في النهي عن سفر المرأة بدون محرم
وَعَنْ ابن عباس - ﵄ - قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ الله - ﷺ - يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرُ المَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِك» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
هذه الخطبة التي خطبها النبي - ﷺ - يحتمل أنها خطبة عامة (جمعة) ويحتمل أنها عارضة وخطب النبي - ﷺ - قسمين: راتبة، وعارضة.
قوله: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ » هذا نهي مؤكد. وقوله: «رَجُلٌ» أي البالغ. وقوله: «امْرَأَة» الأصل في المرأة في اللغة» البالغة. (المحرم): هو الزوج أو من تحرم عليه المرأة على التأبيد بنسب (كالأخ والعم ) أو بسبب مباح (كالرضاع) وقولنا: (على التأبيد) يخرج من ذلك ما تحرم عليه المرأة حرمة مؤقتة مثل زوج أخت المرأة، وغيره ممن يمكن أن يتزوجها يومًا ما إذا طلقت أو مات عنها زوجها، فهذا لا يصلح محرم ويعامل معاملة الأجانب.
من فوائد الحديث:
١ - حرص النبي - ﷺ - على إبلاغ الشريعة حتى أنّه خطبهم في مثل هذا الأمر الذي هو حُكم من الأحكام لكن خَطَب فيه.
٢ - تحريم خلوة الرجل بالمرأة إلا مع ذي محرم، ويحرم السفر بدون محرم، والمحرم عند أهل العلم هو: الزوج ومن تحرم عليه المرأة بالتأبيد بسبب مباح أو نسب، ويشترط أن يكون ذكرًا بالغًا عاقلًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٢٦)، ومسلم (١٣٤١). انظر تحفة الأشراف (٥/ ٣٥٧).
[ ٤٤ ]
وقال بعضهم وهو مروي عن أحمد - ﵀ -: ولا بأس أن يكون ابن عشر سنين؛ لأن المراد بالمحرم أن يكون حافظًا للمرأة، ولهذا لو وجد مع المرأة صبي لا يكون محرمًا، وكذا لو وجد معها مجنون، فهذا لا ينفع أن يكون محرمًا، فالمحرم لابد أن يكون بالغًا على القول الراجح ذكرًا عاقلًا، فالمجنون لا خير فيه ولا ينفع بشيء ولو أرادت المرأة أن تفجر ربما أعانها.
وهل يشترط أن يكون المحرم للمرأة المسلمة مسلمًا؟ قال بعضهم: نعم؛ لأن محرمها لو كان كافرًا قد لا يغار عليها، والصحيح أنه لا يشترط إسلامه؛ لأن الوازع الطبيعي يقوم مقام الوازع الشرعي لهذا الكافر - في الجملة - يغار على محارمه - زوجته وابنته - كما يغار في القرابة المسلم على محارمه، فهذا مركوز في قلوب العباد من أجل القرابة، وإن كان قد يكون حال الكفار في كثير من أحوالهم على غير هذا، لكنهم إذا عاداهم أحد على محارمهم فإنهم يدافعونه، فالصحيح أنه لا يشترط هذا الشرط.
٣ - عموم هذا النهي لكل رجل ولكل امرأة يعني لا يخلون رجل بامرأة أيًا كان حال هذا الرجل وأيًا كان حال هذه المرأة.
وقد قيل:
لكل ساقطة في الحي لاقطة وكل كاسدة يومًا لها سوقُ
وقد تكون المرأة دميمة لكن قد يأتي من يشغلها ويحبها ويريد الفجور بها.
وقد ذكر الشيخ حمود التويجري - عليه رحمة الله - في كتابه (الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور) قصصًا كثيرةً في مثل قصص التبرج، فذكر أن رجلًا خلا بامرأة عجوز فقالت - وقد خلا بها شاب يريدها -: إني عجوز: فلم يصرفه ذلك عن مراده الخبيث، فهو لم يترك هذه المرأة رغم أنها كبيرة.
[ ٤٥ ]
وقد قيل: المرأة لحم على وضم إلا ما ذُبَّ (١) عنه، والوضم هو: خشب يوضع عليه اللحم من أجل تقطيعه فيأتي عليه الذباب، فالغرض مثل اللحم إن لم تَذُّبَ عنه وغفلت تعدو الذئاب عليه.
