الله عنه- (١) .
"قوله: "لا يرحم الله من لا يرحم الناس" في رواية لمسلم: "من لا يرحم الناس، لا يرحمه الله".
وعند الطبراني: "من لا يرحم من في الأرض، لا يرحمه من في السماء" ورواته ثقات.
ولأبي داود، والترمذي، والحاكم: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".
وفي الطبري: "من لا يرحم المسلمين لم يرحمه الله" (٢) .
قلت: ومعنى هذه الروايات واحد، ففي هذه الأحاديث وأمثالها كثير، دليل على أن الرحمة صفة تقوم بمن يشاء الله من عباده، الذين يريد-جل وعلا- رحمتهم، وتتخلف عن الأشقياء، الذين لا يرحمهم الله -تعالى-.
وقد روى البخاري في " الأدب المفرد"، من حديث أبي هريرة، أن النبيﷺ - قال: " لا تنزع الرحمة إلا من شقي" (٣) .
وقد علم من دين الرسل، وكتب الله تعالى، أن الله متصف بالرحمة، وليست رحمته ثوابه وجزاءه، كما يقوله أهل التحريف والمؤولة، من الأشعرية وغيرهم.
_________________
(١) انظر: "أسد الغابة" (/٣٣٣)، و"الاستيعاب" (١/٢٣٦)، و"الإصابة" (١/٤٧٥)، و"سير أعلام النبلاء" (٢/٥٣٠) .
(٢) "الفتح" (١٠/٤٤٠) .
(٣) انظر: "الأدب المفرد" (ص١٣٦)، قال محققه: أخرجه الترمذي (٢٥)، كتاب البر والصلة (١٦) بابك ما جاء في رحمة المسلمين، وأبو داود، كتاب الأدب (٥٨)، باب في الرحمة، وأحمد في " المسند" رقم (٧٩٨٨، ٩٧٠٠، ٩٩٤١، ٩٩٤٦، ١٠٦٤) وغيرهم، وسنده صحيح.
[ ١ / ٧٨ ]
وقد قال الله-تعالى-: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١) .
فعطف الرحمة على الفضل يدل على المغايرة، وفضل الله-تعالى- الذي هو الثواب والجزاء-مخلوق، ليس من صفات الله - تعالى- القائمة به، وإن كان الفضل في الآية غير متعين إرادة الثواب به، بل يجوز أن يراد به التفضل الذي هو فعل الله -تعالى-.
وإذا كان الإجماع حاصلًا بين الأمة، بأن الله - ﵎- ليس كمثله شيء في ذاته المقدسة، فيجب أن تكون صفاته كصفات خلقه؛ لأن الصفة تتبع الموصوف، فصفات الله-تعالى- من الرحمة، والرضا، والغضب، وغير ذلك، تليق بعظمته، وتناسبه، وصفة المخلوق من ذلك وغيره تليق بضعفه، وعجزه وفقره.
وإن من الضلال، والبعد عن كتاب الله، وهدي رسوله، وسبيل المؤمنين حقًا، نفي صفات الله -تعالى- وتعطيله منها اعتلالًا بأنها تفيد التشبيه؛ لأن المخلوق
يوصف بتلك الصفات، وهل هذا إلا مثل من يقول: أنا لا أقر بوجود الله- تعالى- لأن المخلوق موجود؟
وقد تقدمت الإشارة إلى أن مجرد الاشتراك في الاسم أو في المعاني العامة لا يقتضي تشبيهًا، وسيأتي لذلك مزيد إن شاء الله- تعالى-.
_________________
(١) الآية ٥٨من سورة يونس.
[ ١ / ٧٩ ]
٧- قال: حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد، قال: كنا عند النبي –ﷺ – إذ جاءه رسول إحدى بناته تدعوه إلى ابنها في الموت، فقال النبيﷺ -: "ارجع فأخبرها، أن لله أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر، ولتحتسب".
