: النظر إلى وجه الله -تعالى- (٢) .
حدثنا أحمد بن يونس، عن أبي شهاب الحناط، عن خالد بن دينار، عن حماد بن جعفر، عن ابن عمر، رفعه إلى النبي -ﷺ- " أن أهل الجنة إذا بلغ النعيم منهم كل مبلغ، وظنوا أن لا نعيم أفضل منه، تجلى لهم الرب، فنظروا إلى وجه الرحمن، فنسوا كل نعيم عاينوه، حين نظروا إلى وجه الرحمن".
وذكر ابن إسحاق في "السيرة" حديثًا طويلًا - فيه: " أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض، وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين" (٣) .
_________________
(١) انظر: " مسلم" (١/١٦٢) رقم (٢٩٣) .
(٢) رواه مسلم في "صحيحه" بلفظ: " النظر إلى الله تعالى "، انظر: (١/١٦٣) الحديث رقم (١٨٠) .
(٣) ذكره ابن كثير في "تاريخه" (٣/١٩٦) .
[ ١ / ٢٧٩ ]
قال أبو سعيد: "وعلى تصديق هذه الآثار، والإيمان بها، أدركنا أهل الفقه والعلم" (١) وذكر أحاديث في ذلك.
وقد تكاثرت الأحاديث عن رسول الله -ﷺ- بالاستعاذة بوجه الله -تعالى- كما في هذا الحديث الذي ذكره البخاري، وكما في " الموطأ"، و"مسند أحمد" أنه -ﷺ- كان يقول: " أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات" (٢) وفي هذا أحاديث كثيرة.
وكذلك صح عنه -ﷺ- سؤاله لذة النظر إلى وجه الله الكريم، كما في الحديث السابق وغيره.
وبذها يتبين أن إثبات الوجه والإيمان به متعين، وأنه داخل في الإيمان بالله -تعالى- وهو كسائر صفات الله الثابتة، يجب معرفتها والإيمان بها بدون تأويل، أو تشبيه، بل على ما يجب لله من الإجلال والتعظيم، ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته، ولا في أفعاله - تعالى وتقدس - عن ظنون أهل الانحراف والزيغ
من المؤولين والمعطلين الذين جعلوا أنفسهم هي الأصل، فقاسوا عليها ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر عنه رسوله، فحرفوا وعطلوا.
_________________
(١) الرد على بشر المريسي (ص٥١٨) " عقائد السلف".
(٢) " الموطأ" (٢/٩٥٠- ٩٥١) مرسل، و"المسند" (٢/٤١٩) وهو حسن.
[ ١ / ٢٨٠ ]