قال: " باب قول الله -تعالى-: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١)، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٢)، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ (٣)، ومن حلف بعزة الله، وصفاته".
﴿العزيز﴾ هو الذي له العزة التامة، والقوة الكاملة، فلا يعجزه شيء، القاهر لكل شيء فلا يمتنع من قوته شيء، المنيع الذي لا ينال ولا يغالب.
"فالعزة تتضمن القوة، ولله القوة جميعًا، يقال: عز يعز - بفتح العين- إذا اشتد وقوى، ومنه الأرض العزاز - الصلبة الشديدة - ويعز يعز - بكسر العين- إذا امتنع ممن يرومه، ويعز يعز - بضم العين - إذا غلب وقهر.
فأعطوا أقوى الحركات - وهي الضمة- لأقوى المعاني، وهو الغلبة والقهر للغير، وأضعفها - وهي الفتحة - لأضعف هذه المعاني، وهو كون الشيء في نفسه صلبًا، والحركة المتوسطة - وهي الكسرة - للمعنى المتوسط، وهو القوي الممتنع عن غيره، ولا يلزم منه أن يقهر غيره، ويغلبه.
_________________
(١) الآية ٤ من سورة إبراهيم، والآية ٦٠ من سورة النحل، والآية ٢٦، ٤٢ من سورة العنكبوت أيضًا، والآية ٢٧ من سورة الروم، والآية ٩ من سورة لقمان، والآية الثانية من سورة فاطر، والآية الأولى من سورة الحديد، والآية الأولى من سورة الحشر، والأخيرة منها، والآية الأولى من سورة الصف، والآية الثالثة من سورة الجمعة.
(٢) الآية ١٨٠ من سورة الصافات.
(٣) الآية ٨ من سورة المنافقون.
[ ١ / ١٤٥ ]
والعز ضد الذل، والذل أصله الضعف والعجز، فالعز يقتضي كمال القدرة، ولهذا يوصف به المؤمن، ولا يكون ذمًا له، بخلاف الكبر.
قال رجل للحسن البصري: إنك متكبر، فقال: " لست بمتكبر، ولكني عزيز".
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) .
وقال ابن مسعود: " ما زلنا أعزة، منذ أسلم عمر" (٢) .
وقال النبي -ﷺ- " اللهم أعز الإسلام بأحد هذين الرجلين، عمر بن الخطاب، أو أبي جهل بن هشام" (٣) .
وفي بعض الآثار: " إن الناس يطلبون العزة في أبواب الملوك، ولا يجدونها إلا في طاعة الله - ﷿ - ".
وفي الحديث: " اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك".
وقال بعضهم: " من أراد عزًا بلا سلطان، وكثرة بلا عشيرة، وغنى بلا مال، فلينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة".
فالعزة من جنس القوة" اهـ (٤) .
قال الحافظ: " العزيز الذي يقهر ولا يقهر، فإن العزة التي لله -تعالى- هي الدائمة الباقية وهي العزة الحقيقية الممدوحة، وقد تستعار العزة للحمية والأنفة، فيوصف بها الكافر والفاسق، وهي صفة مذمومة، ومنه قوله -تعالى-: ﴿أخذته العزة بالإثم﴾ (٥)، وأما قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ
_________________
(١) الآية ٨ من سورة المنافقون.
(٢) رواه البخاري وغيره، انظر: " الفتح" (٧/٤١) .
(٣) قال الهيثمي: رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، انظر: "مجمع الزوائد" (٩/٦١) .
(٤) "طريق الهجرتين" (ص١٠٩)
(٥) الآية ٢٠٦ من سورة البقرة.
[ ١ / ١٤٦ ]
الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (١)، فمعناه: من كان يريد أن يعز، فليكتسب العزة من الله، فإنها لا تنال إلا بطاعته، ومن ثم أثبتها لرسوله وللمؤمنين، فقال -تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ (٢)، وقد ترد العزة بمعنى الصعوبة، كقوله -تعالى-: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ (٣)، وبمعنى الغلبة ومنه ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ (٤)، وبمعنى القلة: كقولهم: شاة عزوز، إذا قل لبنها، وبمعنى الامتناع، ومنه قولهم: أرض عزاز، بفتح أوله مخففا" ا. هـ (٥) .
﴿الحكيم﴾ هو الذي يضع الأشياء مواضعها التي يحسن أن توضع فيها، ولا يدخل تدبيره خلل ولا زلل، وهذا من أسمائه -تعالى- الحسنى التي كثر ذكرها، في القرآن، وما جاء عن رسول الله -ﷺ- وهو -تعالى- موصوف بالحكمة، وقد دل على ذلك شرعه -تعالى- وخلقه، فمن الضلال إنكار ذلك، وكفى بالمرء ضلالًا أن ينفي عن الله -تعالى- ما وصف به نفسه، ووصفه به رسله.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ " أصل التسبيح عند العرب: التنزيه لله عن إضافة ما ليس من صفاته إليه، والتبري من ذلك، كما قال أعشى بني ثعلبة:
أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر
أي: سبحان الله من فخر علقمة، أي تنزيها لله مما أتي علقمة من الافتخار على وجه التكبر منه لذلك" (٦) .
_________________
(١) الآية ١٠ من سورة فاطر.
(٢) الآية ٨ من سورة المنافقين.
(٣) الآية ١٢٨ من سورة التوبة.
(٤) الآية ٢٣ من سورة ص.
(٥) "الفتح" (١٣/٣٦٩) وذكر أن هذا كلام الراغب، ولكن الحافظ تصرف فيه وغير وزاد ونقص، ولهذا أضفته إليه.
(٦) ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١/٢١١) .
[ ١ / ١٤٧ ]
وقال أيضًا: " وسبحان: اسم مصدر، لا تصرف له، ومعناه: نسبحك" (١) .
وفي "تاج العروس": " وسبحانه: تنزيها لله عن كل ما لا ينبغي أن يوصف به، قال الزجاج: سبحان في اللغة: تنزيها لله - ﷿ - عن السوء" (٢) .
فالتسبيح: تنزيه الله - تعالى- عما لا يليق بعظمته، مأخوذ من السبح، وهو الإبعاد والسرعة في السير، يقال: فرس سبوح، إذا كانت تسرع في السبح الذي هو السير والجري، ومنه قوله -تعالى-: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ فسرت بالخيل، وبالسفن، وبالنجوم، وكلها تسبح وتبعد في سبحها.
وقوله ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي ذي العزة وصاحبها، فرب هنا بمعنى ذي وصاحب، والعزة صفته، فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وأخذ اسمه تعالى "العزيز" منها.
وقوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيها وتقديسًا لذي العزة التي لا ترام، عن الذي يصفه به المشركون، من أن له صاحبة أو ولدًا، أو شريكًا، أو وليًا من الذل، أو أن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن أحدًا يتصرف في ملكه بدون إرادته ومشيئته.
وتنزيهًا لذي العزة التي غلب بها كل شيء عما يقوله المعطلون لصفاته، حيث أنكروها أو أولوها تأويلًا يؤول إلى إنكارها، وتنزيهًا له -تعالى- عما يقوله المحرفون الملحدون في صفاته الظانون بالله ظن السوء، حيث توهموا أن اتصافه -تعالى- بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله -ﷺ - يقتضي التشبيه، فحرفوا صفاته عما أراده بناء على أوهامهم الباطلة.
_________________
(١) المصدر نفسه (١/٢٢١) .
(٢) "تاج العروس" (٢/١٥٦) .
[ ١ / ١٤٨ ]