منورهما، وبك يهتدي من فيهما" (١) .
وقال القاضي عياض: " معناه: ذو النور، أي خالقه.
وقيل: منور الدنيا بالشمس والقمر والنجوم.
وقيل: منور قلوب عباده المؤمنين بالهداية والمعرفة " (٢) .
قلت: هذا تأويل باطل كما سيأتي بيان بطلانه.
قال شيخ الإسلام في جواب من قال: إنه يجب تأويل قوله: " الله نور السماوات والأرض " قطعًا. قال: " لا نسلم أنه يجب تأويله، ولا نسلم أن ذلك لو وجب قطعي، بل جماهير المسلمين لا يتأولون هذا الاسم، وهذا مذهب السلفية وجمهور الصفاتية من أهل الكلام والفقهاء والصوفية وغيرهم، وهو قول أبي سعيد ابن كلاب، ورد على الجهمية تأويلهم " اسم النور" وكذا الأشعري" ا. هـ (٣) .
وقد نص الله -تعالى- في كتابه أنه نور السماوات والأرض، وزاد ذلك رسول الله _صلى الله عليه وسلم_إيضاحًا وبيانًا، كما في هذا الحديث وغيره.
وقد أخبر -تعالى-: أن الأرض يوم القيامة تشرق بنوره، وصحت النصوص عن رسول الله -ﷺ- بأنه يحتجب بالنور، فإذا كانت الأرض تشرق من نوره، فهو - جلا وعلا- نور، كما قاله رسوله: " أنت نور السماوات والأرض".
وقال -تعالى-: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (٤) وقال -تعالى-: ﴿وَأَشْرَقَتِ
_________________
(١) "الفتح" (٣/٤) .
(٢) "المشارق" (٢/٣١) .
(٣) "مجموع الفتاوى" (٦/٣٧٩) .
(٤) الآية ٣٥ من سورة النور.
[ ١ / ١٧١ ]
الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ (١) .
وفي الحديث الذي رواه ابن إسحاق في السيرة عن رسول الله -ﷺ- أنه قال في دعائه: " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة " (٢) .
وقال ابن مسعود: " إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه" (٣) .
وفي حديث أبي ذر في "صحيح مسلم" قال: سألت رسول الله -ﷺ-: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنَّى أراه" وفي رواية "رأيت نورًا" (٤) .
وفي حديث أبي موسى في "صحيح مسلم" قال: قام فينا رسول الله بخمس كلمات، فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (٥) .
السبحات هي: نوره وبهاؤه وجلاله.
_________________
(١) الآية ٦٩ من سورة الزمر.
(٢) انظر: "مختصر السيرة" لابن هشام (١/٤٢٠)، وقال شيخ الإسلام: رواه الطبراني وغيره، انظر: "مجموع الفتاوى" (٦/٣٨٧) .
(٣) رواه الدارمي في "الرد على بشر" (ص٤٤٩)، وابن منده في "الرد على الجهمية" (ص٩٩)، قال ابن القيم: رواه الطبراني في "المعجم" وفي "السنة". انظر: "اجتماع الجيوش" (ص٦) .
(٤) انظر: "مسلم" (١/١٦١) .
(٥) "مسلم" (١/١٦٢) .
[ ١ / ١٧٢ ]