فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله -ﷺ - عن ذلك، فقال: إنما هو جبريل".
وأخرجه ابن مردويه بسند مسلم، فقال: "أنا أول من سأل رسول الله -ﷺ - عن هذا، فقلت: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ فقال: "لا، إنما رأيت جبريل منهبطًا" (١) .
قلت: أعجب من كلام النووي ما قاله ابن خزيمة -﵀- فإنه ذكر هذا الحديث بعينه - أعني قول عائشة-: "أنا سألت رسول الله -ﷺ - عن هذا، قال: "رأيت جبريل نزل في الأفق، على خلقه، وهيئته، سادًا ما بين الأفق" ثم بعد أسطر قال: "إن عائشة لم تحك أن النبي -ﷺ - أخبرها أنه لم ير ربه" (٢) .
فهذا ونحوه هو ما غر النووي -﵀- ودعاه إلى رد قول عائشة من غير تأمل للأدلة؛ والله المستعان.
وكثير من العلماء يذكر الخلاف في أن النبي -ﷺ - رأى ربه ليلة المعراج، "وليس في الأدلة ما يقضي بأنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة صريحًا، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، كما في "صحيح مسلم"، عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله -ﷺ - هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه" (٣) .
وقد قال -تعالى-: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ (٤)، ولو كان قد رأى ربه بعينه لكان ذكر ذلك أولى، وكذلك قوله -تعالى-: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٥)، ولو كان رآه لكن ذكر ذلك أولى.
_________________
(١) "الفتح" (٨/٦٠٧) .
(٢) انظر: كتاب"التوحيد"، لابن خزيمة (ص٢٢٦) .
(٣) انظر: "صحيح مسلم" (٣/١٢) بشرح النووي.
(٤) الآية ١ من سورة الإسراء.
(٥) الآية ١٨ من سورة النجم.
[ ١ / ١١٦ ]
وفي "الصحيحين" عن ابن عباس، في قوله -تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾ (١)، قال: هي رؤيا عين، أريها رسول الله -ﷺ - ليلة أسرى به، وهذه رؤيا الآيات؛ لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم، وكذبه قوم، ولم يخبرهم بأنه رأى ربه بعينه، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه" ا. هـ (٢) .
وبهذا تبين أن قول عائشة -﵂- هو الراجح، الذي تؤيده الأدلة -والله أعلم-، وظاهره أن مرادها أنه -تعالى- لا يرى في الدنيا.
قوله: "وهو يقول: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ استدلت عائشة - ﵂ - بظاهر الآية على نفي الرؤية، وقد قال بذلك بعض المفسرين، كما رواه ابن جرير بسنده، عن السدي، قال: "لا يراه شيء وهو يرى الخلائق" (٣) .
وذكر ابن كثير ما رواه ابن أبي حاتم بسنده إلى إسماعيل ابن علية أنه قال: "هذا في الدنيا، وعن هشام بن عبيد الله نحوه" (٤) .
وذكر السيوطي: أن الحسن قال مثل ذلك، قال: أخرجه أبو الشيخ، والبيهقي في كتاب: الرؤية (٥) .
وبهذه الآية تعلق المعتزلة في نفي رؤية الله -تعالى- في الآخرة، ووجه ذلك أنه جعل متعلق الإدراك البصر، فلما نفاه عنه كان ظاهر ذلك نفي الرؤية. والحق ثبوت رؤية المؤمنين لله -تعالى- في الآخرة، كما تواترت النصوص في ذلك.
_________________
(١) الآية ٦٠ من سورة الإسراء.
(٢) "مجموع الفتاوى" (٦/٥٨٠) .
(٣) انظر: "تفسير الطبري" (٧/٣٠١) قال السيوطي: أخرجه ابن أبي حاتم، "الدر المنثور" (٣/٣٣٥) .
(٤) انظر: "تفسير ابن كثير" (٣/٣٠٣) .
(٥) "الدر المنثور" (٣/٣٣٥) .
[ ١ / ١١٧ ]
والجواب عما استدلوا به: أن الرؤية ثبتت في آيات أخر، كقوله-تعالى-: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١)، وقوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ (٢)، والأخبار بذلك ثابتة عن رسول الله - ﷺ - بل متواترة، كما سيأتي، إن شاء الله -تعالى-.
فيتعين أن المراد بالإدراك المنفي في الآية هو الإحاطة، وبذلك فسره ابن عباس -﵄- وغيره من السلف.
قوله: "ومن حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب، وهو يقول: "ولا يعلم الغيب إلا الله" الضمير في قوله: "إنه يعلم" يعود على محمد -ﷺ - أي: من زعم أن محمدًا -ﷺ- يعلم الغيب، فقد كذب، لأن علم الغيب يختص بالله -تعالى-، كما قال -تعالى- مخاطبًا نبيه -ﷺ - وأمرًا له أن يقول: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ (٣)، والآيات في هذا كثيرة.
وعلم الغيب من خصائص الرب -تعالى- التي بعث رسله وأنزله كتبه لبيانها، ونفي ذلك عمن سواه -تعالى-.
وأما قول -تعالى-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ) (٤)، فهي كقوله -تعالى-: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ (٥)، فهي تبين أن الله -تعالى يطلع من يشاء من رسله على ما يشاء من المغيبات، وذلك بوحيه إليهم، مثل إخباره عما جرى من الأمم الماضية، وما أصيبوا به من
_________________
(١) الآية ٢٢-٢٣من سورة القيامة.
(٢) الآية ١٥ من سورة المطففين.
(٣) الآية ٥٠ من سورة الأنعام.
(٤) الآيتان ٢٦-٢٧ من سورة الجن.
(٥) الآية ٢٥٥ من سورة البقرة.
[ ١ / ١١٨ ]