٣٤- قال: " حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، سمعت أبا صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي -ﷺ-: يقول الله -تعالى-: " أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من منهم، وإن تقرب إلىّ بشبر تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة".
هذا الحديث من الأحاديث القدسية، وهي: ما يذكره الرسول -ﷺ- مضافًا إلى الله -تعالى- أنه قاله، ولكنه غير متعبد بتلاوته، ولا هو معجز متحدى به كالقرآن.
والظن يأتي بمعنى العلم واليقين، كقوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١) .
ويأتي واسطة بين الشك والعلم، أو بمعنى الشك، كقوله -تعالى- عن الكفار ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ﴾ (٢) . والقرائن تبين ذلك وتحدده.
فقوله: " أنا عند ظن عبدي بي "، قال صاحب "المرعاة": "يجوز أن يكون على ظاهره، والمعنى: أنا أعامله على حسب ظنه بي، وأفعل به ما يتوقعه مني، من خير أو شر، والمراد: الحث على تغليب الرجاء على الخوف، وحسن الظن بالله -تعالى- على ما دل عليه قوله -ﷺ-: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله".
_________________
(١) الآية ٤٦ من سورة البقرة.
(٢) "المرعاة" (٢/٤١٤) الطبعة الحجرية.
[ ١ / ٢٦٣ ]
ويجوز أن يكون المراد بالظن: العلم الموقن، ويكون المعنى: أنا عند علمه بي ويقينه بأن مصيره إليّ، وحسابه عليَّ، وأن ما قضيت به له أو عليه، من خير أو شر، لا مرد له، لا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت" (١) .
وقال الحافظ: " أنا عند ظن عبدي بي" أي قادر على أن أعمل به ما ظن أن أعامله به، وقال الكرماني: وفي السياق إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على
الخوف، وكأنه أخذه من أن العاقل يختار لنفسه وقوع الخير، وهو مقيد بالمحتضر، لما في الحديث: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" (٢) .
قلت: قول الحافظ هذا خلاف ظاهر الحديث، إذ هو خبر عن الله -تعالى- أنه عند ظن عبده به، يعني أنه -تعالى- يفعل بعبده ما ظنه العبد أنه يفعله به، وقد جاءت أحاديث مصرحة بذلك، كما في "المسند" من حديث واثلة بن الأسقع، سمعت رسول الله -ﷺ يقول: " قال الله: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيرًا فله، وإن ظن شرًا فله" (٣)، ورواه ابن حبان، وهذا لفظه، وفي هذا أحاديث كثيرة.
وقال في "المفهم": "معنى: "أنا عند ظن عبدي بي" ظن الإجابة عند الدعاء، والقبول عند التوبة، والمغفرة عند الاستغفار، والإثابة على العمل، إيمانًا بوعده -تعالى-؛ لما في الحديث "ادعوا الله، وأنتم موقنون بالإجابة" (٤) .
ولذلك ينبغي للمرء أن يجتهد في العمل، موقنًا بأن الله يقبله، ويغفر له؛ لأنه وعد بذلك، وهو لا يخلف وعده.
_________________
(١) "المرعاة" (٢/٤١٤) الطبعة الحجرية.
(٢) "فتح الباري" (١٣/٣٨٥-٣٨٦) .
(٣) انظر: " المسند" (٣/٤٩١) و(٤/١٠٦)، وانظر: " موارد الظمآن" (ص١٨٤) .
(٤) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. انظر "السنن" (٥/١٨٠) قلت: هو ضعيف؛ لأن في سنده صالح المري.
[ ١ / ٢٦٤ ]