قال: " باب إن لله مائة اسم إلا واحدة ".
مراده بهذا الباب: وجوب إثبات أسماء الله -تعالى- على ما ورد في كتاب الله، وعن رسوله، وأن ذلك من التوحيد الذي بينه الرسول -ﷺ- ودعا أمته إلى الإيمان به، ووجوب اعتقاده، قال الله -تعالى-: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١)، وقال - جل وعلا - ﴿قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (٢)، وقال - ﵎-: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (٣) .
فهذه الآيات وغيرها مما في معناها، تدل على وجوب الإيمان بما لله -تعالى- من الأسماء الحسنى، الدالة على عظيم جلاله، وسمعة أوصافه، فكل اسم من أسمائه دال على كمال عظمته، وبذلك كانت حسنى، أما الأسماء التي لا تدل على صفات الكمال، فليست بحسنى، وكذلك إذا اشتركت دلالتها بين الكمال والنقص، أو دلت على مجرد علم محض، مثل إبراهيم، وزيد، فلا تكون حسنى حتى تدل على كمال الصفة التي اشتق منها الاسم، مثل "العليم" فإنه يدل على أن له علمًا عامًا محيطًا بجميع الأشياء، لا يخرج عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، ومثل "القدير" الدال على قدرته التي لا يعجزها شيء، و"الرحيم" الدال على رحمته العظيمة التي وسعت كل شيء.
_________________
(١) الآية ١٨٠ من سورة الأعراف.
(٢) الآية ١١٠ من سورة الإسراء.
(٣) الآية ٢٤ من سورة الحشر.
[ ١ / ٢١٥ ]
وهكذا كل أسمائه - جلا وعلا - وهذا تفصيل وبيان للباب الثاني من الكتاب، ولكونها حسنى أوجب على عباده دعاءه بها، كما يأتي في الباب بعد هذا، وتوعد الملحدين بها.
فيدعى بكل مطلوب بما يناسبه منها، فقال: اللهم اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، وتب عليّ إنك عفو كريم، والطف بي يا لطيف، وارزقني يا رزاق، وهكذا.
"قوله: " إن لله مائة اسم إلا واحدة" التأنيث في لفظة "واحد" نظرًا إلى التسمية أو الكلمة، كما يقول النجاة: " الكلمة اسم أو فعل أو حرف".
وقال ابن مالك: " أنت باعتبار معنى التسمية، أو الصفة، أو الكلمة" (١) .
وفي بعض روايته: " إلا واحدًا".
قال ابن عباس: ﴿ذو الجلال﴾: العظمة، ﴿البر﴾: اللطيف".
في رواية: " ذو الجلال: العظيم"، فيكون "العظيم" تفسيرًا لـ" ذو"، وعلى الأولى تفسيرًا لـ" الجلال".
فذو الجلال: صاحب العظمة، الذي لا تقاس عظمته بشيء من خلقه - جل وعلا-.
وأما "البر" فهو: المحسن غاية الإحسان إلى خلقه، من غير استحقاق ولا مقابل، فهو بليغ الإحسان إلى خلقه، وإحسانه شامل لهم.
وأما " اللطيف" فهو: العالم بالخفيات، ودقائق الأمور، وغوامضها، والله أعلم.
_________________
(١) "فتح الباري" (١١/٢١٩) .
[ ١ / ٢١٦ ]
وقال الزجاج: " اللطيف": المحسن إلى عباده في خفاء وستر، من حيث لا يعلمون" (١) .
_________________
(١) "تفسير الأسماء الحسنى" (ص٤٤) .
[ ١ / ٢١٧ ]
٢١-قال: " حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- قال: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة".
﴿أحصيناه﴾ حفظناه.
" قال جماعة من العلماء: الحكمة في قوله: " مائة إلا واحدًا" بعد قوله: " تسعة وتسعين" أن يقرر ذلك في نفس السامع، جمعًا بين جهتي الإجمال والتفصيل، أو دفعًا للتصحيف الخطي، أو اللفظي" (١)
قوله: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا" هذا لا يقصد به حصر أسماء الله -تعالى- في هذا العدد المذكور، وإنما قصد الإخبار عما يترتب على إحصائها وجزائه، كما تقول: عندي مائة كتاب أعددتها للإعارة، فلا ينفي أن يكون عندك كتب غيرها، فالتقييد بهذا العدد عائد إلى الأسماء الموصوفة بهذه الصفة، وهي قوله: " من أحصاها دخل الجنة" فهذه الجملة محلها النصب صفة " لتسعة وتسعين"، ويجوز أن تكون في محل رفع على الابتداء، والمعنى " إن لله أسماء بقدر هذا العدد، من أحصاها دخل الجنة".
