منها: أن الرب- تعالى - غنى بنفسه عن كل ما سواه، ويمتنع أن يكون محتاجًا إلى غيره، بوجه من الوجوه، وأما الخلق فسادتهم وملوكهم ومن دونهم محتاجون إلى غيرهم، حاجة ضرورية.
ومنها: أن الرب - تعالى - وإن كان يحب الأعمال الصالحة، ويفرح بتوبة التائبين، فهو الذي يخلق ذلك، وييسره، فلا يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ومشيئته، والمخلوق كثيرًا ما يحصل له ما يحبه بغير فعله بل بفعل غيره.
ومنها: أن الرب- تعالى - أمر العباد بما يصلحهم، ونهاهم عما يفسدهم.
قال قتادة: " إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلًا عليهم، بل أمر بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم" بخلاف المخلوق الذي يأمر غيره بما يحتاج إليه هو، وينهاه بخلًا عليه.
ومنها: أنه - سبحانه - هو المنعم بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وهو المنعم بإيجاد القدرة والحواس، وغير ذلك مما يحصل به العلم والعمل الصالح، وهو الهادي لعباده، والمخلوق لا يقدر على شيء من ذلك.
ومنها: أن نعمه - تعالى - على عباده أعظم من أن تحصى، فلو قدر أن العبادة جزاء لنعمه لم نقم بشكر قليل منها، فكيف والعبادة من نعمه؟
ومنها: أن العباد لا يزالون مقصرين في حقه، محتاجين إلى عفوه، ومغفرته،
[ ١ / ٤٩ ]
فلن يدخل أحد الجنة بعمله (١)، وما من أحد إلا وله ذنوب يحتاج فيها إلى مغفرة ربه، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ (٢) .
فمن ظن أنه قائم بما يجب عليه، وأنه غير محتاج إلى مغفرة ربه وعفوه وهدايته وتوفيقه، فهو ضال" (٣) .
والمقصود من الحديث هنا: بيان أن حق الله على عباده هو عبادته – تعالى – الخالصة من الشرك، وهي: طاعته بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، فلا يخالف ما جاء عن الله، أو جاء عن رسوله، لغرض أو منفعة عاجلة أو آجلة، وغير ذلك.
ومن ذلك – يعني حق الله على عباده-: اتباع ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله من غير تحريف، ولا إلحاد فيه، ولهذا ترجم على هذا الحديث في كتاب الرقاق بقوله: باب من جاهد نفسه في طاعة الله.
ومراده: أن الرسول –ﷺ- قد بين ما يجب لله على عباده من عبادته باتباع أمره، واجتناب نهيه، وعبادته بأسمائه وصفاته، وتنزيهه عن مشابهة المخلوق، وما يستحقه من فعل ذلك.
_________________
(١) في" صحيح مسلم" عن جابر، سمعت النبي ﷺ يقول: " لا يدخل أحدًا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار، ولا أنا، إلا برحمة من الله" (٤/٢١٧١) رقم الحديث (٢٨١٧) . وأخرجه البخاري في عدة مواضع من "صحيحه" من حديث أبي هريرة وعائشة. انظر: "الفتح" (١١/٢٩٤) .
(٢) الآية ٤٥ من سورة فاطر.
(٣) "مجموع الفتاوى" (١/٢١٦) .
[ ١ / ٥٠ ]
٤-"حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري: " أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي –ﷺ- فذكر له ذلك، وكأن الرجل يتقالها، فقال رسول الله –ﷺ-: " والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن ".
زاد إسماعيل بن جعفر، عن مالك، عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سعيد: أخبرني أخي قتادة بن النعمان، عن النبي –ﷺ-.
أبو سعيد الخدري هو: سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن الأبجر –وهو خدرة- الذي ينسب إليه، أنصاري خزرجي، بايع تحت الشجرة، وغزا مع رسول اللهﷺ- غزوات عدة، وكان أبوه من شهداء أحد. وأبو سعيد من علماء الصحابة وفقهائهم، والمكثرين الحديث عن رسول الله –ﷺ-.
توفي ﵁ سنة أربع وسبعين (١) .
قوله: " أن رجلًا سمع رجلًا" السامع هو أبو سعيد راوي الحديث، والقاريء هو قتادة، كما بينه البخاري بقوله: "زاد إسماعيل" الخ. وقد جاء مصرحًا به في مسند أحمد، ولفظه:
"بات قتادة بن النعمان يقرأ من الليل كله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فذكر ذلك للنبيﷺ-، فقالﷺ-: " والذي نفسي بيده: لتعدل نصف القرآن أو ثلثه" (٢) .
_________________
(١) "الإصابة" (٣/٧٨)، "أسد الغابة" (٢/٣٦٥) .
(٢) "المسند" (٣/١٥)، وانظر: "الفتح الرباني" (١٨/٣٤٦) .
[ ١ / ٥١ ]
"وقتادة هو أخو أبي سعيد لأمه، وكانا متجاورين في السكن" (١)
قوله: " وكأن الرجل يتقالها" بتشديد اللام، أي: يعدها قليلة بالنسبة إلى غيرها من سور القرآن "يقال": تقلل الشيء واستقله وقاله: إذا رآه قليلًا. والمراد أنه رآها قليلة في العمل، لا أنه عدها ناقصة" (٢) .
قوله: " والذي نفسي بيده" كانﷺ- كثيرًا ما يحلف بهذه الصيغة، وقد ذكر البخاري﵀ – في الأيمان والنذور في باب: كيف كانت يمين النبيﷺ- عدة أحاديث بهذا اللفظ.
وقد روى الطبراني، وابن ماجة، عن رفاعة بن عرابة: " كان النبي –ﷺ- إذا حلف قال: والذي نفسي بيده".
وروى ابن أبي شيبة، عن أبي سعيد: كان النبيﷺ- إذا اجتهد في اليمين قال: " لا والذي نفس أبي القاسم بيده". ورواه ابن ماجه من وجه آخر، بلفظ: "كانت يمين رسول الله التي يحلف بها – أشهد عند الله- والذي نفسي بيده" (٣) .
قلت: وحديث أبي سعيد رواه أبو داود في "السنن" (٤) .
فقوله: " والذي نفسي بيده" أي روحي، وحياتي وموتي، يتصرف في كيف يشاء. وسيأتي، إن شاء الله تعالى – الكلام على صفة اليد، وأنها من صفات الله الثابتة قطعًا، وأنها يد حقيقية تليق بعظمة الرب وقدره، تعالى وتقدس عن مشابهة الخلق، وعن الظنون السيئة التي أوجبت لأصحابها تعطيل الله- تعالى- عن
_________________
(١) "فتح الباري" (٩/٦١) .
(٢) "المنهل العذب المورود" (٨/١١٣) .
(٣) "فتح الباري" (١١/٥٢٦) .
(٤) انظر: الحديث رقم (٣٢٦٤) .
[ ١ / ٥٢ ]