صفاته، ودعتهم إلى الإلحاد في أسمائه وصفاته.
قوله: " إنها لتعدل ثلث القرآن " عدل الشيء بفتح العين: ما عادله من غير جنسه، والعدل بكسر العين: المثل، تقول: عندي عدل شاتك، أو عدل مالك، إذا كان عندك شاة مثل شاة من تخاطبه، ومال مثل ماله، فإن أردت ما يعادل ذلك من غير جنسه فتحت العين، ذكر ذلك بعض أهل اللغة. (١)
ومعنى كونها تعدل ثلث القرآن: أن القرآن أنزل على ثلاثة أقسام: ثلث منه الأحكام وبيان الحلال من الحرام.
وثلث منه الوعد والوعيد، والجزاء، وما وقع بمن كذب الله ورسله، وما سيقع بهم في الآخرة، وكذا من أطاعه.
وثلث منه في أسماء الله تعالى وصفاته. وهذه السورة خالصة في الأسماء والصفات، قاله أبو العباس ابن سريج، وغيره من السلف.
واعتراض ابن عبد البر على هذا: بأن في القرآن آيات كثيرة اشتملت على أكثر مما في هذه السورة من التوحيد، كآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وأول سورة الحديد، قد أجاب عنه القرطبي في شرحه لمسلم: بأن سورة الإخلاص قد اشتملت على اسمين من أسماء الله متضمنين جميع أوصاف الكمال، ولم يوجدا في غيرها من السور، وهما "الأحد" و"الصمد".
" والقرآن باعتبار معانيه ثلاثة أقسام: توحيد، وقصص، وأمر ونهي، وكله كلام الله تعالى، والكلام إما إنشاء، وإما إخبار.
فالإنشاء: هو الأمر والنهي، وما يتبع ذلك كالإباحة.
والإخبار: أما عن الخالق - تعالى -، أو عن المخلوق، فالإخبار عن الخالق
_________________
(١) انظر: " ترتيب اللسان" (٣/٧٠٧) .
[ ١ / ٥٣ ]
هو التوحيد وما يتضمنه من أسماء الله وصفاته.
والإخبار عن المخلوق، هو القصص، وهو الخبر عما كان، وما يكون.
و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ هي صفة الرحمن خالصة لذلك، وبهذا الاعتبار عدلت ثلث القرآن؛ لما فيها من التوحيد، الذي هو ثلث معاني القرآن، وليس معنى ذلك أنه يكتفي بها عن سائر القرآن، بمعنى أن من قرأها ثلاثًا كفاه عن قراءة القرآن؛ لأن النبي –ﷺ- قال: " إنها تعدل ثلث القرآن ".
وقد تقدم أن عدل الشيء- بالفتح- يطلق على ما ليس من جنسه، كما قال تعالى: ﴿أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ فجعل الصيام عدل الكفارة، وهما جنسان.
فثواب قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وإن كان يعدل ثواب قراءة ثلث القرآن في القدر، فلايلزم أن يكون مثله في النوع والصفة؛ لأنها لا تغني عما اشتمل عليه القرآن من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وسائر ما يحتاج إليه العباد. فالناس محتاجون إلى جميع القرآن، ومنتفعون به لا تغني عنها سورة الإخلاص، وإن كانت تعدل ثلث القرآن " (١) .
وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة على تفاضل كلام الله – تعالى -، وصافته، وهو المأثور عن السلف، وعليه أئمة الفقهاء وغيرهم، ونصوص الكتاب والسنة تؤيد ذلك.
قال الله – تعالى –: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٢) فأخبر- تعالى – أنه يأتي بخير منها أو مثلها، فدل على أن الآيات تتماثل مرة، وتتفاضل أخرى، والتوراة، والإنجيل والقران كلها كلام الله – تعالى – وقد أجمع
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (١٧/٢٠٧-٢٠٨) بتصرف.
(٢) الآية ١٠٦ من سورة البقرة.
[ ١ / ٥٤ ]