وما سأعمله، وما ظهر منها لأحد من خلقك، وما خفي عنهم، ولم يعلمه غيرك.
وقوله في الرواية الأخرى: " أنت الحق، وقولك الحق، " فيها البيان بأن اسم الحق يقع على ذات الله -تعالى- اسمًا، كما سبق بيانه، ويقع على صفاته، كما في قوله: " وقولك الحق".
وفي هذا الحديث وأمثاله دليل على وقوع الذنوب من الأنبياء، إذ لو لم يكن له ذنب كيف يسأل المغفرة؟ وقد قص الله -تعالى- ما وقع لبعض الرسل من
المخالفات، وهذه مسألة مشهورة عند العلماء، وقد ألف فيها مؤلفات خاصة، وقد اتفق أهل السنة على أن ما يبلغونه من أمر الله وشرعه أنهم معصومون فيه من الخطأ، وأما وقوع الذنوب منهم ففيه الخلاف، وقد بالغ بعض الناس، وكفر من قال بوقوع الذنب منهم، وهذا جهل من قائله.
[ ١ / ١٨٢ ]
قال شيخ الإسلام: " اتفق المسلمون على أنهم معصومون فيما يبلغون عن الله -تعالى-، وبهذا يحصل المقصود من البعثة، ولو لم تقع منهم الذنوب لفاتهم ما في التوبة من محبة الله وفرحه، ورفع درجة التائب، وكون التائب بعد التوبة أفضل منه قبلها، مع ما في القول بأن الذنوب لا تقع منهم من تكذيب لكتاب الله، وأخبار رسوله، أو تحريف لها، ومن اعتقد أن كل من لم يكفر، ولم يذنب، أفضل من كل من آمن بعد كفره، أو تاب بعد الذنب، فهو مخالف لما علم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن من المعلوم أن الصحابة أفضل من أبنائهم الذين ولدوا في الإسلام.
وقد قال -تعالى- في أفضل الرسل: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ لما نزلت قال الصحابة: يا رسول الله، هذا لك، فما لنا؟ فأنزل – ﷿ -: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ .
وتوبة الأنبياء واستغفارهم أدلته كثيرة، فكيف يقال: إنه لم يكن لهم ما يوجب التوبة والاستغفار، ولا تفضل الله عليهم بمحبته، وفرحه بتوبتهم، ومغفرته لهم ورحمته، واعتراف جليل القدر بما هو عليه من الحاجة إلى التوبة والاستغفار دليل على صدقه، ورفعته، وتواضعه، وعبوديته لله تعالى – والغنى عن الحاجة من خصائص الربوبية وقد قال –ﷺ-: " اللهم اغفر خطئي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي" (١) .
قال: " باب: ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ " (٢)
يريد بهذه الترجمة بيان أن هاتين الصفتين – السمع والبصر- ثابتتان لله بالكتاب والسنة، وإجماع أتباع الرسل، وبالعقل، والفطرة، وبيان أن الله -تعالى- لم يزل بصفاته، وبيان أن المنكر لهاتين الصفتين قد ضل عن كتاب الله، وسنة رسوله، واتبع غير سبيل المؤمنين أتباع الرسل.
قال القسطلاني: " وقد علم بالضرورة من الدين، وثبت في الكتاب والسنة، بحيث لا يمكن إنكاره ولا تأويله، أن الباري -تعالى- حي سميع بصير، وانعقد إجماع أهل الأديان – بل جميع العقلاء- على ذلك" (٣) .
"فالسمع، والبصر، والحياة، والعلم، والقدرة، والكلام، ونحوها، صفات كمال لا نقص فيها، فمن اتصف بها أكمل ممن لا يتصف بها، والنقص في انتفائها لا في ثبوتها بإجماع العقلاء، والقابل للاتصاف بها كالحيوان أكمل، ممن لا يقبل الاتصاف بها كالجماد" (٤)
قلت: الحامل على إنكار ذلك هو الجهل بالله -تعالى- والقياس الفاسد؛ حيث قاسوا ذلك على ما يعرفون من أنفسهم بأن السمع ينشأ عن وصول الهواء إلى عصب الصماخ، والبصر عبارة عن وقوع أشعة الإبصار على جسم مقابل.
