قال: باب قول الله -تعالى-: ﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ﴾ (١) .
أي أن ذلك من أسماء الله -تعالى- التي سمي بها نفسه، ومعناه: السالم من كل نقص وعيب. وسيأتي بيان ذلك.
"قال ابن بطال: غرضه بهذا الباب: إثبات اسمان من أسماء الله -تعالى-، قال الحافظ: وفيما ذكره نظر، ولو سلم له ذلك، فإن وظيفة الشارح بيان وجه تخصيص هذه الأسماء بالذكر (٢) دون غيرها، وإفرادها بالترجمة، ويمكن أنه أراد بهذا القدر جميع الآيات الثلاث، في آخر سورة الحشر، فإنها ختمت بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ وقد قال في سورة الأعراف: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٣)، وكأنه ﵀تعالى- بعد إثبات القدرة، والقوة، والعلم، أشار إلى أن الصفات السمعية ليست محصورة في عدد معين، بدليل الآية المذكورة. (٤) .
أو أراد الإشارة إلى ذكر الأسماء التي تسمى الله -تعالى- بها، وأطلق بعد ذلك على المخلوقين، والسلام ثبت في القرآن (٥)، وفي الحديث "أنه من أسماء الله -تعالى".
_________________
(١) الآية ٢٣ من سورة الحشر.
(٢) يعني أنه قصر في بيان وجه إيراد البخاري هذين الاسمين من بين الأسماء الأخرى.
(٣) الآية ١٨٠ من سورة الأعراف.
(٤) هي قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ] ﴿سورة الأعراف: آية ١٨٠] .
(٥) كما في الآية المترجم بها.
[ ١ / ١٢١ ]
وقد أطلق على التحية الواقعة بين المؤمنين.
والمؤمن يطلق على من اتصف بالإيمان، وقد وقعا معًا من غير تخلل بينهما في الآية المشار إليها، فناسب أن يذكرهما في ترجمة واحدة " (١) ا. هـ.
قلت: ما ذكره من أن السلام أطلق على المخلوقين، كالتحية الواقعة بين المؤمنين، غير ظاهر؛ لأن السلام الذي جعل تحية للمؤمنين اسم من أسماء الله –تعالى-، كما رواه البخاري –رحمه الله تعالى- في "الأدب المفرد"، من حديث أنس، قال: قال رسول الله –ﷺ -: "إن السلام اسم من أسماء الله –تعالى-، وضعه الله
في الأرض، فأفشوا السلام بينكم" (٢)، وإسناده صحيح، وترجم به البخاري في الصحيح فقال: ﴿باب: السلام اسم من أسماء الله –تعالى-﴾ (٣)
وفي حديث عبد الله بن مسعود المتفق عليه: "إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله " وسيذكره في الباب. وقال ابن عباس: "السلام اسم الله، وهو تحية أهل الجنة" أخرجه البيهقي في "الشعب" (٤) .
ويدل على ذلك حديث المهاجر بن قنفذ، لما سلم على النبي –ﷺ – لم يرد حتى توضأ، وقال: " إني أن أذكر الله إلا على طهر" رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٥) .
قال الحافظ: صححه ابن خزيمة وغيره (٦) .
_________________
(١) "فتح الباري" (١٣/٣٦٦) .
(٢) "الأدب المفرد" (ص٣٤٣) .
(٣) انظر: "الفتح" (١١/١٣) .
(٤) انظر: "الفتح" (١١/١٢) .
(٥) انظر: "سنن أبي داود" (١/٢٣) الحديث السابع عشر، النسائي (١/٣٧)، ابن ماجه رقم (٣٥٠) .
(٦) انظر: "الفتح" (١١/١٣) .
[ ١ / ١٢٢ ]
قال الخطابي: "وفيه دليل على أن السلام الذي يحيي به الناس بعضهم بعضًا اسم من أسماء الله –تعالى-" (١) .
وقد اختلف في معناه، فنقل عياض أن معناه: اسم الله، أي: كلاءته عليك وحفظه، كما يقال: الله معك ومصاحبك.
