٢٢- قال: " حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي -ﷺ- قال: " إذا جاء أحدكم فراشه، فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات، وليقل باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين".
العبد الصادق العبودية، لا ينفك عن عبادة ربه، في أمور حياته كلها، في خروجه من بيته، وفي دخوله، وفي أكله وشربه، وفي نومه ويقظته، وفي مقارفته لأهله، ومعاملته للناس، ولذلك أرشد الرسول -ﷺ- إلى هذا النوع من العبادة، في هذا الحديث وغيره، عند النوم، والاستيقاظ منه، وهو من عبادة الله ودعائه بأسمائه.
قوله: " فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات" صنفة الثوب: طرفه من الداخل، لما في الرواية الأخرى: " داخلة إزاره" ولو فعل ذلك بغير طرف ثوبه حصل المقصود، والحكمة في ذلك إزالة ما لعله يكون فيه مما يؤذيه، وأمر بأن يكون ذلك ثلاث مرات، للمبالغة، وليكون ذلك وترًا، إذ الوتر معتبر في الشرع.
"وليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه" لما كان النوم نوعًا من الموت، وقد يموت فيه حقيقة، لجأ إلى ربه بذكر اسمه، داعيًا ومتبركًا به، وسائلًا به المغفرة، وهي ستر الذنوب، والعفو عنها، إن أمسك نفسه - أي قبضها في النوم - فلم يردها إلى بدنها.
قال -تعالى-: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ
[ ١ / ٢٢٩ ]
لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) .
"وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " أي: إن رددتها إلى بدنها، فاحفظها من الشياطين، والضلال، والمؤذيات، بحفظك وحمايتك، التي تحمي بها أولياءك الذين تتولى حفظهم من كل مضر ومؤذ.
ففي هذا الحديث مشروعية ذكر الله -تعالى- عند النوم؛ ليكون موته الأصغر على اسمه، فيدخل بذلك في العمل بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) .
وفيه الاستسلام لله، والافتقار إليه، وسؤاله ما لا غنى له عنه، وهذا كله من عبادة الله تعالى ودعائه بأسمائه، فهو تفسير لقوله -تعالى-: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٣)، وهذا هو وجه ذكر البخاري له، ولما يأتي من الأحاديث.
_________________
(١) الآية ٤٢ من سورة الزمر.
(٢) الآية ١٦٢ من سورة الأنعام.
(٣) الآية ١٨٠ من سورة الأعراف.
[ ١ / ٢٣٠ ]
٢٣-قال: " حدثنا مسلم، حدثنا شعبة، عن عبد الملك، عن ربعي، عن حذيفة - ﵁ -: " كان النبي -ﷺ- إذا أوى إلى فراشه، قال: " اللهم باسمك أحيا وأموت، وإذا أصبح قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور".
حذيفة هو ابن اليمان، واسم اليمان: حسل، أو حسيل، وهو عبسي.
كان من كبار أصحاب رسول الله -ﷺ-، ومن الفقهاء النجباء أهل الفتوى، وصح عنه أنه قال: " كان الناس يسألون رسول الله -ﷺ- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن أقع فيه" ولهذا اختص بمعرفة الفتن، كما أنه عرف بصاحب السر، حيث أسر إليه رسول الله -ﷺ- أسماء المنافقين، وأمره أن يكتم ذلك، وسأله رجل عن أشد الفتن فقال: " أن يعرض عليك الخير والشر فلا تدري أيهما تختار" توفي - ﵁ - سنة ست وثلاثين (١) .
" إذا آوى إلى فراشه" أي: رجع إليه بعد عمل النهار.
"اللهم باسمك أحيا وأموت" أي ذاكرًا اسمك في حياتي، مطمئنًا به قلبي، إذ لا راحة لي ولا اطمئنان إلا بذكر اسمك، ولا حياة نافعة إلا بذلك. وعلى ذكر اسمك يا رب أموت، متوسلًا به إليك أن تتولاني، وتحفظني في جميع أحوالي.
" وإذا أصبح قال: " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور".
النوم نوع من الموت، واليقظة حياة، وهو نعمة من الله على عباده حتى
_________________
(١) انظر: " الاستيعاب" (١/٣٣٤)، "الرياضي المستطابة" (ص٤٩) .
[ ١ / ٢٣١ ]
ترتاح أبدانهم، وأفكارهم، وقد ينام الإنسان فلا ترجع إليه روحه، فإذا استيقظ سالمًا، قد رجع إليه نشاطه وقوته، استوجب ذلك شكر الله -تعالى- والثناء عليه، فناسب قوله بعد يقظته: " الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا" أي: أرجع إلينا أرواحنا بفضله ومنته.
والنشور: هو البعث بعد الموتة الكبرى، فمصيرنا إلى ربنا، حتى يجازينا على أعمالنا كما وعدنا.
ففي هذا الحديث كالذي قبله، ذكر اسم الله -تعالى- عند النوم، والتوسل به، والثناء عليه بأن له الحمد، وهذا من الدعاء بأسماء الله الحسنى.
[ ١ / ٢٣٢ ]
٢٤-قال: " حدثنا سعد بن حفص، حدثنا شيبان، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر - ﵁ - قال: كان النبي -ﷺ- إذا أخذ مضجعه من الليل قال: باسمك نموت ونحيا، فإذا استيقظ قال: الحمد لله، الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور".
أبو ذر الغفاري: اختلف في اسمه، واسم أبيه، وصحح الحفاظ أنه جندب بن جنادة، كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، غير أنه ذهب إلى قومه فتأخرت هجرته، ففاتته غزوات الرسول -ﷺ- الأولى، وكان عازفًا عن الدنيا، راغبًا بما عند الله، وقصة إسلامه في "الصحيحين"، وكان من الحنفاء قبل أن يسلم، له أخبار كثيرة، ومناقب شهيرة، توفي في الربذة سنة اثنتين وثلاثين، -﵁- (١) .
هذا الحديث ليس فيه زيادة على الذي قبله، إلا قوله: " من الليل"، والأول يدخل فيه نوم الليل والنهار.
_________________
(١) انظر: " الاستيعاب" (١/٢٥٢)، و"الرياض المستطابة" (ص٢٧٢) .
[ ١ / ٢٣٣ ]