قالوا: هذا لا يكون إلا من جوارح وأجسام.
_________________
(١) انظر: " منهاج السنة" (١/٢٢٧-٢٢٨) ملخصًا.
(٢) الآية ١٣٤ من سورة النساء.
(٣) "إرشاد الساري" (١٠/٣٧٠) .
(٤) "مجموع الفتاوى" (٦/٨٨) .
[ ١ / ١٨٣ ]
فيقال لهم: هذه صفة أسماعكم وأبصاركم، أما رب العالمين فصفاته تابعة لذاته، وذاته ليس لها نظير أو شبيه، فكذلك صفاته تعالى.
وكيفية صفاته -تعالى- مجهولة للخلق، ويكفينا أن نعلم أنه -تعالى- متصف بما وصف به نفسه ووصفته به رسله حقيقة، وأنه في ذلك ليس له مثل، كما قال -تعالى-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
قال الحافظ: " قال ابن بطال: غرض البخاري في هذا الباب الرد على
من قال: إن معنى "سميع بصير" عليم، قال: ويلزم من قال ذلك أن يسويه بالأعمى الذي يعلم أن السماء خضراء، ولا يراها، والأصم الذي يعلم أن في الناس أصواتًا، ولا يسمعها، ولا شك أن من سمع وأبصر، أدخل في صفة الكمال، ممن انفرد بأحدهما دون الآخر.
فصح أن كونه سميعًا بصيرًا، يفيد قدرًا زائدًا على كونه عليمًا.
وكونه سميعًا بصيرًا يتضمن أنه يسمع بسمع، ويبصر ببصر، كما تضمن كونه عليمًا أنه يعلم بعلم، ولا فرق بين إثبات كونه سميعًا بصيرًا، وبين كونه ذا سمع وبصر، وهذا قول أهل السنة قاطبة" (١)
وقال البيهقي: " السميع من له سمع يدرك به المسموعات، والبصير من له بصر يدرك به المرئيات، وكل منهما في حق الباري صفة قائمة بذاته" (٢) .
وقد تكاثرت الأدلة من كتاب الله -تعالى- ومن سنة رسوله –ﷺ- على إثبات السمع والبصر صفتين لله -تعالى- حقيقتين على ما يليق بعظمته -تعالى- قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٣)، ﴿وَكَانَ اللهُ
_________________
(١) "الفتح" (١٣/٣٧٣) .
(٢) "الاعتقاد" (ص٥٨) .
(٣) الآية ٥٨ من سورة النساء.
[ ١ / ١٨٤ ]
سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (١)، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٢)، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣)، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٤)، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥)، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٦)، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٧)، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٨) .
في آيات كثيرة قد ذكر الله -تعالى- في القرآن السمع والبصر، واصفًا بهما نفسه، فيما يقرب من مائة آية، مرة يجمع بين السمع والبصر، ومرة بين السمع والعلم، ومرة يذكر البصر وحده متعلقًا بعمل العباد، كقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٩)، ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١٠) .
وقد تقرر في الفطر والعقول، أن عدم السمع والبصر، والأرجل والأيدي، نقص وعيب يمتنع معه دعوة الفاقد لذلك؛ لامتناع كونه إلهًا، إذ الإله يجب أن يكون سميعًا بصيرًا حيًا قادرًا، كاملًا، لا نقص فيه، ولا عيب، قال –تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ
_________________
(١) الآية ١٣٤ من سورة النساء.
(٢) الآية ٦١ من سورة الحج.
(٣) الآية ١ من سورة الإسراء.
(٤) الآية ٧٥ من سورة الحج.
(٥) الآية ٢٠ من سورة غافر.
(٦) الآية ١١ من سورة الشورى.
(٧) الآية ٥٦ من سورة غافر.
(٨) الآية ١ من سورة المجادلة.
(٩) الآية ٢٦٥ من سورة البقرة.
(١٠) الآية ٢٠ من سورة آل عمران.
[ ١ / ١٨٥ ]
لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٩٤﴾ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ (١) .
