قال: " باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ (١) وقوله - جل ذكره -: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٢) ".
المراد بالنفس في هذا: الله -تعالى-، المتصف بصفاته، ولا يقصد بذلك ذاتًا منفكة عن الصفات، كما لا يراد به صفة الذات كما قاله بعض الناس، وسيأتي بيان ذلك من كلام السلف.
قال ابن جرير - رحمه الله تعالى -: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ أن تسخطوها عليكم بركوبكم ما يسخطه عليكم، فتوافونه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ وهو عليكم ساخط، فينالكم من أليم عقابه ما لا قبل لكم به " (٣) .
وقال: " ويخوفكم الله من نفسه، أن تركبوا معاصيه، أو توالوا أعداءه، فإن إلى الله مرجعكم، فاتقوه واحذروا أن ينالكم عقابه، فإنه شديد العقاب" (٤) .
وقال ابن خزيمة: "أول ما نبدأ به من ذكر صفات خالقنا: ذكر نفسه، جل ربنا عن أن تكون نفسه، كنفس خلقه، وعز عن أن يكون عدمًا لا نفس له " (٥) .
_________________
(١) الآية ٢٨ من سورة آل عمران.
(٢) الآية ١١٦ من سورة المائدة.
(٣) "تفسير الطبري" (٦/٣٢١) بتحقيق: محمود شاكر.
(٤) المرجع المذكور (٦/٣١٧) .
(٥) كتاب "التوحيد" (ص٥) .
[ ١ / ٢٤٩ ]
ثم ذكر بعض النصوص في ذلك كقوله -تعالى- ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وقوله -تعالى-: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ثم ذكر ما رواه البخاري في هذا الباب، وحديث ابن عباس: "أن النبي -ﷺ- حين خرج إلى صلاة الصبح وجويرية جالسة في المسجد رجع حين تعالى النهار، قال: " لم تزالي جالسة بعدي؟ "
قالت: نعم. قال: " لقد قلت بعدك أربع كلمات، لو وزنت بهن لوزنتهن (١): سبحان الله العظيم وبحمده. عدد خلقه، ومداد كلماته، ورضا نفسه، وزنة عرشه" (٢) .
وذكر أيضًا حديث محاجة موسى لآدم، وفيه: "قال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته، واصطنعك لنفسه " (٣) ثم قال: "فالله - جل وعلا- أثبت في آي من كتابه أن له نفسًا، وكذلك قد بين على لسان نبيه -ﷺ- أن له نفسًا" (٤) .
وفي "صحيح مسلم" في حديث أبي ذر الطويل: " يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا" (٥) .
وفي "السنن" عن علي - ﵁ - أن رسول الله -ﷺ- كان يقول في آخر وتره: " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من
_________________
(١) يعني: لو وزنت هذه الأربع بما قلتيه منذ فارقتك لوزنتهن. رواه مسلم في كتاب الذكر.
(٢) كتاب "التوحيد" (ص٧) رواه مسلم، كتاب "الذكر" رقم (٢٧٢٦) (٤/٢٠٩٠) .
(٣) كتاب "التوحيد" (ص٩) وهو في "الصحيحين"، انظر: "الفتح (٦/٤٤١)، و(٨/٤٣٤)، و(١١/٥٠٥)، ومسلم (٤/٢٠٤٣، ٢٠٤٤) .
(٤) كتاب "التوحيد" (ص٨) .
(٥) "صحيح مسلم" (٤/١٩٩٤) .
[ ١ / ٢٥٠ ]
عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (١) .
وتقدم ذكر حديث ابن مسعود في "المسند" مرفوعًا: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك" (٢) .
فهذه النصوص واضحة في أن المراد بالنفس هو الله -تعالى- كما قلنا.
ولا يخالف ذلك ما قاله ابن خزيمة والأئمة؛ لأن مقصودهم إثبات ما أثبته الله من غير تعرض له بتأويل أو تمثيل، تعالى الله عن الأمثال والأنداد، والتمسك بالنصوص التي قالها الله ورسوله، مع الإعراض عما يقوله أهل التأويل، وأصحاب
الوساوس الشيطانية، التي تعود على النصوص بالإبطال، وحسب المسلم أن يسعه ما وسع السلف الصالح من الصحابة، ومن سلك طريقهم.
وليس معنى ذلك الإعراض عن معاني النصوص، كما يتوهمه بعض الناس من مذهب السلف، ويعبرون عنه بالتفويض.
