"فعند أهل السنة أن الله على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وأما المحال لذاته مثل كون الشيء الواحد موجودًا معدومًا، فهذا لا حقيقة له، ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئًا باتفاق العقلاء، ومن هذا الباب خلق مثل نفسه، وأمثال ذلك" (١) .
قال: " باب مقلب القلوب" وقول الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ (٢) .
قال الراغب: " تقليب الشيء: تغييره من حال إلى حال، والتقليب: التصرف، وتقليب الله القلوب والبصائر: صرفها من رأي إلى رأي " (٣) .
قال ابن عباس: " لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء، وردت عن كل أمر " (٤) .
وقال مجاهد: "ونحول بينهم وبين الإيمان، ولو جاءتهم كل آية، فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة" (٥) .
قال الحافظ: " المراد بتقليب القلوب: تقليب أعراضها، وأحوالها، لا تقليب ذات القلب" (٦) .
أخبر -تعالى- أنه يعاقب من لا يقبل الحق، أو يرده أول ما يبلغه بتقليب القلب، وتركه يعمه في ضلاله وغيه، كما في هذه الآية المذكورة في الباب، وكما في قوله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٧)، وفي هذا بيان أن الله -تعالى- إذا منع فضله الإنسان، بالهداية، أنه يكون منحرفًا ضالًا.
_________________
(١) المصدر السابق (١/٢١٣) .
(٢) الآية ١١٠ من سورة الأنعام.
(٣) "المفردات" (ص٤١١) .
(٤) رواه الطبري، انظر: " التفسير" (١٢/٤٣، ٤١) .
(٥) المصدر نفسه (١٢/٤٤) .
(٦) "الفتح" (١١/٥٢٧) .
(٧) الآية ٥ من سورة الصف.
[ ١ / ٢١١ ]
ومراد البخاري - ﵀ - وصف الله -تعالى- بأنه المنفرد بالتصرف في خلقه حتى قلوب العباد التي تنطوي على آرائهم، ونياتهم، وما يخططون لمستقبلهم، حيث يرى كثير منهم أو أكثرهم في الظاهر أنهم أحرار في أفكارهم، وما يريدونه، والواقع أن الله - تعالى- هو الذي يصرفهم في ذلك، فلا قدرة لهم إلا بعد مشيئته،
وبهذا يشير البخاري - ﵀ - إلى تمام قدرة الله التي سبق ذكرها في الباب قبل هذا، حيث بين بهذا أن الله هو المتصرف بالقلوب، فإن شاء جعلها مريدة للخير، وإن شاء جعلها مريدة للشر وبذلك يعلم أنه لا قدرة لأحد على شيء إلا بعد أن يجعله الله قادرًا عليه، خلافًا لما يقوله الضالون عن الحق، من أهل البدع والانحراف.
[ ١ / ٢١٢ ]
٢٠-قال: " حدثنا سعيد بن سليمان، عن ابن المبارك، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن عبد الله، قال: " أكثر ما كان النبي -ﷺ- يحلف: لا، ومقلب القلوب".
ذكر البخاري - ﵀ - هذا الحديث في كتاب القدر، بلفظ: " كثيرًا ما كان النبيﷺ- يحلف" لا، ومقلب القلوب" (١) .
وذكر عن ابن عمر - أيضًا -: " كانت يمين النبي -ﷺ- لا، ومقلب القلوب" (٢) .
وفي رواية ابن ماجه: " كان أكثر أيمان رسول الله -ﷺ-: لا، ومصرف القلوب" (٣) .
قال الحافظ: " في هذا الحديث دليل على أن أعمال القلب، من الإرادات والدواعي وسائر الأعراض، بخلق الله -تعالى- وفيه جواز تسمية الله -تعالى- بما ثبت من صفاته على الوجه الذي يليق به" (٤) .
ففي هذا الحديث، وما هو نحوه من الدلائل، أن الله -تعالى- هو الذي يتولى قلوب العباد يصرفها كيف يشاء، وهذا من تمام ملكه، فلا ينازعه أحد في التدبير والتصرف، ولا يقع في الوجود إلا ما أراده، وبهذا يعلم مدى حاجة العبد إلى ربه، وأنه لا غنى له عنه طرفة عين، فلا بد له من هدايته وتوفيقه، وإلا ضل
_________________
(١) انظر: " البخاري مع الفتح" (١١/٥١٣) .
(٢) انظر: المرجع السابق (ص٥٢٣) .
(٣) انظر: " سنن ابن ماجه" (١/٦٧٧) رقم (٢٠٩٢) .
(٤) "فتح الباري" (١١/٥٢٧) .
[ ١ / ٢١٣ ]
وتاه في مهامه نهايتها الهلاك، والعذاب المؤبد، وهذا لا ينافي تكليف العباد بالأعمال التي يترتب عليها الجزاء، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى - في موضعه.
وفي " صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمرو، أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: " إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين، من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه
كيف يشاء" ثم قال رسول الله -ﷺ-: " اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك" (١) .
_________________
(١) انظر: " مسلم"، كتاب القدر، (٤/٢٠٤٥) رقم الحديث (٢٦٥٤) .
[ ١ / ٢١٤ ]