قال: "باب قول الله -تعالى-: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ فيه ابن عمر عن النبي -ﷺ- ".
الملك هو: المتصرف بالأشياء حسب إرادته، ومشيئته، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه.
وخص الناس؛ لأنهم الذين يملكون بعض الأشياء، وفيهم ملوك فهو- تعالى- ملك من يملك، وملك الملوك، فدخل غيرهم في المعنى، وملكه - تعالى - دائم لا يزول.
قال الطبري: أخبر أنه ملك الناس "وهو ملك جميع الخلق، إنسهم وجنهم وغير ذلك، إعلامًا منه بذلك من كان يعظم الناس تعظيم المؤمنين ربهم، أنه ملك من يعظمه، وأن ذلك في ملكه وسلطانه، تجري عليه قدرته، وأنه أولى بالتعظيم، وأحق بالتعبد له ممن يعظمه، وتعبد له من الناس" ا. هـ. (١)
قال الراغب: " الملك هو: المتصرف بالأمر والنهي" (٢) .
وقال الزجاج: " قال أصحاب المعاني: الملك: النافذ الأمر في ملكه، إذ ليس كل مالك ينفذ أمره وتصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله -تعالى- مالك المالكين كلهم، إنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته -تعالى-" (٣) .
_________________
(١) "تفسير الطبري" (٣٠/٣٥٤) .
(٢) "المفردات" (ص٤٧٢) .
(٣) "تفسير الأسماء الحسنى" (ص٣٠) .
[ ١ / ١٣٧ ]
وقال الطبري: " ولا خلاف بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب أن الملك من الملك مشتق؛ وأن المالك من الملك (١) مأخوذ، فتأويل قراءة من قرأ "مالك يوم الدين" أن لله الملك يوم الدين خالصًا؛ دون جميع خلقه الذين كانوا قبل ذلك في الدنيا ملوكًا جبابرة، ينازعونه الملك، ويدافعونه الانفراد بالكبرياء والعظمة والسلطان والجبرية، فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصغرة الأذلة، وأن له - دونهم ودون غيرهم - الملك والكبرياء، والعزة والبهاء، كما قال- جل ذكره
وتقدست أسماؤه -: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٢)، فأخبر - تعالى ذكره- أنه المنفرد يومئذ بالملك، دون ملوك الدنيا، الذين صاروا يوم الدين من ملكهم إلى ذلة وصغار، ومن دنياهم في معادهم إلى خسار" (٣) .
قوله: " فيه ابن عمر" أي يدخل في هذا الباب حديث ابن عمر، وهو كحديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب سواء، وسيأتي إن شاء الله - تعالى-.
_________________
(١) الأول بضم اليم والثاني بكسرها.
(٢) الآية ١٦ من سورة غافر.
(٣) "تفسير الطبري" (١/١٤٨-١٤٩) .
[ ١ / ١٣٨ ]
١٢-قال: " حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد- هو ابن المسيب- عن أبي هريرة - ﵁- عن النبيﷺ- قال: " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ ".
أبو هريرة عرف بكنيته، واختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا، وصحح البخاري والنووي وغيرهما من الحفاظ أن اسمه عبد الرحمن بن صخر.
قدم على النبي -ﷺ- مسلمًا وهو يقسم غنائم خيبر، ثم لازم رسول اللهﷺ- حضرًا وسفرًا، فلم يشغله عن ملازمته أهل ولا مال.
وهو أحفظ الصحابة، بل أحفظ الأمة، ولهذا صار هدفًا لأهل الإلحاد بسبب كثرة ما يغضبهم من مروياته.
قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث دهرًا. (١)
جاء في "صحيح مسلم" في قصة إسلام أمه، أنه قال: " قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني الله أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا؟ فقال النبي -ﷺ-: اللهم حبب عبدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهما المؤمنين".
قال أبو هريرة: " فما خلق الله مؤمنًا يسمع بي، ولا يراني، إلا أحبني" (٢) .
ولهذا صار حبه علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق والكفر.
_________________
(١) انظر: " تهذيب الأسماء واللغات" (١/٢٧٠) .
(٢) "صحيح مسلم" (٤/١٩٣٩) .
[ ١ / ١٣٩ ]