وقيل: معناه: أن اسم الله يذكر على الأعمال، توقعًا لاجتماع معاني الخيرات فيها، وانتفاء عوارض الفساد.
وقيل: معناه: السلامة، كما قال تعالى: ﴿فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ (٢) أن المسلم أعلم من سلم عليه أنه سالم منه، وألا خوف عليه منه (٣) .
قلت: هذه المعاني متلازمة؛ لأنه إذا حصل حفظ الله لعبده وكلاءته، وكان معه، فقد حصل له الخير والبركة والسلامة.
قال ابن دقيق العيد: " السلام يطلق على معان، منها السلامة، ومنها التحية، ومنها أنه اسم من أسماء الله –تعالى-، قال: وقد يأتي بمعنى التحية محضًا، وقد يأتي بمعنى السلامة محضًا وقد يأتي مترددًا بين المعنيين، كقوله –تعالى-.. (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم) (٤)، فإنه يحتمل التحية والسلامة، وقوله –تعالى-: ﴿وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ﴿٥٧﴾ سَلامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ (٥) (٦) ا. هـ.
_________________
(١) "معالم السنن على هامش السنن" (١/٢٣) .
(٢) الآية ٩١ من سورة الواقعة.
(٣) "الفتح" (١١/١٣) .
(٤) في الآية قراءتان، في إحداهما: السلم، بمعنى الاستسلام والانقياد، أي استسلم وانقاد لطاعة الله وتوحيده، والأخرى: السلام، وفسرت بالتحية بأن يقول: السلام عليكم.
(٥) الآيتان ٥٧-٥٨ من سورة يس.
(٦) "الفتح" (١١/١٣) .
[ ١ / ١٢٣ ]
قلت: يمكن إرجاع هذه الإطلاقات إلى معنى واحد، إذ كلها في الحقيقة تدور على طلب السلامة، والخلاص من الشر والأذى، وهذا ما تضمنته التحية المشروعة بين المسلمين.
فالصواب: أن السلام أسم من أسماء الله –تعالى- كما تقدم، وقد أمر المسلمون أن يفشوه فيما بينهم، فعندما يلقي المسلم على أخيه ذلك، فإنه يذكر الله –تعالى-، طالبًا منه السلامة، متوسلًا إليه بذكر اسمه- تعالى- المناسب لطلبه، فكأنه يقول: أنا مسالم لك أيها الأخ محب، وداع لك، وطالب حصول البركة والخير، والسلامة من كل مؤذ، ممن يملك ذلك، متوسلًا إليه في حصول ذلك باسمه السلام.
فتضمن ذلك ثلاثة أشياء:
أحدها: ذكر اسم الله –تعالى-.
الثاني: إعلام المسلم عليه: أنه مسالم له لا يناله منه أذى.
الثالث: طلب السلامة والخير له، وبهذا يظهر أن قول من قال: إنه يطلق على التحية بين المخلوقين، أنه لا يخالف كونه اسمًا من أسماء الله، أي أنه ليس قسيمًا له، بل التحية الواقعة بين المؤمنين هي ذكر اسم الله –تعالى-، المطلوب به حصول السلامة، وذلك أن السائل يسأل في كل مطلوب من الله بالاسم المناسب لمطلوبه،
كما يعلم ذلك عند تأمل الأدعية الواردة في كتاب الله –تعالى-، وفي أحاديث رسوله –ﷺ -، والله أعلم.
والصواب: أن مراد البخاري- رحمه الله تعالى- بهذه الترجمة: تنزيه الله –تعالى- عن مشابهة المخلوق، وأن اشتراكه – تعالى- مع المخلوق في الاسم، أو في معنى من المعاني، لا يكون فيه تشبيه، نحو اليد، والرجل، والاستواء، والمجيء، والضحك، والسخط، والعلم، والسمع، والبصر، وغير ذلك مما أثبته –تعالى- لنفسه، وأثبته له رسوله: لأنه –تعالى – السلام، أي: السالم من كل عيب ونقص يلحق المخلوق.