فأعادت إليه الرسول، أنها أقسمت لتأتينها، فقال النبيﷺ – وقام معه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، فدفع الصبي إليه، ونفسه تقعقع كأنها في شن، ففاضت عيناه، فقال له سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء".
أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل، الكلبي، حب رسول اللهﷺ – وابن حبه ومولاه، وابن مولاته أم أيمن.
أمره رسول اللهﷺ – على جيش فيه كبار المهاجرين، والأنصار، منهم أبو بكر وعمر، وقال فيه –ﷺ -: "وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة" (١) .
وفي البخاري، وغيره أنه –ﷺ – قال له، وللحسن: "اللهم إني أحبهما، فأحبهما" (٢) .
وزوجه فاطمة بنت قيس- وهو ابن خمس عشرة سنة، وتوفي رسول الله – ﷺ – وهو ابن تسع عشرة سنة، وفضله عمر﵄- في العطاء على
_________________
(١) أخرجه البخاري في مواضع من "الصحيح"، انظر: "الفتح" (٧/٤٩٨، ٨٦) و(١١/٥٢١) .
(٢) انظر: "الفتح" ٧/٨٨، ٩٤) و(١٠/٤٣٤) .
[ ١ / ٨٠ ]
ابنه عبد الله، وحين راجعه قال له: إنه أحب إلى رسول الله - ﷺ – منك.
واعتزل الحروب بين أهل الشام وأهل العراق، ومات بوادي القرى سنة أربع وخمسين، وقيل غير ذلك (١) .
قوله: "إحدى بناته" قال الحافظ: "هي زينب، كما جاء في "مصنف ابن أبي شيبة" (٢) .
قلت: يشير إلى ما رواه ابن أبي شيبة بالسند المذكور هنا، قال: "دمعت عين رسول اللهﷺ – حين أتي بابنة زينب، ونفسها تقعقع كأنها في شن، قال: فبكى، قال: فقال له رجل: تبكي وقد نهيت عن البكاء " فذكر بقية الحديث كما ذكره البخاري (٣) .
ثم قال الحافظ: "ووجدت في الأنساب للبلاذري، أن عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بنت النبيﷺ – لما مات، وضعه النبي –ﷺ – في حجره وقال: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء".
وفي "مسند البزار"، عن أبي هريرة، قال: ثقل ابن فاطمة، فبعث إلى النبيﷺ - فذكر نحو الحديث المذكور هنا، فعلى هذا، فالابن هو محسن بن على بن أبي طالب، وقد اتفق أهل العلم بالأخبار أنه مات صغيرًا، في حياة النبيﷺ -، فهذا أولى أن يفسر به الابن، لكن الصواب أن المرسلة؛ زينب، وأن الولد صبية، كما ثبت في "مسند أحمد" بالسند المذكور، ولفظه: "أتي النبيﷺ- بأمامة بنت زينب، ونفسها تقعقع
_________________
(١) انظر: "الإصابة" (١/٤٩) تحقيق البجاوي، و"سير أعلام النبلاء" (٢/٤٩٦) وغيرها.
(٢) انظر: "الفتح" (٣/١٥٦) .
(٣) انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (٣/٣٩٢) .
[ ١ / ٨١ ]
كأنها في شن " وذكر بقية الحديث (١) . ومثله في "معجم الطبراني"، وقد شفاها الله- تعالى- فعاشت زمنًا بعد وفاة رسول الله – ﷺ – وتزوجها على ابن أبي طالب، بعد وفاة فاطمة، وقتل وهي عنده، -﵃- جميعًا" (٢) .
قوله: "إن لله ما أخذ، وله ما أعطى"، قال النووي﵀-: "هذا أحسن ما يعزى به" ثم قال: " وهذا الحديث من أعظم قواعد الإسلام؛ لاشتماله على مهمات كثيرة من أصول الدين، وفروعه، والآداب، والصبر على النوازل كلها، والهموم، والأسقام وغير ذلك، ومعنى قوله: "إن لله ما أخذ" أن العالم كله ملك لله –تعالى-، فلم يأخذ ما هو لكم، بل أخذ ما هو له عندكم، في معنى العارية.
