قال: باب قول الله-تعالى-: (أنا الرزاق ذو القوة المتين) .
٨- "حدثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال النبيﷺ -: "ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد، ثم يعافيهم، ويرزقهم".
أبو موسى الأشعري: هو عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري.
وأمه ظبية بنت وهب بن عك، هاجر إلى الحبشة قديمًا، ثم قدم على النبيﷺ - في خيبر، مع جعفر وأصحابه، وهو من سادات الصحابة وعلمائهم، عرف بالشجاعة والاجتهاد في طلب الخير، وكان قارئًا حسن الصوت، حتى قال فيه النبيﷺ -: "لقد أعطي مزمارًا من مزامير آل داود" (١)
توفي -﵁- بمكة، وقيل: بالكوفة، سنة اثنتين، أو أربع وأربعين، عن ثلاث وستين سنة (٢) .
أما الآية فهكذا قرأها ابن مسعود، وقال: إنه أقرأه إياها رسول الله -ﷺ - كما رواه الإمام أحمد بسند صحيح (٣)، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: حسن صحيح (٤) .
_________________
(١) انظر: "البخاري" (٦/١٦١) "فضائل القرآن".
(٢) انظر: "الاستيعاب" (٣/٩٧٩)، "أسد الغابة" (٣/٣٦٧)، "الإصابة" (٦/١٩٤) .
(٣) انظر: "السند" (١/٣٩٤) .
(٤) "تفسير ابن كثير" (٧/٤٠٢)، وانظر: "سنن أبي داود" (٤/٢٩١) وفيه: "إني أنا الرزاق" الخ، ومثله في الترمذي (٤/٢٦٢) .
[ ١ / ٩١ ]
وهذه الآية مرتبطة بالآية قبلها في المعنى، وهي قوله-تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴿٥٧﴾ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (١)، والمعنى: أنه -تعالى- خلق العباد ليعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، فمن أطاعه في ذلك جازاه أتم الجزاء وأحسنه، ومن أبى وعصاه عذبه أشد العذاب.
وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم" (٢) .
فهو-جل وعلا- لم يخلقهم ليستعين بهم أو ليقوى بهم، كما يقصد السادة من عبيدهم.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ هذه القراءة المجمع عليها، المتواترة، وقراءة ابن مسعود تتفق معها في المعنى.
والمعنى: أن الله -تعالى- هو المتكفل بأرزاق الخلق وحاجاتهم؛ وأكد الجملة بـ "إن" والضمير؛ لقطع توهم من يعتمد على قوته، أو علمه وصنعته، أو غير ذلك، في أمور الرزق،؛ ليصرف اعتمادهم إلى الله وحده.
﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ أي القوة العظيمة التي لا تضاهي، ولا تقاس بقوة خلقة مهما بلغت قوتهم، فهو-تعالى- على كل شيء قدير، لا يمتنع عليه شيء.
و﴿الْمَتِينُ﴾ الشديد القوة، الذي لا يطرأ عليه عجز أو ضعف، تعالى وتقدس، وهذا المروي عن ابن عباس كما ذكره الطبري (٣) .
قال ابن الجوزي: "والمتين: الشديد القوة الذي لا تنقطع قوته،
_________________
(١) الآيات ٥٦-٥٨ من سورة الذاريات.
(٢) "تفسير ابن كثير" (١/٤٠٢) .
(٣) انظر: "تفسير الطبري" (٢٧/١٣) .
[ ١ / ٩٢ ]