[ ١ / ١٢٤ ]
"قال ابن قتيبة: سمى نفسه سلاماَ؛ لسلامته مما يلحق المخلوق من العيب والنقص والفناء، وقال الخطابي: معناه ذو السلام، والسلام في صفة الله تعالى هو: الذي سلم من كل عيب، وبرأ من كل آفة ونقص يلحق المخلوقين، وقد قيل: هو الذي سلم الخلق من ظلمه"ا. هـ (١) .
قلت: هذا القول الأخير لا يخالف الذي قبله، بل كلاهما يدخل في اسمه تعالى: السلام. قال ابن كثير: "السلام من جميع العيوب والنقائص، بكماله في ذاته وصفاته وفي أفعاله" (٢) .
فالسلام من الكلمات الجامعة، وحقيقته: البراءة الخلاص والنجاة من الشر والعيوب، وعلى هذا المعنى تدور تصاريف هذا اللفظ، فمن ذلك: سلمك الله، وسلم فلان من الشر، ومنه دعاء الرسل على الصراط: "اللهم سلم سلم" وسلم الشيء لفلان، أي: خلص له وحده من ضرر الشركة فيه، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ﴾ (٣) أي: خالصًا له وحده لا يملكه معه غيره. والسلم ضد الحرب، قال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (٤)؛ لأن كل واحد من المتحاربين يسلم من أذى الآخر ويخلص منه، والقلب السليم هو:
النقي من الغل والدغل، الذي قد سلم لله وحده، فخلص من دغل الشرك وغله، ودغل الذنوب والمخالفات، فاستقام على حب الله وحسن معاملته، ولذلك ضمن له النجاة من عذابه، والفوز بكرامته.
_________________
(١) "زاد المسير" (٨/٢٢٥) .
(٢) "تفسير ابن كثير" (٨/١٠٥) .
(٣) الآية ٢٩ من سورة الزمر.
(٤) الآية ٦١ من سورة الأنفال.
[ ١ / ١٢٥ ]
والإسلام أخذ من هذا المعنى، فإنه: الاستسلام لله والانقياد له، والتخلص من شوائب الشرك، والبدع المضلة.
والجنة دار السلام، أي: دار السلامة من كل آفة ونقص وشر، فإطلاق السلام على الله تعالى اسمًا من أسمائه، أولى من هذا كله، وهو أحق بهذا الاسم من كل مسمى به؛ لسلامته تعالى من كل عيب ونقص من كل وجه، فهو –تعالى- السلام الحق بكل اعتبار، سلام في ذاته عن كل عيب ونقص يتخيله وهم.
وسلام في صفاته من كل عيب ونقص، وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة، فهو السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار، وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزه به نفسه، ونزهه به رسوله، فهو السلام من الصاحبة والولد، والسلام من النظير والكفء والسمي والمماثل، والسلام من الشريك.
ولهذا إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلامًا مما يضاد كمالها.
فحياته –تعالى- سلام من الموت والسنة والنوم، وقيوميته وقدرته سلام من الحاجة والتعب واللغوب، وعلمه سلام من عزوب شيء عنه أو عروض نسيان أو حاجة إلى تذكر أو تفكر، وإرادته –تعالى- سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة، وكلماته –تعالى- سلام من الكذب والخلف والظلم، بل تمت كلماته صدقًا وعدلًا، وغناه – تعالى – سلام من الحاجة إلى غيره في وجه من الوجوه، بل كل ما سواه فقير إليه محتاج، وملكه – تعالى – سلام من منازع فيه أو مشارك، أو معاون مظاهر، أو شافع عنده بدون إذنه، وإلهيته – تعالى – سلام من مشارك له فيها، بل هو الله الذي لا إله إلا هو، وحلمه، وعفوه، وصفحه، ومغفرته، وتجاوزه، سلام من أن تكون عن حاجة، أو ذل، أو مصانعة، كما يكون من غيره، بل هو محض جوده وإحسانه وكرمه.
[ ١ / ١٢٦ ]
وكذلك عذابه، وانتقامه، وشده بطشه، وسرعة عقابه، سلام من أن يكون ظلمًا، أو تشفيًا، أو غلظة أو قسوة، بل هو محض حكمته وعدله، ووضعه الأشياء مواضعها، فهو يستحق عليه الحمد والثناء، كما يستحق على إحسانه ونعمه.