ومعنى: "وله ما أعطى" أن ما وهبه لكم ليس خارجًا عن ملكه، بل هو له يفعل فيه ما يشاء، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلا تجزعوا فإن من قبض فقد
انقضى أجله المسمى، فمحال تأخره أو تقدمه عنه، فاعلموا ذلك، واصبروا، واحتسبوا ما نزل بكم" (٣) .
وقوله: "وكل شيء عنده بأجل مسمى" من فقد محبوب، أو حصول مرغوب، وتصرف في هذا الكون الذي هو بأسه ملك لله يفعل فيه ما يريد، وأجل المسمى: هو المقدر بوقت معين لا يتأخر عنه، ولا يتقدم.
وفي هذه الجملة من الحديث دليل واضح على أن الله تعالى قدر كل شيء وكتبه، وعلم وقته وحاله، وأن الحوادث كلها تقع على تقدير دقيق، لا تتأخر عن ذلك لحظة ولا تتقدم، وهذا أصل عظيم من أصول الدين الإسلامي، يجب
_________________
(١) انظر: "المسند " (٥/٢٠٤) .
(٢) "الفتح" (٣/١٥٦) .
(٣) انظر: "الأذكار" (ص٢١٢-٢١٣) .
[ ١ / ٨٢ ]
أن يعلم. والإيمان به من أركان الدين لابد منه، والأدلة عليه من الكتاب والسنة كثيرة.
قوله: "فلتصبر، ولتحتسب" الصبر: حبس النفس عن الجزع، والتسخط، وحبس الجوارح عما نهى عنه الشرع من شق الثياب، وخمش الوجوه ولطمها، والكلام الذي ينافي التسليم لرب العالمين، وما أشبه ذلك مما يدل على تسخط الأقدار، والاعتراض على القضاء الذي قضاه الله قبل وجود الخلق.
والاحتساب: هو نية طلب الثواب من الله على الإيمان بالقدر، والتسليم لأمر الله –تعالى-، والإيمان بوعد الله –تعالى-، فإنه وعد على الصبر الجزاء.
قال ابن القيم: "حقيقة الصبر: أنه خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن، ولا يجمل" (١) .
قوله: "فأعادت إليه الرسول، أنها أقسمت لتأتينها" جاء في بعض الروايات أنها راجعته ثلاث مرات، وإنما ذهب إليها بعد الثالثة.
والحامل لها ما علمت من أن حضور النبي –ﷺ – فيه الخير والبركة، وأنه يتوقع أن يرفع الله ببركة دعائه وحضوره ما هي فيه وابنتها من ألم وتوجع، وقد حقق الله – تعالى – أملها ورغبتها، فشفا مريضها كما سبق.
ولا يعترض على هذا أن القدر لابد من وقوعه، فكيف يتخلف من أجل الدعاء أو غيره، فإن الله تعالى جعل لكل شيء سببًا، ورتب المسببات على أسبابها، فقدر أن هذا الشيء يقع في وقت معين مع سببه، فالدعاء المأمور به لا يلزم أن يكون قدرًا مكتوبًا، بل إذا أمر الله عباده بالدعاء، فمنهم من يطيعه فيستجيب له دعاءه إن شاء الله أو يمن عليه بما طلبه، فيدل ذلك على أن المعلوم لله –تعالى- المقدر له هو الدعاء والإجابة.
ومنهم من يعصي أمر الله تعالى فلا يدعو، فلا يحصل ما علق على الدعاء، فيدل على أن المعلوم لله- تعالى – المقدر: عدم الدعاء وما رتب عليه من الإجابة.
فما يحصل بالدعاء قدر الله حصوله بالدعاء لا بدونه، وهو-جل
_________________
(١) "عدة الصابرين" (ص١٢) .
[ ١ / ٨٣ ]
وعلا- يبتلي خلقه بالمصائب، تأديبًا لهم، وتكفيرًا لذنوبهم، رحمة منه بهم.