بل المقصود إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله، مع فقه المعنى اللائق بعظمة الله -تعالى- وفهمه، على ما دل عليه قوله -تعالى-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ونحوها من الآيات المحكمات، والأمر في هذا واضح لمن تمسك بالكتاب والسنة.
روى ابن جرير، عن مجاهد، في قوله -تعالى-: ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها﴾ (٣) .
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٢/١٣٤)، والترمذي (٥/١٨٧) رقم (٣٥٦٢)، والنسائي (٣/٢٤٩)، وابن ماجه (١/٣٧٣) رقم (١١٧٩)، ورواه مسلم في "صحيحه" (١/٣٥٢) رقم (٢٢٢) .
(٢) "المسند" (٥/٢٦٧)، (٦/١٥٣) تحقيق: أحمد شاكر.
(٣) الآية ١٥ من سورة طه.
[ ١ / ٢٥١ ]
قال: من نفسي. وأصله عن ابن عباس.
وروي عن أبي صالح: ﴿أكاد أخفيها﴾ قال: يخفيها من نفسه.
وعن قتادة: ﴿أكاد أخفيها﴾ - وهي في بعض القراءات: " أخفيها من نفسي" (١) -: "لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، ومن الأنبياء المرسلين" (٢) .
وقال ابن كثير: " أكاد أخفيها" قال الضحاك: عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: "أكاد أخفيها من نفسي"، يقول: لأنها لا تخفى من نفس الله أبدًا، وقال سعيد بن جبير: عن ابن عباس، "من نفسه"، وكذا قال مجاهد وأبو صالح، ويحيى بن رافع.
وقال السدي: ليس أحد من أهل السماوات والأرض، إلا وقد أخفى الله عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود: " إني أكاد أخفيها من نفسي" (٣) .
وقال ابن جرير في قوله -تعالى-: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، يقول: إنك يا رب لا يخفى عليك ما أضمرته نفسي مما لا أنطق به ولم أظهره بجوارحي، فكيف بما نطقت به وأظهرته بجوارحي، لو كنت قد قلت للناس:
﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ كنت قد علمته، لأنك تعلم ضمائر النفوس مما لم تنطق به، فكيف بما نطقت به؟ ﴿وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ يقول: ولا أعلم أنا ما أخفيته عني فلم تطلعني عليه، لأني إنما أعلم من الأشياء ما علمتنيه" (٤) .
_________________
(١) هي قراءة ابن مسعود، كما سيأتي عن ابن كثير وابن عباس.
(٢) "تفسير ابن جرير" (١٦/١٤٩) طبعة الحلبي.
(٣) "تفسير ابن كثير" (٥/٢٧٢) طبعة الشعب.
(٤) "تفسير ابن جرير الطبري" (١١/٢٣٨) تحقيق: محمود شاكر.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وقال في قوله -تعالى-: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ " أنعمت عليك - يا موسى - هذه النعم، ومننت عليك هذه المنن، اجتباء مني لك، واختبارًا لرسالاتي، والبلاغ عني، والقيام بأمري ونهيي" (١) .
وقال ابن كثير: "أي: اصطفيتك واجتبيتك رسولًا لنفسي، أي كما أريد وأشاء" (٢) .
وقال ابن سعيد الدارمي: "وادعى المعارض: أن الله لا يوصف بالضمير، والضمير منفي عن الله، وهي كلمة خبيثة قديمة، من كلام جهم، عارض بها جهم قول الله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، يدفع بذلك أن يكون الله -تعالى- سبق له علم في نفسه من الخلق وأعمالهم قبل أن يخلقهم.
فرد عليه بعض العلماء، وقالوا: كفرت بها من ثلاثة أوجه:
الأول: أنك نفيت عن الله العلم السابق في نفسه قبل حدوث الخلق.
الثاني: أنك استجهلت المسيح ابن مريم - ﵇ - بأنه وصف ربه بأن له خفايا علم في نفسه، إذ يقول: ﴿وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ .
الثالث: أنك طعنت به على محمد -ﷺ- إذ جاء به مصدقًا لعيسى..
قال أبو سعيد: "وقول جهم هذا أصل كبير في تعطيل النفس والعلم السابق، ويرد عليه بقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، فذكر المسيح أن لله علمًا سابقًا في نفسه، يعلمه الله، ولا يعلمه هو".
