١٥- قال: " حدثنا قبيصة؛ حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن سليمان، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: كان النبي - ﷺ - يدعو من الليل: اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض، لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، لك الحمد أنت نور السماوات والأرض، قولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وأسررت، وأعلنت، أنت إلهي، لا إله لي غيرك".
حدثنا ثابت بن محمد، حدثنا سفيان بهذا وقال: " أنت الحق، وقولك الحق".
كان النبي -ﷺ- يقول هذا الدعاء بعد أن يكبر تكبيرة الإحرام في تهجده، كما بينه ابن خزيمة، حيث قال:
"باب ذكر الدليل على أن النبي - ﷺ- كان يحمد بهذا التحميد بعد أن يكبر" ثم ساق بالسند إلى ابن عباس، قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا قام للتهجد قال بعد ما يكبر: اللهم لك الحمد " الخ. (١)
قوله: "اللهم لك الحمد " الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، و"ال" فيه للاستغراق، والاستقصاء، أي جميع الحمد واجب ومستحق لله تعالى، فهو المحمود على صفاته، وأسمائه، وعلى نعمه، وأياديه، وعلى خلقه وأفعاله، وعلى أمره وحكمه، وهو المحمود أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.
_________________
(١) "صحيح ابن خزيمة" (٢/١٨٤) .
[ ١ / ١٦٩ ]
وأما الشكر: فلا يكون إلا على الصفات المتعدية، ويكون بالقلب واللسان والجوارح، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (١) .
وقال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا
قوله: " أنت رب السماوات والأرض " أي: أنت مالكهما ومن فيهما، والمتصرف بهما بمشيئتك، وأنت موجدهما من العدم، فالملك لك، وليس لأحد معك اشتراك أو تدبير، تباركت وتعاليت.
قوله: " لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن" أي: أنت الذي أقمتهما من العدم، والقائم عليهما بما يصلحهما ويقيمهما، فأنت الخالق الرازق، المالك المدبر، المحيي المميت، الغني عن كل شيء، وكل من سواك فقير إليك، ومصيره إليك كما أنك أنت الذي أوجدته، فلك الحمد.
وفي رواية "قيام" وفي أخرى "قيوم"، وكلها من أبنية المبالغة.
"والقيم معناه: القائم بأمور الخلق، ومدبرهم، ومدبر العالم في جميع أحواله.
والقيوم: هو القائم بنفسه مطلقًا، لا بغيره، ويقوم به كل موجود، حتى لا يتصور وجود الشيء ولا دوام وجوده إلا به.
وقال النوربشتي: معناه: أنت الذي تقوم بحفظهما، وحفظ من أحاطتا به واشتملتا عليه، وقال " من" تغليبًا للعقلاء على غيرهم" اهـ (٢) .
قوله: " لك الحمد أنت نور السماوات والأرض " قال الحافظ: أي
_________________
(١) الآية ١٣ من سورة سبأ.
(٢) من القسطلاني (١٠/٣٦٩) .
[ ١ / ١٧٠ ]