قوله: "ونفسه تقعقع كأنها في شن" القعقعة: صوت الشيء اليابس الجاف الخفيف إذا حرك، يعني بذلك: صوت نفسه عند صعوده ونزوله في صدره من شدة الألم.
والشن: بفتح الشين وتشديد النون: القربة الخلقة اليابسة.
قوله: "ففاضت عيناه"أي ذرفت عينا رسول الله –ﷺ – بالدموع رحمة لهذا الضعيف، وتوجعًا لما نزل به من ألم شديد.
"فقال سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ " كان –ﷺ – ينهى عن البكاء على الميت، فظن سعد﵁- وغيره أن النهي يدخل فيه دمع العين، وحزن القلب، فبين لهم النبي –ﷺ – أن المنهي عنه هو التسخط من المقدور، ودعوى الجاهلية من العويل والنوح، وتعداد محاسن الميت، وما أشبه ذلك من لطم الوجه وشق الثياب ونحوه، مما يدل على السخط من الواقع، وعدم الصبر.
وأما دمع العين وحزن القلب، فهو من الرحمة للضعفاء التي هي سبب رحمة أرحم الراحمين-جل وعلا-.
قوله: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده" أي " الدمع الذي رأيته من أثر الرحمة التي جعلها الله – تعالى – في قلوب عباده، الذين أراد -تعالى –رحمتهم؛ لأن الجزاء من جنس العمل، والإضافة هنا خاصة، أي الذين عبدوه باتباع أمره، واجتناب نهيه، وقد تكون عامة، فإن الكافر قد يرحم الصغير، فيبكي عليه رحمة.
قوله: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء" أي: رحمة الله-تعالى- للمحسنين إلى عباده برحمتهم، والرحماء من صيغ المبالغة، ولهذا قال بعض الشراح: "المعنى: أن الله –تعالى- لا يرحم من عباده إلا كثير الرحمة، فالرحماء جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة" (١) .
_________________
(١) "المنهل العذب المورود" (٨/٢٧٧) .
[ ١ / ٨٤ ]
قلت: هذا الحصر لا ينبغي، وإن كان التركيب في الحديث يفيده، ولكن فيما يظهر لي-والله أعلم- أنه غير مقصود؛ للأدلة على أن رحمة الله وسعت كل شيء، وإنما المقصود هنا رحمة خاصة بمن هذه صفتهم.
وهذا القدر من الحديث هو محل الشاهد الذي سيق الحديث من أجله، مع قوله "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده" وذلك أن القدر المشترك بين أسماء الله –تعالى- وصفاته، وبين أسماء المخلوقين وصفاتهم في اللفظ والمعنى لا يقتضي المشابهة؛ لأن أسماء الله –تعالى- حسنى، لا يلحقها نقص، ولا عيب، بخلاف أسماء المخلوقين-وإن كان منها الحسن- فليست بحسنى، ولأن الصفات تابعة للموصوف، وكذلك الأسماء، فالرحمة اسمه-تعالى-، والرحمة صفته، والمخلوق يتصف بالرحمة التي يرحم بها، وهي تابعة له في الخلق والمعنى، فهي مخلوقة فيه؛ لأنه مخلوق فصفاته مخلوقة، وهو ضعيف فقير محتاج، وصفاته تناسبه في ذلك مع أنه يسمى "رحيمًا" و"راحمًا" والله-تعالى موصوف بالرحمة ويسمى "رحيمًا"، ولا يكون في ذلك تشبيه؛ لأن المخلوق اسمه وصفته يختص به، والله-تعالى- اسمه وصفته يختصان به، فرحمة الله صفه له عليا، صفة الكمال، وسالمة من كل نقص أو عيب يمكن أن يلحق المخلوق، فليست رحمته-تعالى- عن ضعف أو عجز، بل عن كمال فضله وإحسانه، ولا يجوز أن تؤول بالثواب أو العطاء، أو إرادة ذلك، وما أشبهه مما يقوله أهل التأويل، كما ذكر الحافظ ابن حجر عن شراح البخاري وغيرهم، كقول ابن بطال: "إن المراد برحمته: إرادته تقع لمن سبق في علمه أنه ينفعه، وأما الرحمة التي جعلها في قلوب عباده، فهي من صفات الفعل (١) =
وصفها بأنه خلقها في قلوب عباده، وهي رقة على المرحوم، وهو سبحانه منزه عن
_________________
(١) صفات الفعل عند الأشعرية: ما فعله-تعالى- منفصلًا عنه- يعني مخلوقاته التي وجدت بصفة الخلق-وليس هناك اشتباه بين ما يسميه ابن بطال صفات فعل، وبين صفات الله، حتى يلزم ما ذكره.