ثم روى عن أبي البحتري أنه قال: " لا يقولن أحدكم: اللهم أدخلني مستقر رحمتك، فإن مستقر رحمته نفسه" (٣) .
_________________
(١) "تفسير الطبري" (١٦/١٦٨) مطبعة الحلبي.
(٢) "تفسير ابن كثير" (٤/٢٨٧) طبعة الشعب.
(٣) نقض عثمان بن سعيد على بشر المريسي، (ص٥٥٠) "عقائد السلف"، ملخصًا بتصرف.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وقال الراغب: " نفسه: ذاته، وهذا وإن كان قد حصل - من حيث اللفظ - مضاف، ومضاف إليه، يقتضي المغايرة، وإثبات شيئين من حيث العبارة، فلا شيء من حيث المعنى سواه، سبحانه عن الاثنوية من كل وجه" (١)
قال الحافظ: قال البيهقي: والنفس في كلام العرب على أوجه:
منها: الحقيقة، كما يقولون في نفس الأمر، وليس للأمر نفس منفوسة.
ومنها: الذات، قال: وقد قيل في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ إن معناه: تعلم ما أكنه، وما أسره، ولا أعلم ما تسره عني" (٢)، "وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله -تعالى-: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ أي: إياه.
وحكى صاحب "المطالع" في قوله -تعالى-: ﴿وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ثلاثة أقوال:
أحدها: لا أعلم ذاتك.
ثانيها: لا أعلم ما في غيبك.
ثالثها: لا أعلم ما عندك، وهو بمعنى قول غيره: لا أعلم معلومك أو إرادتك، أو سرك، أو ما يكون منك" (٣) .
"قال ابن بطال: في هذه الآيات والأحاديث، إثبات النفس لله -تعالى- وللنفس معان، والمراد بنفس الله -تعالى- ذاته، وليس بأمر مزيد عليه، فوجب أن يكون هو" (٤) .
_________________
(١) "المفردات" (ص٥١١) .
(٢) "الفتح" (١٣/٣٨٤) . ذكر الحافظ كلام البيهقي بالمعنى، فصار أحسن من كلام البيهقي، ولهذا آثرته، وهو في "الأسماء والصفات" (ص٢٨٦) .
(٣) "الفتح" (١٣/٣٨٤) .
(٤) المرجع نفسه.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وقال شيخ الإسلام: "ونفسه هي ذاته المقدسة" (١) .
وقال أيضًا: "ويراد بنفس الشيء: ذاته، وعينه، كما يقال: رأيت زيدًا نفسه، وعينه، وقد قال -تعالى-: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وقال: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ .
وفي الحديث: "سبحان الله رضا نفسه"، وفي الآخر: " إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي".
فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء: الله نفسه التي هي ذاته، المتصفة بصفاته، ليس المراد بها ذاتًا منفكة عن الصفات، ولا المراد بها صفة للذات.
وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات.
كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين خطأ" (٢) .
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (١٤/١٩٦) .
(٢) "مجموع الفتاوى" (٩/٢٩٢-٢٩٣)، باختصار قليل.
[ ١ / ٢٥٥ ]
٣٢- قال: " حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ- قال: " ما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش، وما أحد أحب إليه المدح من الله ".
هذا الحديث ذكره البخاري في مواضع متعددة، فتقدم في تفسير سورة الأنعام، وفيه: "ولا شيء أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه" (١) . "فذكر النفس ثابت في هذا الحديث، وإن كان لم يقع في هذه الطريق، لكنه أشار إليه، كعادته، فإنه - ﵀ - كثيرًا ما يترجم ببعض ما ورد في طرق الحديث الذي يورده" (٢) .
قلت: وهذه الجملة من الحديث المذكورة في التفسير هي محل الشاهد، فهو يشير إليها.
وسيأتي الكلام - إن شاء الله - في الغيرة بعد أربعة أبواب غير هذا، وتقدم الكلام في النفس ما فيه الكفاية.
قوله: "من أجل ذلك حرم الفواحش " الحرام هو: الممنوع، وتحريم الله -تعالى- للشيء، هو منعه منه شرعًا، أو قدرًا، فالشرع نحو ما في هذا الحديث، وهو كثير جدًا، أي أمثلته.
وأما القدر فكقوله - تعالى -: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ
_________________
(١) انظر: " الفتح" (٨/٢٩٥) .
(٢) "الفتح" (١٣/٣٨٥) .
[ ١ / ٢٥٦ ]