٤ - وفي الحديث جواز خلوة المرأة بالصغير لأنه لا يسمى رجلًا.
وفي قوله: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ» فإذا قيل رجلان وامرأة أو امرأتان ورجل فهو يجوز أو لا؟!
قال بعضهم: إنه لا يجوز؛ لأن هذا يُمْنَع من باب أولى.
والصحيح أنه جائز حيث لا ريبة، كيف ريبة؟ يكون رجلان خيران مع امرأة أو امرأتان مع رجل ودل عليه ما أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لا يخلون رجل بهؤلاء المغيبات إلا ومعه رجل أو رجلان».
وفي الحضر يشترط عدم الخلوة امرأتين مع رجل ثلاث مع رجل رجلين أو أكثر مع امرأة لا بأس، أما في السفر فلا بد لكل امرأة من محرم حتى ولو عشر نساء لابد أن يكون لكل امرأة محرم.
٥ - وفي الحديث عناية الشارع بالمرأة.
٦ - وفيه أن الحج لا يجب على المرأة التي لا تجد محرمًا، فإذا وجِدَت امرأة قادرة ببدنها قادرة بمالها لكن لم يتيسر لها محرم، فهل المحرم يكون شرطًا للوجوب أو شرطًا للأداء؟؟!
قال بعضهم: إنه شرط للوجوب يعني إذا لم يوجد المحرم لا يجب.
وقال بعضهم: شرط للأداء.
_________________
(١) الذَّب: الدفع والمنع. [لسان العرب (١/ ٣٨٠)].
[ ٤٦ ]
وثمرة المسألة من كونه شرطًا للوجوب أو شرطًا للأداء؛ أنه لو كان شرط وجوب وماتت المرأة فلا يؤخذ من مالها بل يجب أن يوفر للورثة؛ لأن الحج لم يجب عليها لعدم وجود المحرم، وإذا قلنا أن المحرم شرط أداء ولم تؤده بنفسها فإنه يؤديه عنها غيرها، فإذا ماتت يؤخذ من تركتها ما يحج به عنها، والصحيح أنه شرط وجوب.
سؤال: مسألة تكرار الحج خلال خمس سنوات؟
الجواب: ما في بأس لقول النبي - ﷺ -: «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الذهب والحديد والفضة » (١).
وقد جاء حديث فيه ذكر الخمس سنين من حديث أبي سعيد وأبي هريرة - ﵄ - وهو حديث قدسي ولفظه: «إن عبدًا أصححت له جسمه وأوسعت عليه في المعيشة فأتى عليه خمسة أعوام لم يفد إلىّ لمحروم» (٢).
وولاة الأمر في عصرنا رأوا تنظيم الحج بهذه المدة، فلا يكرر الحج إلا من أتى عليه خمس سنين مراعاة لما صار عليه عدد الناس في الأزمنة المتأخرة من الكثرة والزحام الشديد.
سؤال: هل هناك وقت بين العمرتين؟
الجواب: للعلماء كلام كثير لكن جاء عن بعض السلف كأنس - ﵁ - وغيره قولهم: إذا حتم (٣) رأسه.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٨١٠)، والنسائي (٢٦٣١)، وأحمد (١/ ٣٨٧ رقم ٣٦٦٩)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٨٦)، وأبو يعلى (٨/ ٣٨٩)، وغيرهم من حديث ابن مسعود.
(٢) أخرجه البيهقي في سنه (٥/ ٢٦٢)، وهو حديث ضعيف تتابع الأئمة على الطعن فيه كالبخاري والدارقطني والبيهقي وابن عدي وغيرهم، وهو آخر حديث في كتاب الحج عند البيهقي.
(٣) الحَتْمُ: إحكام الإمر. [مختار الصحاح (١/ ١٦٧)].
[ ٤٧ ]
فقال بعضهم: يجب أن يكون بينهما وقت يتسع لنبات الشعر، واستحسنها الإمام أحمد - ﵀ - وأخذ بعضهم بأثر أنس - ﵁ -، والمقصود أنه لا يأت بعمرة مكية أي: تكرار العمرة المكية، مثل أن يذهب إلى التنعيم (١) ويأت بعمرة فهذه التي أنكرها السلف وشيخ الإسلام - ﵀ - لكن لو اعتمر الإنسان ثم ذهب إلى بلده ثم عَنَّت له حاجة في مكة وكان بينهما أسبوع أو أيام ينبت فيها الشعر فهذا لا إشكال فيه.