[ ١ / ٨٥ ]
الوصف بذلك، فتتأول بما يليق به" (١) .
وذكر من هذا النوع أشياء تخالف نصوص كتاب الله، ونصوص سنة رسوله، ﷺ – كما هي عادته؛ لأنه- عفا الله عنا وعنه- على المذهب الأشعري الذي يعتمد على تأويل صفات رب العالمين، وإن كان أحيانًا يذكر مذهب السلف فيما ينقله، ولكنه لا يتبناه، بل يخلط بينه وبين ما يخالفه.
وهذا المذهب- أعني مذهب الأشعرية الذي عليه أكثر المتأخرين- مخالف لما عليه رسل الله صلى الله عليهم وسلم، ومخالف لكتبه، ولما عليه أتباع الرسل، كما أعترف بذلك بعض كبار علماء هذا المذهب، كالفخر الرازي، والجويني، والغزالي، والشهرستاني، وغيرهم، كما يأتي ذكر ذلك، إن شاء الله-تعالى-.
وهكذا تبرر الأشعرية تأويل صفات رب العالمين بما تعرفه من صفات المخلوقين، فكأنهم لم يعرفوا من الرحمة إلا أنها العطف والرقة على المرحوم، ولا من الغضب إلا أنه غليان دم القلب ثم طلب الانتقام، وما أشبه ذلك، ولهذا لجأوا إلى التحريف الذي يسمونه تأويلًا، وجعلوه واجبًا ضروريًا، حتى لا يلزم التشبيه، فيسلم المسلم من التشبيه والتجسيم على ما زعموا.
هذا مع أنهم ينكرون على الفلاسفة تأويلهم نصوص المعاد، وعلى الباطنية تأويلهم الشرائع أشد الإنكار، فما الذي سوغ لهم تأويل نصوص الصفات مع كثرتها ووضوحها؟ وما ادعوه أن العقل يوجب ذلك، بإمكان كل مبطل أن يدعيه.
فليس هناك عاصم من الضلال، إلا الوقوف مع نصوص كتاب الله وسنة رسولهﷺ -، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في المقدمة.
_________________
(١) "الفتح" (١٣/٣٥٨) .
[ ١ / ٨٦ ]
قال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن على بن المرتضى اليماني-رحمه الله تعالى-: "الأمر الثاني: وهو النقص في الدين، برد النصوص والظواهر، ورد حقائقها إلى المجاز، من غير حجة قاطعة، تدل على ثبوت الموجب للتأويل، إلا مجرد التقليد لبعض أهل الكلام في قواعد لم يتفقوا عليها، وأفحش ذلك مذهب القرامطة الباطنية في تأويل الأسماء الحسنى كلها، وفيها عن الله-تعالى-، على سبيل التنزيه
له عنها، وتحقيق التوحيد بذلك، ودعوى أن إطلاقها يقتضي التشبيه، حتى قالوا: لا يقال" إنه موجود، ولا معدوم.
فكما أن كل مسلم يعلم أن هذا كفر صريح، فكذلك المحدث الذي طالت مطالعته للآثار، وقد يعلم أن تأويل بعض المتكلمين مثل ذلك.
