ما أبيح قتله من الدواب
وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كُلُّهُنَّ فَواسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحِلّ وَالحَرَمِ: العَقْرَبُ، وَالحِدَأَةُ، وَالغُرَابُ، وَالفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١).
هذه الدواب يقتلن في الحل والحرم؛ لأذيتهن.
فقوله: «خَمْسٌ» هذا مفهوم عدد ليس فيه الحصر، وقد جاء في بعض طرق البخاري: «والحية» (٢) وعند أبي داود: «السبع العادي» (٣).
وقوله: «كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ» الفاسق: هو الخارج عن حد الاعتدال، والفسوق: الخروج، وفي هذا قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. أي: خرج عن طاعة ربه وما أراداه منه.
و«العَقْرَبُ»: هي الدابة المعروفة ذات السم وهذه تُقْتَل حتى في الصلاة والنبي - ﷺ - أمر بقتل الأسودين كما في حديث يحيى بن أبي كثير عن ضمضم بن جوس عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، وهو حديث صحيح.
«وَالحِدَأَةُ»: طائر معروف ينتشل اللحم ويسرقه، وفي قصة عائشة - ﵂ - في قصة المرأة التي كانت لها حفش (٤) في المسجد وكانت تتمثل بأبيات كثيرة منها هذا البيت:
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٢٩)، ومسلم (١١٩٨).
(٢) رواه مسلم (١١٩٨).
(٣) رواه أبو داود (١٨٤٨)، وابن ماجه (٣٠٨٩)، وأحمد (٣/ ٣). وقال الحافظ في التلخيص: في إسناده يزيد بن أبي ضعيف وإن حسنه الترمذي وفيه لفظة منكرة وهي قوله: «ويرمي الغراب ولا يقتله» ا. هـ.
(٤) الخشف: هو البيت الصغير قليل الارتفاع.
[ ١٠٢ ]
ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا إلا أنه من بلدة الكفر أنجاني
وكانت عائشة ما جلست معها إلا تسمع هذا البيت فقالت: ما قصته؟
قالت: إني كنت عند أناس وفقدوا وشاحًا أحمر كان على إحدى جواريهم أتته الحدأة فأخذته تظنه لحمًا، قالت: ففتشوني حتى فتشوا قُبُلَهَا قالت: فبينما هم كذلك أتت الحدأة فرمت بالوشاح (١).
وبوب عليه البخاري (باب نوم المرأة في المسجد).
«وَالغُرَابُ»: هو طائر خبيث أسود في ظهره وبطنه بياض يؤذي المزارعين.
«وَالفَأْرَةُ»: هي الدابة التي تخرق وتشق الأقمشة، وتسرق الذهب كما قال بعضهم، وتفسد الأطعمة، وتقذر بفضلاتها.
«وَالكَلْبُ العَقُورُ»: قد يقال أنه اسم جنس فيشمل الأسد والنمر، اعتمادًا على ما روي أن النبي دعى على بعض ولد أبي لهب: اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك فقتله الأسد (٢). خرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة وهو مشهور في أخبار السيرة لكن ليس له إسناد قائم.
وقيل: أنه الكلب، والصحيح أنه يشمل كل كلب عقور يفترس ويعدو ويؤذي ويعقر الدواب والناس.
والدواب قال أهل العلم فيها إنها ثلاثة أقسام من حيث القتل وعدم القتل:
_________________
(١) رواه البخاري (٤٢٨، ٣٦٢٣).
(٢) رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٨٨)، وصححه ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي (٥/ ٢١١)، والهيثمي في الزوائد (٢/ ٥٦٢)، والمتقي الهندي في كنز العمال (١٢/ ٦٨٨)، وقال: أورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ٣٦٦) وقال: أخرجه ابن إسحاق وأبو نعيم من طرق أخرى مرسلة. ا. هـ، وابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف (٢/ ١٣٨). وقال العلامة الألباني في تخريج الظلال (١/ ٧٣٤): حسن لشواهده، ونقل تحسين الحافظ في الفتح (٤/ ٤٨).
[ ١٠٣ ]
١ - قسم أمر النبي - ﷺ - بقتله كهذه الخمس، والوزغ كذلك وسماه فويسقًا كما في حديث أم شريك الذي رواه البخاري وفيه قال: كان ينفخ النار على إبراهيم (١)، وقاس عليها العلماء كل مؤذي من الدواب.
٢ - قسم ينهى النبي - ﷺ - عن قتله مثل: «النملة، والنحلة، والهدهد، والصُرد» (٢).
٣ - قسم مسكوت عنه.
فقال بعضهم: يباح قتلها؛ لأن سكوت الشارع عفو.
وقال بعضهم: لا تقتل؛ لأن الله خلقها لحكمة، وبخاصة إن كان الأصل أنها غير مؤذية، فالأولى تركها ما لم يكن حصل منها ضرر وأذية، ولهذا جاء النهي عن قتل الهدهد والنملة والنحلة.
وقد لا يكون في بعضها فائدة كالصرد: وهو طائر أكبر من العصفور قليلًا، والنملة قد لا يكون فيها فائدة بل قد يصير بها شيء من الإفساد بحق الأرض، لكن الأصل في النمل أنه لا يقتل، وإن أمكن دفع أذيته بغير القتل كالكنس أو الفخ بالهواء، فلا يقتل إلا إذا لم يندفع شره إلا بالقتل قتلت.
مسألة:
وهل تقتل هذه الدواب الخمس ابتداءً؟ نعم. تقتل ابتداءً، وليس معنى هذا أن ينشغل الإنسان بالبحث عنها وطردها لكن إذا عرضت له قتلها، ويكون في قتلها امتثالًا لأمر النبي - ﷺ - لهذا لما كان الصحابة - رضي الله عليهم أجمعين - بمنى
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٣١، ٣١٨٠)، ومسلم (٢٢٣٧، ٢٢٣٨).
(٢) رواه أبو داود (٥٢٦٧)، وابن ماجه (٢٦٠٩)، وأحمد (١/ ٣٣٢، ٣٤٧)، قال ابن حجر في التلخيص (٢/ ٢٧٥): رجاله رجال الصحيح، قال البيهقي: هو أقوى ما ورد في هذا الباب، ثم رواه من حديث سهل بن سعد وزاد فيه والضفدع، وفيه عبد المهيمن بن عباس بن سهل وهو ضعيف.
[ ١٠٤ ]
خرجت عليهم حية فابتدروها يقتلوها فدخلت الجحر فقال النبي - ﷺ -: «كفيت شركم وكفيتم شرها» (١).
وجاء في بعض الأحاديث تقييد الغراب بالأبقع والصحيح كل الغربان وإن صحت فيكون لشدة أذيته وجاء الأبقع في مسلم (٢).
_________________
(١) رواه البخاري (١٧٣٣، ومواضع)، ومسلم (٢٢٣٤).
(٢) رواه مسلم (١١٩٨)، وقال العلامة محمد فؤاد عبد الباقي: (الغراب الأبقع) هو الذي في ظهره وبطنه بياض.
[ ١٠٥ ]