فأسماء الله -تعالى-، لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد، بدليل ما رواه الإمام أحمد في " المسند"، حدثنا يزيد، أنبأنا ابن مرزوق، حدثنا أبو سلمة الجهني (٢)، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله، قال: قال
_________________
(١) " الفتح" (١١/٢١٩) .
(٢) يزيد هو: ابن هارون، إمام حافظ مشهور. وابن مرزوق هو: فضيل بن مرزوق الأغر الرقاشي الكوفي، من رجال مسلم، وأبو مسلمة وأبو سلمة هو موسى بن عبد الله أو ابن عبد الرحمن.
[ ١ / ٢١٨ ]
رسول الله -ﷺ-: " ما أصاب أحدًا قط هم، ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا" (١) سنده صحيح.
قال ابن كثير: " أخرجه الإمام أبو حاتم ابن حبان في "صحيحه" بمثله" (٢) .
فهذا يدل على أن لله أسماء غير التسع والتسعين.
وقوله في الحديث: " أو استأثرت به في علم الغيب عندك" معناه: انفردت بعلمه فلم تطلع عليه أحدًا، لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا.
وقسم أسماء الله -تعالى- في هذا الحديث ثلاثة أقسام:
أحدها: ما سمى به نفسه، فأظهره لمن شاء، من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزله في كتبه.
والثاني: أنزله في كتبه، أو في بعضها، فتعرف به إلى عباده.
والثالث: استأثر به في علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه، ولهذا قال: "أو استأثرت به في علم الغيب عندك " أي: جعلته من الغيب الذي لا يعلمه غيرك، وليس المراد أنه -تعالى- انفرد بالتسمي به؛ لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أنزلها في كتبه، وهو ثبوت ما دلت عليه من المعاني اللائقة بعظمته، لا مجرد التسمية.
_________________
(١) "المسند" (١/٣٩١، ٤٥٢)، وانظر: " الفتح الرباني" (١٤/٢٦٢) .
(٢) انظر: " تفسير ابن كثير" (٣/٥١٧) ط الشعب.
[ ١ / ٢١٩ ]
ومن الأدلة على عدم حصرها فيما ذكر: قوله -ﷺ- في حديث الشفاعة: " فيفتح عليّ من محامده ما لا أحسنه الآن" وتلك المحامد، هي الثناء عليه -تعالى- بما له من أسماء حسنى وصفات عليا.
ومن الأدلة أيضًا قوله -ﷺ-: " لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (١) وأحسن الثناء ما كان بأسمائه الحسنى وصفاته العلية.
وبهذا يتبين أن الأسماء الحسنى غير محصورة في العدد المذكور، وإنما خص ذكر هذا العدد لما رتب عليه من الحكم، وهو: " من أحصاها دخل الجنة "، فليس في الحديث حصر أسماء الله -تعالى- ولا يدل على أنه ليس لله اسم غير هذه التسع والتسعين، وإنما أريد به الإخبار بدخول الجنة لمن أحصاها، لا الإخبار بحصرها،
وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، كما ذكره الحافظ، ونقل النووي الاتفاق على ذلك (٢) .
قال شيخ الإسلام: " والصواب الذي عليه جمهور العلماء: أن قول النبي -ﷺ-: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصها دخل الجنة " معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسمًا، فإن في الحديث الآخر الذي رواه أحمد وأبو حاتم في "صحيحه": " أسألك بكل اسم هو لك" الحديث، وفي "الصحيحين": " لا أحصي ثناء عليك" ولو أحصى جميع أسمائه، لأحصى صفاته، فكان يحصي الثناء عليه؛ لأن صفاته يعبر عنها بأسمائه" (٣) .
قوله: " من أحصاها دخل الجنة" اختلف في المقصود من الإحصاء، وربما فهم من صنيع البخاري أنه يرى أن إحصاءها هو حفظ ألفاظها، كما فهم
_________________
(١) رواه "مسلم" في كتاب الصلاة (١/٣٥٢)، و"أبو داود" في الوتر (٢/١٣٤) وغيرهما.
(٢) انظر: " فتح الباري" (١١/٢٢٠) .
(٣) "درء تعارض العقل والنقل" (٣/٣٣٢) .
[ ١ / ٢٢٠ ]