ومن الضروري ورود أسماء الله الحسنى في كتابه على سبيل التمدح بها والثناء العظيم عليه بها، ألا ترى-مثلًا- أن الرحمن الرحيم متلوان في جميع الصلوات، مذكوران في أكثر محافل المسلمين، مجمعين على أنهما أحسن الثناء على الله- تعالى- متقربين إلى الله-تعالى- بمدحه بهما؟
وكرر-تعالى- التمدح بالرحمة في كتابه أكثر من خمسمائة مرة، باسم الرحمن أكثر من مائة وستين مرة، وباسمه الرحيم أكثر من مائتي مرة، وجمعهما مائة وستين مرة. وجاء الرحيم مقترنًا مع التواب مرارًا، ومرارًا مع الرؤوف، والرأفة أشد الرحمة، مرارًا مع الغفور، وهي كثيرة، عرفت منها سبعة وستين موضعًا.
وقد فطر الله العقول على معرفة رحمة الله، وسعة علمه، وكمال قدرته.
فما هو المانع من إثبات صفة الرحمة ونحوها مما أثبته الله ورسوله، مع نفي النقائص المتعلقة بصفات المخلوقين في حياتهم، وكذلك كل صفة يتصف بها الرب-تعالى- ويوصف بها العبد. فإنه –جل وعلا- يوصف بها على أكمل وجه، خالية عن جميع النقائص، والعبد يوصف بها على ما يناسبه، من نقص وضعف، وبهذا فسر أهل السنة نفي التشبيه، ولم يفسروه بنفي الصفات كما فعل المعطلة.
[ ١ / ٨٧ ]
ومما يدل على بطلان التأويل: كون المعتزلة يسخرون من تأويل الأشعرية للحكيم، والأشعرية تسخر من تأويل بعض المعتزلة للسميع البصير، وأهل السنة يسخرون من تأويل الفريقين للرحمن الرحيم، وما أشبههما، والكل يسخر من تأويل القرامطة. فيجب إثبات ما وصف الله به ذاته الكريمة، من غير تأويل، ولا تعطيل.
ولا يجوز القول بأن ظاهر هذه الأسماء كفر، وضلال، وأن الصحابة والسلف الصالح لم يفهموا ذلك، أو أنهم فهموه ولم يقوموا بالواجب من نصح المسلمين وبيان التأويل الحق؛ لأمرين:
الأول: قاطع ضروري، وهو أن العادة توجب أن ما كان كذلك أن يظهر التحذير منه، من رسول اللهﷺ – ومن أصحابه، ويتواتر أعظم من تحذيرهم من الدجال الكذاب، ولا يجوز-مع كمال عقولهم وأديانهم- أن يتركوا صبيانهم ونساءهم وعامتهم يسمعون ما ظاهره كفر، منسوبًا إلى الله- تعالى- ورسوله ويسكتون عليه، مع بلادة الأكثرين.
ولو تركوا بيان ذلك، ثقة بنظر العقول الدقيق، لتركوا التحذير من فتنة الدجال، فإن بطلان ربوبيته أظهر في العقول من ذلك، ألا ترى أن المتكلمين لما اعتقدوا قبح هذه الظواهر، تواتر عنهم التحذير عنها، وتأويلها، فصنفوا في ذلك، وأيقظوا الغافلين، وعلموا الجاهلين، وكفروا المخالفين، وأشاعوا ذلك بين المسلمين، بل بين العالمين، فكان أحق منهم بذلك سيد المرسلين وقدماء السابقين، وأنصار الدين، لو كان ذلك حقًا.
الثاني: أنه ثبت تحريم الزيادة في الدين، فلا يصح سكوت الشرع عن النص على ما يحتاج إليه، من مهمات الدين، فالإسلام متبع، لا مخترع، ولذلك كفر من أنكر شيئًا من أركان الدين؛ لأنها معلومة ضرورة، فأولى وأحرى أن لا يجيء الشرع بالباطل منطوقًا متكررًا من غير تنبيه على ذلك، لاسيما إذا كان ما سموه باطلًا، هو المعروف في جميع كتب الله، ولم يأت ما يعارضه من طريق شرعي، ولا عقلي، حتى يجب التأويل.
