وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لله القوة والغلبة والقهر.
والعزة من صفات ذاته -تعالى- التي لا تنفك عنه، بعزته وقهر بها كل شيء، وكل عزة حصلت لخلقه فهي منه، وكل من كان إليه أقرب وله أطوع كانت عزته أتم وأكمل من غيره، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وسبب نزول هذه الآية الكريمة قول رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول الذي ذكره الله عنه: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ (١)، كما ثبت في "الصحيحين" وغيرهما (٢)، يقصد بالأعز: نفسه وذويه، وبالأذل: رسول الله ﷺ - وأصحابه.
وقوله: "ومن حلف بعزة الله وصفاته". وصفاته: من عطف العام على الخاص، ومراده: أنه قد ثبتت النصوص بالحلف بعزة الله وبصفاته، نحو كلماته، وقد تقرر في دين الإسلام، أنه لا يحلف بغير الله -تعالى- وأن الحلف بغيره شرك كما صح عن الرسول -ﷺ - أنه قال: "من حلف بغير الله، فقد كفر أو أشرك" (٣) وعند أبي داود، "من حلف بغير الله فقد أشرك" (٤) .
وعنده أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ -: "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون" (٥) .
_________________
(١) الآية ٨ من سورة المنافقون.
(٢) انظر: البخاري مع"الفتح" (٨/٦٤٤)، و"مسلم" (٤/١٩٩٨) .
(٣) رواه الترمذي وقال: حسن، انظر: الترمذي مع "تحفة الأحوذي" (٢/٣٧١) .
(٤) "السنن" (٣/٥٧٠)، ورواه أحمد في "مسنده" (٢/٣٤) .
(٥) "السنن" (٣/٥٦٩) .
[ ١ / ١٤٩ ]
وفي"الصحيحين" عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله -ﷺ - أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب، يحلف بأبيه، فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا بالله أو ليصمت" (١) .
وبهذا يتبين أن الحلف بقدرة الله وعزته وسائر صفاته، أنه كالحلف به-تعالى-، وأن صفاته ليست مخلوقة؛ لأنه لا يجوز الحلف بالمخلوق، ولا منفصلة عنه-تعالى-.
وبهذا يظهر مراد البخاري -﵀- بهذا الباب وهو إثبات الصفات لله -تعالى-، والرد على من أنكرها كالمعتزلة، ومن تابعهم، وقد تقدم الكلام في ذلك.
قال الحافظ: "والذي يظهر أن مراد البخاري بالترجمة: إثبات العزة لله، رادًا على من قال: إنه عزيز بلا عزة، كما قالوا: العليم بلا علم" (٢) .
قلت: لا يقصد إثبات العزة بخصوصها، بل مع سائر الصفات كما هو ظاهر.
قوله: "وقال أنس: عن النبي -ﷺ -: "تقول جهنم: قط قط وعزتك".
وقال أبو هريرة: عن النبي -ﷺ -: يبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولًا الجنة، فيقول: رب أصرف وجهي عن النار، لا أسألك غيرها".
قال أبو سعيد: إن رسول الله -ﷺ - قال: "قال الله -﷿-: "لك ذلك وعشرة أمثاله".
وقال أيوب: "وعزتك، لا غنى بي عن بركتك".
هذه المعلقات قد رواها موصولة، فحديث أنس سيذكره في هذا الباب
_________________
(١) انظر: "البخاري مع الفتح" (١١/٥٣٠)، و"مسلم" (٤/١٢٣٩) .
(٢) "الفتح" (١٣/٣٧٠) .
[ ١ / ١٥٠ ]
موصولًا، وحديث أبي هريرة يأتي كذلك، وقد تقدم أيضًا في الرقاق، وقول أيوب ﵇ قد رواه في الوضوء، وفي أحاديث الأنبياء.
والمراد من هذه الأحاديث هنا ظاهر، إذ فيها الحلف بعزة الله-تعالى- ولا يحلف إلا بالله أو بصفاته، ولكن حديث أبي هريرة لم يذكر محل الشاهد منه، وإنما أشار إليه، وهو قول الرجل يخاطب رب العالمين: "وعزتك، لا أسألك غيرها".
[ ١ / ١٥١ ]