وقال -تعالى- عن خليله إبراهيم في دعوته أبيه إلى الله -تعالى- ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾ (٢) .
وأما سنة رسول الله –ﷺ- فقد جاءت موافقة لما في كتاب الله ومبينة له، وهي كثيرة جدًا، نكتفي بذكر يسير منها بالإضافة إلى ما ذكره البخاري في الباب.
فمن ذلك ما رواه أبو داود بسنده على شرط مسلم، عن أبي هريرة أنه قرأ قول الله -تعالى-: ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٣) فوضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه، وقال: " رأيت رسول الله –ﷺ- يقرأ ويضع إصبعيه" (٤) . قال البيهقي عقب روايته لهذا الحديث: " والمراد بالإشارة في هذا الخبر: تحقيق الوصف لله – ﷿ – بالسمع والبصر، فأشار إلى محل السمع والبصر منا لإثبات صفة السمع والبصر لله -تعالى-، وأفاد هذا الخبر أنه سميع بصير، له سمع وبصر، لا على معنى أنه عليم، إذ لو كان بمعنى العلم لأشار في تحقيقه إلى القلب؛ لأنه محل العلوم منا" (٥) .
ثم ذكر البيهقي لحديث أبي هريرة هذا شاهدًا، من حديث عقبة بن عامر، سمعت رسول الله –ﷺ- يقول على المنبر: " إن ربنا سميع بصير،
_________________
(١) الآيتان ١٩٤، ١٩٥ من سورة الأعراف.
(٢) الآية ٤٢ من سورة مريم.
(٣) الآية ١٣٤ من سورة النساء.
(٤) انظر: " سنن أبي داود" (٥/٩٧) .
(٥) "الأسماء والصفات" (ص١٧٩) ملخصًا.
[ ١ / ١٨٦ ]
وأشار بيده إلى عينيه" (١) قال الحافظ: سنده حسن (٢)، وروى اللالكائي عن ابن عباس أنه قرأ قوله –تعالى-: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ فأشار بيده إلى عينيه (٣) .
قال ابن خزيمة: " نحن نقول: لربنا عينان يبصر بهما ما تحت الثرى، وتحت الأرض السابعة السفلى، وما في السماوات، وما بينهما من صغير وكبير، لا يخفى
عليه خافية، فهو تعالى يرى ما في جوف البحار ولججها، كما يرى عرشه الذي هو مستو عليه" (٤) .
فالسمع والبصر من الصفات الثابتة لله -تعالى- بقوله عن نفسه، ويقول رسوله –ﷺ-، وبالعقل، والفطرة، وإجماع أهل العلم والإيمان، ولم ينكر ذلك إلا شواذ الطوائف المارقة من الحق، كالجهمية، وإخوانهم من بعض المعتزلة، وليس معهم على ذلك إلا التحذلق، والكلام الفارغ من الحق والمعنى الصحيح، أو التوهم بأن إثبات الصفات يقتضي التشبيه، حيث توهموا أن صفات الله كصفات خلقه، تعالى الله.
قوله -تعالى-: ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، "كان" هنا تدل على الدوام والاستمرار الذي يعم جميع الأوقات، كما قال علماء النحو: " إن "كان" تستعمل بمعنى: بقي على حاله، واستمر شأنه، وسيستمر من غير انقطاع، ولا تقيد بزمن، نحو: كان الله غفورًا رحيمًا" (٥) .
قال ابن جرير: " إن الله لم يزل ﴿سميعًا﴾ بما تقولون، وتنطقون، وهو سميع لذلك منك إذا حكمتم بين الناس، ولما تحاورونهم به.
_________________
(١) هذا الحديث لم أجده في "الصفات" المطبوع، فيكون في النسخة التي نقل منها الحافظ.
(٢) "الفتح" (١٣/٣٧٣) .
(٣) "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (٢/٤١١) .
(٤) كتاب "التوحيد" (ص٥٠) .
(٥) "النحو الواضح" (١/٥٤٩)، وانظر " " المقتضب للمبرد" (٤/١١٩) .