[ ١ / ٨٨ ]
وكثير منهم يزعم أنه ما جاء التصريح بالحق في آية واحدة تكون هي المحكمة التي رد إليها جميع المتشابه، والله-تعالى- ذكر أنه أنزل في كتابه آيات محكمات، ترد إليها المتشابهات، ولم يذكر أن جميع كتابه متشابه، فبطل ما يقولون.
وقد اعترف الرازي- في كتابه "الأربعين" (١) - وهو من أكبر خصوم أهل السنة- أن جميع الكتب السماوية جاءت بصفات الله –تعالى- ولم ينص الله-تعالى- في آية واحدة على أنه منزه عن الوصف بالرحمة والحلم والحكمة، وما أشبه ذلك. والأمر ظاهر وإن لم يعترف به، وهذه الكتب السماوية موجودة.
وهبك تقول: هذا الصبح ليل أيعمى العالمون عن الضياء" (٢)
قلت: دعوى المجاز في اسمه –تعالى- "الرحمن" وغيره من الأسماء الحسنى، من أبطل الدعاوى؛ لأن ذلك يتضمن إنكار حقيقة صفة الرحمة، وهو أعظم من إنكار الكفار لاسمه تعالى "الرحمن"، كما ذكر الله –تعالى- عنهم ذلك، قال –تعالى-: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (٣) .
وقال –تعالى-: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ (٤) .
فهؤلاء الذين كفروا بالرحمن، وأنكروه، لم يكفروا بذاته-تعالى- وربوبيته، ولم ينكروا ما يدعيه المؤولة أن معنى اسمه الرحمن هو الإحسان والإنعام إلى خلقه،
_________________
(١) كتاب "الأربعين في أصول الدين في علم الكلام".
(٢) " إيثار الحق على الخلق"، بتلخيص وتصرف (ص١٢٩-١٣٩) .
(٣) الآية ٣٠ من سورة الرعد.
(٤) الآية ٦٠ من سورة الفرقان.
[ ١ / ٨٩ ]
وإنما أنكروا اسمه-تعالى- "الرحمن" أن يسمى به.
وإنكار صفة الرحمة أعظم من إنكار الاسم، وهو من أعظم الإلحاد في أسمائه –تعالى-؛ لأن وضع الاسم مقصود به الدلالة على المعنى المراد منه، وهو الرحمة، كما هو معلوم في جميع أسمائه تعالى.
وتعليلهم لنفي الرحمة عن الله-تعالى- بأنها رقة القلب التي تحمل الميل إلى المرحوم.
جوابه: أن هذه رحمة المخلوق، ووصفه، وأما رب العالمين، فليس كمثله شيء في ذاته وصفاته، فليست رحمته-تعالى- من جنس رحمة خلقه-جل وعلا-.
ومما يعجب منه أن أهل التأويل (١) يجعلون الرحمة بالنسبة للمخلوق حقيقة، وبالنسبة لله-تعالى- مجازًا، فكيف تكون رحمة أرحم الراحمين التي وسعت كل شيء مجازًا، ورحمة المخلوق الضعيف حقيقة؟
وكل العقلاء يدركون آثار رحمة الله –تعالى- في الخلق، كما يدركون آثار ربوبيته أو أعظم، وهذا من أظهر الأشياء وأوضحها.
ومعلوم أن الأسماء التي تسمى الرب –تعالى- بها –وهي كلها حسنى- لها معان يستدل بها عليها؛ لأنها مشتقة من تلك المعاني، وهذه المعاني هي الصفات، وليست أسماؤه تعالى مجرد أعلام، فالرحمن يدل على الرحمة، والعليم يدل على العلم، والحكيم يدل على الحكمة، وهكذا جميع أسمائه تعالى.
_________________
(١) أقصد الذين يؤولون الصفات كما هي طريقة أكثر الأشعرية.
[ ١ / ٩٠ ]