قال: " باب قول الله -تعالى- ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (١) - تغذى- وقوله - جل ذكره-: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (٢) ".
ققد دل كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله -ﷺ- صراحة، وإجماع أهل العلم بالله والإيمان به، على أن الله -تعالى- موصوف بأن له عينين، حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته.
وقد جاء ذكر العين وصفًا لله -تعالى- في القرآن مفردة، مضافة إلى الضمير المفرد، كما جاءت مجموعة، مضافة إلى ضمير الجمع، كما في هاتين الآيتين اللتين ذكرهما البخاري. ولم يأت ذكر العين وصفا لله -تعالى- في القرآن مثناة، ولكن جاء ذلك في الحديث عن رسول الله -ﷺ-، والحديث إذا صح عن الرسول -ﷺ- وجب الإيمان بما دل عليه، والعمل به.
قال ابن القيم: " ذكر العين مفردة، لا يدل على أنها عين واحدة، ليس إلا كقولك: افعل هذا على عيني، لا يريد له أن له عينًا واحدة.
ولما أضيفت العين إلى اسم الجمع، ظاهرًا أو مضمرًا، حسن جمعها مشاكلة للفظ، كقوله -تعالى-: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (٣)، وقوله -تعالى- ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٤)
_________________
(١) جزء من الآية ٣٩ من سورة طه.
(٢) جزء من الآية ١٤ من سورة القمر.
(٣) جزء من الآية ١٤ من سورة القمر.
(٤) جزء من الآية ٣٧ من سورة هود.
[ ١ / ٢٨١ ]
وهذا نظير لفظ اليد المضافة إلي المفرد، كقوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (١)، و﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ (٢)، ولما أضيفت إلى ضمير الجمع جمعت، كقوله -تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ (٣) .
وقد جاء في كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله -ﷺ- ذكر العين مضافة إلى الله -تعالى- مفردة، ومجموعة.
وجاءت السنة بإضافتها إليه -تعالى- مثناة، كما قال عطاء: عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-: " إن العبد إذا قام في الصلاة، قام بين عيني الرحمن، فإذا التفت قال له ربه: إلى من تلتفت؟ إلى خير لك مني ".
وقوله -ﷺ-: " إن ربكم ليس بأعور" صريح بأنه ليس المراد إثبات عين واحدة، فإن ذلك عور ظاهر، تعالى الله عنه.
وهل يفهم من قول الداعي: " اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام" أنها عين واحدة ليس إلا، إلا ذهن أقلف، وقلب أغلف؟
وقد استدل السلف على إثبات العينين لله -تعالى- بقوله - جل وعلا - ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ وممن صرح بذلك أبو الحسن الأشعري في الإبانة، والموجز، والمقالات" (٤) .
قوله -تعالى-: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ فسر البخاري "تصنع" بتغذى، من التغذية، يقال: صنعت الفرس، إذا أحسنت القيام عليه (٥) .
_________________
(١) جزء من الآية مفتتح سورة الملك.
(٢) جزء من الآية ٢٦ من سورة آل عمران.
(٣) الآية ٧١ من سورة يس.
(٤) " مختصر الصواعق" (ص٢٤) ط الإمام.
(٥) " الفتح" (١٣/٣٨٩) .
[ ١ / ٢٨٢ ]
قال ابن كثير: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ قال أبو عمران الجوني: تربى بعين الله -تعالى- وقال قتادة: تغذى على عيني.
وقال معمر بن المثنى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ بحيث أرى.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "يعني: أجعله في بيت الملك، ينعم ويترف، غذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة" (١) .
وأسند ابن جرير هذه الأقوال، وروى عن ابن جريج: أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت، ثم في البحر. واختار قول قتادة.
وقال: " وعنى بقوله: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ بمرأى مني، ومحبة، وإرادة" (٢) .
قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، قال ابن جرير: " يقول - جل ثناؤه-: تجري السفينة التي حملنا نوح فيها، بمرأى منا، ومنظر" (٣) .
قلت: وكذا قال غيره من المفسرين، ومن لازم الرؤية والنظر وجود العين، ففي هاتين الآيتين، وغيرهما من نصوص كتاب الله وحديث رسوله كثير، إثبات العينين
لله -تعالى- اللتين ينظر بهما إلى ما يريد، ولا يحجب نظره حاجب، وقد تقدم وجه الجمع والإفراد في ذلك.
وقال الأزهري: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ قال أصحاب النقل والأخذ بالأثر: الأعين: يريد به العين، قال: وعين الله لا تفسر بأكثر من ظاهرها، ولا يسع أحدًا أن يقول: كيف هي، أو ما صفتها؟ - ذكره عن ابن الأنباري-" (٤) .
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" (٥/٢٧٨) ط الشعب.
(٢) "تفسير الطبري" (١٦/١٦٢-١٦٣) ط الحلبي.
(٣) المرجع السابق (٢٧/٦٤) .
(٤) انظر: " تهذيب اللغة" (٣/٢٠٥) .
[ ١ / ٢٨٣ ]