[ ١ / ١٨٧ ]
﴿بصيرًا﴾ بما تفعلون فيما ائتمنتم عليه من حقوق رعيتكم وأموالهم، وما تقضون به بينهم من أحكامكم، بعدل تحكمون أو جور، لا يخفى عليه شيء من ذلك، حافظ ذلك كله، حتى يجازي محسنكم بإحسانه، ومسيئكم بإساءته، أو يعفو بفضله" (١)
قوله: " قال الأعمش، عن تميم، عن عروة، عن عائشة، قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، فأنزل الله -تعالى- على النبي –ﷺ-: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ ".
هذا الحديث رواه أحمد في "المسند" موصولًا (٢)، وابن ماجه في "السنن" (٣)، والنسائي (٤)، وكلهم بأتم مما ذكر البخاري.
ولفظهم: " أنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة – وللنسائي- خولة – إلى النبي –ﷺ- وأنا في ناحية البيت، وما أسمع ما تقول، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآية.
ورواه ابن ماجه في كتاب الظهار من "السنن" بأتم مما هنا (٥) .
قال ابن عبد البر: " روينا من وجوه عن عمر بن الخطاب، أنه خرج ومعه الناس فمر بعجوز، فاستوقفته، فجعل يحدثها وتحدثه، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست الناس على هذه العجوز، فقال: ويلك! أتدري من هذه؟
_________________
(١) "تفسير الطبري" (٨/٤٩٤) بتحقيق محمود شاكر.
(٢) انظر: " المسند" (٦/٤٦)، وانظر: " الفتح الرباني " (١٨/٢٩٨) .
(٣) انظر: " سنن ابن ماجه " (١/٦٧) .
(٤) "المجتبى " (٦/١٦٨) .
(٥) انظر: " سنن ابن ماجه" (١/٦٦٦) .
[ ١ / ١٨٨ ]
هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة التي أنزل الله فيها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ والله لو أنها وقفت إلى الليل ما فارقتها إلا لصلاة، ثم أرجع إليها " (١) .
قال ابن كثير: ورواه ابن أبي حاتم، وساقه بسنده (٢) .
قوله: " وسع سمعه الأصوات" أي: استوعبها وأدركها فلا يفوته منها شيء وإن خفي، فحينما ذكرت المرأة قصتها لرسول الله – ﷺ- وقال لها: " قد حرمت عليه" جعلت تقول – بصوت منخفض يخفى على عائشة مع قربها منها-: بعدما
كبرت سني ظاهر مني؟ إلى الله أشكو حال صبية إن ضممتهم إليَّ جاعوا، وإن تركتهم عنده ضاعوا. فهذه مجادلتها لرسول الله – ﷺ- التي ذكرها الله –تعالى- بقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ وهذا من أبلغ الأدلة على اتصاف الله –تعالى- بالسمع، وهو أمر معلوم بالضرورة من الدين، لا ينكره إلا من ضل عن الهدى.
وقول عائشة هذا يدل على أن الصحابة – ﵃، آمنوا بالنصوص على ظاهرها الذي يتبادر إلى الفهم، وأن هذا هو الذي أراده الله منهم ومن غيرهم من المكلفين ورسوله، إذ لو كان هذا الذي آمنوا به واعتقدوه خطأ لم يقروا عليه ولبين لهم الصواب، ولم يأت عن أحد منهم تأويل هذه النصوص عن ظواهرها، لا من طريق صحيح ولا ضعيف، مع توافر الدواعي على نقل ذلك مما يبين قطعًا أن الذي أريد منهم، ومن كل مؤمن، هو ظاهر الخطاب، وهذا واضح لمن تأمل النصوص، وعرف حال الصحابة.
وبهذا يتبين بطلان التأويل، وأنه سلوك غير سبيل الرسول –ﷺ- وصحابته، والتابعين لهم، إلى نهاية الدنيا.
_________________
(١) "الاستيعاب" (٤/١٨٣١) بتحقيق البجاوي.
(٢) انظر: " تفسير ابن كثير" (٨/٦٠) مطبعة الشعب.
[ ١ / ١٨٩ ]