الشام لأخذهم الشمال". (١)
قلت: وفيه نظر، وذلك أن اليمن قديم، قبل وجود مكة على يدي إبراهيم وابنه إسماعيل﵉إلا أن تكون التسمية حادثة. وقال قطرب: "سمى اليمن ليمنه". (٢)
قال الحافظ: "كان بعث معاذ إلى اليمن سنة عشر، قبل حجة الوداع" (٣)، وعند أهل المغازي، أن ذلك في ربيع الآخر، من سنة تسع، والصحيح ما قاله الحافظ، وقد أشار البخاري﵀- إلى ذلك بقوله: باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع". (٤)
وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسع، عند منصرفهﷺ - من تبوك، رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك، وحكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر" (٥) فالله أعلم.
قوله: "إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب". تقدم-بفتح الدال-لأن ماضيه ثلاثي مكسور العين، ومصدره قدومًا، لأنه يدل على معالجة.
"القوم" الجماعة من الرجال والنساء، أو من الرجال خاصة، وتدخل النساء على التبعية. قاله في "القاموس". (٦)
"وأهل الكتاب" هم اليهود والنصارى، "والمقصود هنا اليهود، وكان
_________________
(١) "المراصد" ٠٣/١٤٨٣) .
(٢) "تاج العروس" (٩/٣٧١) .
(٣) "الفتح" (٣/٣٥٨) .
(٤) انظر: "البخاري" (٥/٢٠٤) .
(٥) انظر: "الفتح" (٣/٣٥٨) .
(٦) انظر: "القاموس" (٤/١٦٨) .
[ ١ / ٣٥ ]
ابتداء دخولهم اليمن في زمن "أسعد ذي كرب" تبع الأصغر، كما ذكر ذلك ابن إسحاق في السيرة" (١) .
والمقصود بالكتاب: الجنس، والمراد: التوراة، والإنجيل.
وسمى اليهود، والنصارى: أهل الكتاب، لأن الله تعالى أنزل عليهم التوراة والإنجيل، فيهما أوامر الله، ونواهيه، ليعملوا بهما، وهدى من الله ونور يخرجهم من ظلمات الغي والشهوات، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ ﴿٣﴾ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ (٢) . فتوارثوه جيل عن جيل، ثم إنهم حرفوه، وغيروا فيه وزادوا ونقصوا، فاختلط حقه في باطلهم، ثم نسخه الله تعالى بالقرآن الذي أنزله على خاتم الرسلﷺ -.
قال الحافظ: "قوله: "إنك تقدم" الخ، كالتوطئة للوصية، لتستجمع همته عليها، لكون أهل الكتاب علم في الجملة، فلا تكون مخاطبتهم كمخاطبة أهل الجهل من عبدة الأوثان" (٣) . ولا يدل على أن كل من يقدم عليهم من أهل الكتاب، بل أغلبهم من عبدة الأوثان، كما هو معلوم.
قوله: "فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى" اللام للأمر، وإذا اقترنت بالفاء أو الواو فهي ساكنة في الغالب الأكثر.
وقوله: "إلى أن يوحدوا الله تعالى" ذكره في الزكاة بلفظ: " ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله" (٤) .
وفي رواية" "فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله
_________________
(١) "فتح الباري" (١٣/٣٤٨) .
(٢) الآيات ٣-٤ من سورة آل عمران.
(٣) "الفتح" (٣/٣٥٨) .
(٤) انظر: "الفتح" (٣/٢٦١) .
[ ١ / ٣٦ ]