وبعضهم كره أن تكون في السنة أكثر من مرة وهذا ضعيف.
وتكرار العمرة المكية ليس بمشروع فهذا ما فعله إلا عائشة مع النبي - ﷺ - عندما أخبرها أن طوافها وسعيها بين الصفا والمروة الخ. فقالت: إني أجد في نفسي أني لم أطف حينما قدمت بعدما راجعته قال لعبد الرحمن أخيها: أذهب بأختك فأعمرها من التنعيم. ولم يعتمر عبد الرحمن كما هو الظاهر.
أما ما وقع في صحيح البخاري: هل فرغتما من طوافكما؟ فهذه اللفظة عند البخاري من طريق أبي نعيم عن أفلج بن حميد عن القاسم عن عائشة.
وقد خالف أبا نعيم أبو بكر الحنفي عند البخاري فرواه عن أفلج مطولًا دون هذه اللفظة برقم (١٥٦٠) والذي يظهر لي أن الحمل فيها ليس على أبي نعيم فإنه حافظ بل على أفلج بن حميد فإنه مختلف فيه.
وأيضًا الحديث يروى عن عائشة من غير وجه دون هذا اللفظ، وهذه اللفظة وإن صحت فهذا من باب التغليب، ويحتمل أنه طافا بالبيت فالطواف عبادة منفردة عن الحج والعمرة، لكن لم يُنْقل أن عبد الرحمن حينما ذهب إلى التنعيم ثم أحرمت عائشة - ﵂ - أنه أحرم معها ولا قصر ولا سعى إنَّما نُقِل أنه أعمرها هي.
_________________
(١) التَّنْعِيْم: بالفتح ثم السكون وكسر العين المهملة وياء ساكنة وميم موضع بمكة في الحِل، وهو بين مكة وسرف على فرسخين من مكة وقيل على أربعة، وسمي بذلك؛ لأن جبلًا عن يمينه يقال له: نعيم، وآخر عن شمال يقال له: ناعم، والوادي: نعمان، وبالتنعيم مساجد حول مسجد عائشة، وسقايا على طريق المدينة، منه يحرم المكيون بالعمرة. [معجم البلدان (٢/ ٤٩).
[ ٤٨ ]
ونقل عن ابن الزبير أنه لما فرغ من بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ذهب إلى التنعيم فأحرم، فهذه عمرة عارضة شكرًا لله - ﷿ - وهذا الذي بلغنا في العمرة المكية، لكن أنكرها طاوس وجماعة من أصحاب ابن عباس أنكروا على من يفعل هذا.
سؤال: بالنسبة لمن جاء من بعيد قد لا يتيسر له الحضور مرة أخرى؟
الجواب: من بعيد يلتزم بما شرعه رب العبيد ويكثر من الطواف وقراءة القرآن والصدقة في مكة، هذا الذي يظهر لكن لو أن إنسانًا حج من بعيد ومعه شخص قال: أنا من بعيد وأجد في نفسي أني ما أفردت بعمرة - هذا في الحج - أو امرأة حجت متمتعة فحاضت قبل الشروع في العمرة ووجدت في نفسها، فنقول: إذا كانت الحال مثل الحال فلا بأس.
سؤال من الشيخ: ما هي العبادة التي لا يفعلها إلا عبد واحد في الدنيا كلها في وقت واحد؟
تقبيل الحجر ومسّ الركن وكان ابن عمر يزاحم على الحجر حتى يدمي (١)، فقال له رجل ذات يوم أرأيت إن زاحمت؟ أرأيت أرأيت فقال: اجعل أرأيت باليمن (٢) فكان ابن عمر يأخذ الأمور بقوة فربما اجتهد وشدد على نفسه فربما زاحم حتى يُدمى.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/ ٥٩٣ رقم ١٥٦٢) من قول نافع أن ابن عمر كان يزاحم على الركن وكان لا يدعه حتى يستلمه.
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٥٨٣ رقم ١٥٣٣).
[ ٤٩ ]