وقدره وقضاؤه سلام من العبث والجور والظلم.
وشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وعدم مصلحة العباد ورحمتهم" (١) .
وهكذا جميع صفاته وأفعاله سلام من كل ما يتوهمه معطل أو يتخيله مشبه، تعالى ربنا السلام عما يضاد كماله.
وأما ذكره "المؤمن" مع السلام فلبيان أن ما تسمى الله به، وأطلق على غيره من خلقه، فإنه لا يكون بينه وبين من أطلق عليه مشابهة، فالله – تعالى – سمى نفسه: المؤمن، ومن اتصف بالإيمان من عباده يسمى: مؤمنًا، ولكن الله – تعالى – سالم من النقائص والعيوب التي تلزم الخلق؛ لأنه – تعالى – هو السلام.
وهكذا كل ما يطلق على غيره –تعالى- مما سمى به نفسه أو اتصف به، نحو العزيز، والكريم، والرؤوف، والرحيم، والسميع، والبصير، والعليم. وهو كثير.
فلله- تعالى- ما يليق به من المعاني الكاملة السالمة من النقائص والعيوب، وللمخلوق ما يناسبه ويليق بضعفه، فهو محل كل عيب ونقص. والله أعلم.
المؤمن من أسمائه – تعالى- وهو على أحد التفسيرين: المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم، فهو الذي صدق رسله وأنبياءه فيما بلغوا عنه، وشهد لهم بأنهم صادقون للدلائل التي دل بها على صدقهم – قضاء وخلقًا – فإنه – سبحانه- أخبر- وخبره الصدق وقوله الحق، أنه لابد أن يري
_________________
(١) "بدائع الفوائد" ملخصًا (٢/١٣٢-١٣٦)
[ ١ / ١٢٧ ]
عباده من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته رسله حق، كما قال –تعالى-: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١) فشهد لرسوله أن ما جاء به حق، ووعده أن يري العباد من آياته الفعلية والخلقية: ما يشهد بذلك أيضًا، ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك وأجل، وهو شهادته- تعالى- على كل شيء، فإن من
أسمائه "الشهيد": الذي لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل هو مطلع على كل شيء وشاهد له، عليم بتفاصيله، وهذا استدلال بأسمائه وصفاته، والأول استدلال بقوله وكلماته، والاستدلال بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته " (٢) .
وقال ابن الجوزي: "فأما المؤمن ففيه ستة أقوال:
أحدها: أنه الذي أمن الناس ظلمه، وأمن من آمن به عذابه.
الثاني: أنه المجيب.
الثالث: أنه الذي يصدق المؤمنين إذا وحدوه.
الرابع: أنه الذي وحد نفسه؛ لقوله –تعالى-: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ (٣) .
الخامس: أنه الذي يصدق عباده وعده.
السادس: أنه الذي يصدق ظنون عباده المؤمنين؛ ولا يخيب آمالهم"أ. هـ (٤) .
_________________
(١) الآية ٥٣ من سورة فصلت
(٢) "مدارج السالكين" (٣/٤٦٦) .
(٣) الآية ١٨ من سورة آل عمران.
(٤) "زاد المسير" (٨/٢٢٥) .
[ ١ / ١٢٨ ]
قلت: هذه الأقوال كلها حق، ويدل عليها اسمه –تعالى- "المؤمن" فهو المصدق الذي يصدق رسله بما يقيمه من الدلائل التي تدل على صدقهم فيما جاؤوا به وبلغوه عنه –تعالى-، ويصدقهم وعده بنصره إياهم على عدوهم، وبصدق عباده ما أخبرهم به من توفيتهم ما يستحقونه جزاء أعمالهم، ولا يضيع أجر أحد منهم ويؤمنهم من الظلم، فلا يخافون ظلمًا ولا هضمًا، فهو الذي يجير عباده وينجيهم من المهالك والمخاوف، وهو الذي شهد لنفسه بأنه لا إله إلا هو العزيز الحكيم.
[ ١ / ١٢٩ ]